الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

قال ابن حجر:
‘والحاصل أنه أمَرَ بالجد في العبادة، والإبلاغ بها إلى حد النهاية، لكن بقيد ما لا تقع معه المشقةُ المُفضية إلى السآمة والملال’[24].
قال الشاطبي:
‘المشقة ليس للمكلَّف أن يقصِدَها في التكليف نظرًا إلى عِظَم أجرها، وله أن يقصِد العمل الذي يعظُم أجرُه؛ لعظم مشقَّته من حيث هو عمل’[25]، وقال أيضًا: ‘فإذا كان قصدُ المكلف إيقاعَ المشقة، فقد خالف قصد الشارع؛ من حيث إن الشارعَ لا يقصِد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطلٌ؛ فالقصدُ إلى المشقة باطلٌ، فهو إذًا من قبيل ما يُنهَى عنه، وما يُنهى عنه لا ثوابَ فيه’[26].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:
‘ومما ينبغي أن يُعرَف أن الله ليس رضاه أو محبتُه في مجرد عذاب النَّفس وحملِها على المشاقِّ، حتى يكون العملُ كلما كان أشقَّ كان أفضل، كما يحسب كثيرٌ من الجُهال أن الأجرَ على قدر المشقَّة في كل شيء، لا، ولكن الأجر على قدر منفعةِ العمل، ومصلحته، وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأيُّ العملين كان أحسن، وصاحبه أطوع وأتبع - كان أفضلَ؛ فإن الأعمالَ لا تتفاضل بالكثرة، وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل’[27].
ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، نعلم أن الذين يكلِّفون أنفسهم بعبادات لا يستطيعون القيامَ بها، أنهم يخالفون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخالفون هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويخالفون مقصودَ الشرع، فلم يسدِّدوا ولم يقاربوا، بل شدَّدوا على أنفسهم.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا)): يفيد أن المحبوبَ من العبادة ما كان أدومَ؛ فالشرع أمَرَ بالاقتصاد في العبادة، وألا يتحمَّل الإنسانُ من العبادة ما لا يُطيقه، فتكون العبادةُ سهلةً ميسورة، وهذا أدعى لدوامها، أما فِعل ما لا يطاق، وإجهادُ النفس في العبادة جهدًا غير معتاد - فهذا يُفضي إلى الملال، وزوالِ الشعور بالمتعة أثناء أداء العبادة، فيؤدي ذلك مع الوقت إلى ترْك العبادة.
قال ابن حزم في كلامه على مواضع من البخاري: ‘معنى الأمر بالسداد والمقاربة أنه - صلى الله عليه وسلم - أشار بذلك إلى أنه بُعِث ميسِّرًا مسهِّلاً، فأمر أمَّته بأن يَقتصدوا في الأمور؛ لأن ذلك يقتضي الاستدامة’[28].
قال أبو عمر: ‘قوله في هذا الحديث: ((سدِّدوا وقاربوا))، يفسِّر قوله: ((استقيموا ولن تُحصوا))، يقول: سدِّدوا وقاربوا، فلن تبلغوا حقيقةَ البِر، ولن تُطيقوا الإحاطةَ في الأعمال، ولكن قاربوا؛ فإنكم إن قاربتُم ورفَقتم، كان أجدرَ أن تدوموا على عملكم’[29].
قال ابن حجر: ‘((وقاربوا))؛ أي: لا تُفْرِطوا، فتُجهدوا أنفسَكم في العبادة؛ لئلا يُفضي بكم ذلك إلى الملال، فتتركوا العملَ، فتُفَرِّطوا’[30].
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، يفيد أن ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جُلُّه، فإذا تعذَّر حصول الشيء كاملاً، وأمكن الإنسانَ فعلُ بعضه، فإنه يفعل المقدور عليه، ولا يترك الكلَّ بحجة عجزه عن بعضه؛ لأن إيجاد الشيء في بعض أفراده - مع الإمكان - أَولى من إعدامه كليَّةً، وهذا من يُسْر الشريعة، وبيان ذلك أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، بيَّن أن المطلوبَ الاستقامةُ، وهي السداد، وفعل المطلوب على وجه الكمال، فإن لم يستطعِ الشخصُ الأخذَ بالأكمل، فليَعمل بما يَقرُب منه.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قاربوا))، دليلٌ على نفي الجبر، فلولا القدرةُ على المقاربة، لَمَا كان لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابةَ بالمقاربة معنًى؛ فالقول بالجبر يُبْطل أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمقاربة.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سددوا وقاربوا))، يجعلُ الإنسانَ يَحمَد اللهَ على رحمته به، فلم يكلِّفه إلا بما يُطيق وبما في وُسْعه.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، يفيد أن الداعيةَ عليه أن ييسِّر على الناس ما يسَّره الله، ويوسِّع لهم ما وسَّعه الله، ولا يضيِّق على الناس ما وسَّعه الله، ولا يعسِّر ما يسَّره الله؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا’[31].
ومن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، نعلم أن المقصودَ من التشريع: استقامةُ النفس، والمحافظة على هذه الاستقامة من الانحراف والاعوجاج قدر الاستطاعة، وليس المقصود من التشريع استقصاءَ وإحصاء العبادات والطاعات، ولو كان المقصود من التشريع استقصاءَ وإحصاء العبادات والطاعات، لَمَا كان للأمر بالمقاربة عند عدم القدرة على فعل السداد معنًى.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، فيه مراعاةُ أحوال الناس وقدراتهم وطبائعهم، والاهتمام بالجانب الواقعي الإيجابي؛ فالنفس البشرية لا تخلو من نقص وقصورٍ، وتَعجِز النفسُ عن الوصول للكمال في الأعمال في كثيرٍ من الأحيان، فلا يأمر الشرع إلا بما يُستطاع، فأمر الشرع بالسداد، ومن لم يستطع