الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

والعمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يُقبَل، وإن كان صوابًا ولم يكنْ خالصًا، لم يُقبَل؛ حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكونَ لله، والصواب أن يكون على السنَّة.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)): دليلٌ على وسطية الدين واعتداله، فلا يأمر الدينُ إلا بالقصد والاعتدال، وإعطاء كلِّ ذي حق حقَّه؛ لأن السداد هو التوسط والاعتدال في العمل بلا إفراط أو تفريطٍ، وألا يجورَ شيء على شيء، وعندما قال سلمان الفارسي - رضي الله عنه - لأبي الدرداء: إن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كل ذي حق حقَّه، فأتى أبو الدرداء النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((صدَق سلمانُ))[16].
ومن تتبَّع الشريعةَ في أحكامها، وجدها تنحو المنحى الوسط في الأمور، وتقصِد الاعتدالَ في كل ما يقوم به المكلَّفون من أعمال؛ فالخروج عن ذلك إلى التشديد أو التخفيف المُفرِط، خروجٌ عن مقصد الشريعة، وهو أمرٌ مذموم لا ممدوح.
قال ابن تيمية: ‘المشروعُ المأمور به الذي يحبه اللهُ ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الاقتصادُ في العبادة’[17].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سددوا)): دليلٌ على نفي الجَبْر؛ فلولا قدرةُ الإنسان على السداد، لَمَا كان لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابةَ بالسداد معنًى؛ فالقول بالجبر يُبطِل أمرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابةَ بالسداد.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((قاربوا)) من المقاربة، وهي القصد الذي لا غلوَّ فيه ولا تقصير، وهو القريب من الطاعة، الذي لا مَشقَّة فيه[18]، وقارَب في الأمر: اقتصَد وترَك المبالغةَ، ترَك الغلوَّ وقصد السداد والصِّدق[19].
وقال ابن الجوزي:
‘المقاربةُ: القصد في الأمور من غير غلوٍّ ولا تقصيرٍ’[20].
قال ابن رجب:
‘والمقاربة: أن يُصيب ما قرُب من الغرض إذا لم يُصِب الغرضَ نفسه، ولكن بشرط أن يكون مُصمِّمًا على قصد السداد وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمدٍ، ويدل عليه قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي: ((أيها الناس، إنكم لن تَعملوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمَرتكم، ولكن سدِّدوا وأبشروا))[21].
والمعنى: اقصدوا التسديد والإصابة والاستقامة؛ فإنهم لو سدَّدوا في العمل كله، لكانوا قد فعلوا ما أُمِروا به كله’[22].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((قاربوا)) بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سددوا)): إشارةٌ إلى سماحة الشريعة ويُسْر الشريعة، وأنها بُنِيت على القصد والاعتدال، ورُوعِي فيها اجتنابُ التشديد أو التخفيف الذي يؤدي إلى التحلُّلِ من أحكام الإسلام؛ فالمطلوب: الاستقامة، وهي السداد، وفعل المطلوب على وجه الكمال، فإن لم يستطعِ الشخص الأخذَ بالأكمل، فليعمل بما يقرب منه، والمقاربة دون السداد؛ أي: يُكتفى منك في الشرع بالمقاربةِ رفعًا للحرَج، فالعبدُ يتَّقي اللهَ قدر استطاعته؛ كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16].
واكتفاءُ الشرع بالمقاربة دون السداد عند عدم القدرة على فعل السداد - دليلٌ على أن الدِّين يُسرٌ لا عُسر فيه ولا حرَج، وليس في أحكامه ما يجاوز قُوى الإنسان، أو ما يُعنته، وقد جاءت الكثيرُ من النصوص التي تحمل هذا المعنى؛ كقوله - تعالى -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقال - تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].
قال النووي:
‘معنى ((سدِّدوا وقاربوا)): اطلبوا السدادَ، واعملوا به، وإن عجَزتم عنه، فقاربوه؛ أي: اقربوا منه، والسداد: الصوابُ، وهو بين الإفراط والتفريط، فلا تَغلوا ولا تُقصِّروا’[23].
واكتفاءُ الشرع بالمقاربة دون السداد عند عدم القدرة على فعْل السداد - دليلٌ على أن الشرع لا يريد من العبد إلا ما يُطيق ويستطيع ويتحمَّل، ولا يريد الشرعُ من العبد ما يشقُّ عليه مشقةً غير معتادة لا يستطيع تحمُّلها؛ إذ الشرع لا يقصِد بالتكليف المشقةَ، بل يقصد ما في التكليف من المصالح التي تعود على المكلَّف، فإذا اختلَف عليك طريقان للعبادة، فإن أيسرَهما أقربُهما إلى الله، وكون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل، هذا خلافُ الأفضل؛ فالأفضل اتِّباع الأسهل في كل شيء.