الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

ومن هنا نُدرك أن تعدُّدَ زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعله اللهُ سببًا من أسباب نشر الدين وحِفظه، وهذا يدل على امتثال أُمهات المؤمنين لقوله - تعالى -: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 34].
والآية فيها حضُّ نساءِ النبي - صلى الله عليه وسلم - على نشر وتعليم العلم الشرعي، المتمثلِ في القرآن والسنَّة؛ فالذي يُتلى في بيوت زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - هو كتابُ الله، والحكمةُ، التي هي سنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا أمرٌ للنساء أن يُشاركْنَ الرجال - حيث لا فتنةَ - في تبليغ القرآن والسنَّة.
ولا يقال:
الأمر خاصٌّ بنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن خطاب الله - سبحانه وتعالى - لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيه نساءُ المؤمنين؛ إذ نساء المؤمنين تَبَع لهن في ذلك، وإنما خصَّ الله - سبحانه وتعالى - نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخطاب لشرفهنَّ ومنزلتهن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنهن القدوةُ لنساء المؤمنين، ولقرابتِهن من النبي - صلى الله عليه وسلم - والعبرة بعموم اللفظِ لا بخصوص السبب[4]، ما لم يَرِدْ دليلٌ يدل على التخصيص.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)) من السداد، والسداد: الصواب من القول والقصد[5]، أو الإصابة في المنطق والتدبير والرأي[6]، والتسديد: هو إصابةُ الغرض المقصود، وأصله من تسديد السهم إذا أصاب الغرضَ المَرْميَّ إليه، ولم يُخْطِئْه[7]، وفُسِّر السدادُ بالصواب، وهو مقارب للقصد؛ لأن التقصير في المطلوب أو المغالاة فيه، تُخرجه عن الصواب.
ومعنى ‘سدِّدوا’:
اقصدوا السداد، واطلبوه، واعملوا به في الأمور، وهو القصد فيها دون التفريط ودون الغُلو[8]، فالسداد هو الاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه[9].
قال ابن رجب: ‘السداد: هو حقيقةُ الاستقامة، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرضٍ، فيُصيبه’[10].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)) أمرٌ بالسداد؛ أي: ابْلُغوا بأعمالكم درجةَ السداد والصلاح، والأمر يفيد الوجوب[11] ما لم يأتِ صارف، وما دام السدادُ في الأمور واجبًا، فهذا يفيد وجوبَ القصد والاعتدال فيما طلبه الشرعُ منَّا؛ أي: وجوب الاستقامة؛ كما قال - تعالى -: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]، والمعنى: فاستقمْ كما أمرك ربُّك في كتابه، فاعتقِد الحقَّ، واعمل الصالح، واترُك الباطل، ولا تعمل الطالح أنت ومَن معك من المؤمنين؛ ليكونَ جزاؤُكم خيرَ جزاء يوم الحساب والجزاء[12].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)) أمرٌ بتصحيح العقيدة، ونهي عن الشرك؛ لأن السدادَ ليس في القول والفعل فحسب، بل أيضًا في الاعتقاد، والأمر باستقامة المعتقد يستلزم النهي عن الشرك، وفي النهي عن الشرك قال - تعالى -: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)) النهي عن التقصير في الطاعات؛ لأن الأمر بالسداد أمرٌ بفعل الطاعة كما ينبغي، والتقصير يخالف ذلك.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)): نهي عن التشدد في الدين؛ لأن التشدد غلوٌّ في الدين، والشرع أمرنا بالقصد، ونهانا عن المغالاة؛ فالغلو خروج عن المقصود، وخروج عن الاعتدال.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا)): أمرٌ بالإخلاص في العمل، ونهي عن الرياء؛ لأن العمل كي يكون سديدًا صوابًا، لا بد من إخلاص النية؛ بأن يقصِد المرءُ بعبادته التقربَ إلى الله - سبحانه وتعالى - والتوصل إلى دار كرامته؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾ [البينة: 5]؛ أي: وما أُمِروا في سائر الشرائع إلا ليعبدوا اللهَ وحده، قاصدين بعبادتهم وجهَه، مائلين عن الشرك إلى الإيمان.
والأمر بإخلاص النية نهيٌ عن الرياء؛ لأن الأمرَ بالشيء نهيٌ عن ضده[13].
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سددوا)): أمرٌ بموافقة الشرع، ونهي عن البدعة؛ لأن العمل كي يكونَ سديدًا صوابًا لا بد من موافقةِ ما شرعه الله، وما شرعه الله هو ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن أتى بما لم يكن عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فعمله ليس بصوابٍ، بل عمله مردودٌ، بل يأْثَم على فعله، وفي حُرمة الإتيان بفعل ليس على هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من أحدث في أمرِنا ما ليس منه، فهو ردٌّ))[14]؛ أي: الأمرُ الديني المُحدث مردودٌ باطل.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بسنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهديين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومُحدثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))[15]؛ أي: الأمر الديني المحدَث بدعة وضلالة يقع الإثم على فعْله.