أخلاق الداعية المسلم الصفحة 1 من 4

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

إن الناس اليوم في أشد الحاجة إلى الدعوة، وإلى بيان الداعية الذي ينبغي أن يقوم بهذه الدعوة، وبيان أخلاقه وأعماله وصفاته، ولا ريب أن من الواجب على الداعية أن يستقيم في أقواله وأفعاله، وأن يكون قدوة صالحة للمدعوين في سيرته وأخلاقه وأعماله ومدخله ومخرجه وكل شئونه، إن العالم بحاجة إلى تيسير وسائل الدعوة وإيضاحها وتسهيل العقبات والصعوبات التي تقف في طريق الداعية.
المسلمون اليوم في أشد الحاجة إلى الدعاة الصالحين، إلى العلماء المبرزين، إلى الذين يدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ويوضحون لهم معاني كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ويبينون لهم سيرته عليه الصلاة والسلام وسيرة أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.
المسلمون اليوم بل العالم كله في أشد الحاجة إلى بيان دين الله وإظهار محاسنه وبيان حقيقته، والله لو عرفه الناس اليوم ولو عرفه العالم على حقيقته لدخلوا فيه أفواجاً اليوم كما دخلوا فيه أفواجاً بعدما فتح الله على نبيه مكة عليه الصلاة والسلام.
ولعل هناك فرق بين الداعية والخطيب، فكثير من الناس إذا ذُكر اسم الداعية ينصرف ذهنه إلى الخطيب، وإذا ذُكر اسم الخطيب ينصرف إلى الداعية، والحقيقة أن الداعية يختلف عن الخطيب، وعمل الداعية غير عمل الخطيب؛ إذ الخطيب يقتصر عمله -في الغالب- على أداء خطبة الجمعة، وتفعيل الناس بعدها، ومحاولة رد الشبهات عنها، وتوضيح بعض المبهمات، وإجابة بعض التساؤلات، بينما عمل الداعية أشمل وأوسع وأعمق.
ذلك أن الداعية طبيب يَطبُّ المجتمع من أدوائه، ويبرئه من علله، ويعالج مشكلات الناس، ويلبي حاجات المجتمع؛ فهو عقل قادر على الربط بين مشكلات المجتمع وثقافة الدعوة، يشخص فيه الداء؛ ليصف له الدواء
إن الخطابة تمثل إحدى وسائل الدعوة التي تشمل وسائل أخرى عديدة، منها: القدوة الحسنة، والتعليم والتذكير، والكتابة بأنواعها، والترغيب والترهيب، والعمل المتواصل من أجل قضاء مصالح الخَلْق، والمشاركة في النشاطات الاجتماعية المختلفة، والقيام بكل ما يوصف بالعمل الصالح في مجتمع من المجتمعات.
ومن الخير -أيضاً- أن نفرق بين الصفات أو الخصائص والمقومات؛ فالمقومات هي ما يكوِّن للداعية ذاته وينشئ بنيانه، أما الصفات والخصائص فهي شيء خارج عن تكوين الداعية، أو ملتصق بجسده؛ فالمبنى مثلاً يتكون من حجرات وأدوار ومواد كونت هذا البناء، هذه هي المقومات، أما الصفات والخصائص فهي كأن يكون المبنى مرتفعاً وحجراته واسعة، ولونه كذا... الخ؛ فالمقومات -بتعبير المناطقة- جوهر، بينما الخصائص والصفات عَرَض.
ويطيب الحديث عن خصائص الداعية ومقوماته إذا كان من خلال داعية كبير مثل الشيخ محمد الغزالي، الذي عاش حياته داعيا إلى الله مجاهدا في سبيله، ومات وهو يدافع عن الدعوة
يرى الشيخ الغزالي -ابتداء- أن الناس لا غنى لهم عن هداية الله كما لا غنى لهم عن رزقه؛ فهم فقراء فيما يطعم أبدانهم من جوع، وفيما يزكِّي أرواحهم من كدر.
ومهما أوتي بعضهم من ذكاء أو صفاء؛ فإنه لن يستطيع تدبير شأنه وإصلاح أمره بعيداً عن وحي الله وتعاليم أنبيائه.
إن الأمم إذا لم تنتعش برسالات السماء؛ فهي جماهير من موتى القلوب، أو هي ألوف من الرمم الهامدة، وإن حرّكتها الغرائز السافلة، والأمم مهما ارتقت من الناحية النظرية أو الصناعية، فإن بعدها عن الله يزين لها من الجرائم ما تنحط به إلى الدرك الأسفل، وما تتعرض به لأوخم العواقب.
إن الجفاف الروحي والانقطاع الرهيب عن الله رب العالمين، والصدود الغريب عن تراث النبيين، وغلبة الأَثَرَة والجشع على الأقوياء، وسيادة المنطق المادي في كل شيء.. إن هذا نذير شؤم، وأي تقدم يحرزه العِلْم في تلك الميادين لا يبعث على التفاؤل، ما لم يصحبه عَوْد سريع إلى الله، وإعزاز لأمره، وإعلاء لشرعه.
ويؤكد الشيخ دوماً على أن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة؛ فالأمم العظيمة ليست إلا صناعةً حسنة لنفر من الرجال الموهوبين، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض الموات، وأثر الشعاع في المكان المظلم.