عجائب مشاهداتي في رحلة ماليزيا الصفحة 2 من 11

بواسطة: د. إسلام المازني

الحمد لله رب العالمين

وأصلي على رسوله الأمين، وعلى أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والصحب أجمعين.

رأيت في سفري لماليزيا الكثير من التناقضات...

لكنها الحقيقة!
وعلى كل فالحركة بركة والسفر مفيد، شريطة أن تبتعد عما يسخط الله تعالى، نسأل الله العافية

سافر تجد عوضاً عمن تفارقه *** وانصب فإن لذيذ العيش في النص
إنى رأيت وقوف الماء يفسده *** إن ساح طاب وإن لم يجر لم يطب

لا أعرف أيعد هذا من أدب الرحلات أم هو محض ملاحظات مع التعقيب، لكني رأيت أن أنفع به لعلي أصيب خيرا.

* تهمنا ماليزيا لأنها متقدمة ومحسوبة على العالم الإسلامي، فهي في نظر البعض نموذج أقرب لما نريد

لكن الوضع قال أبو فراس

فكيف وفيما بيننا ملك قيصر *** وللبحر حولنا زخرة وعباب

* عاشرت الماليزيين لعامين، ثم يسر الله سبحانه وجاءت فرصة الرحلة فكانت سهلة، لأن الخلفية متوافرة ولي صحب كرام.

فأحسب الجو كما أراد الشاعر إقبال حين قال:
نحن من نعمائه حلف إخاء *** قلبنا والروح واللفظ سواء


ثلاث بدايات حزينة:

*أهلت نفسي للرحلة الطويلة حيث الطيران أكثر من عشر ساعات، والمشكلة أن موعد إقلاع الرحلة تأخر ساعتين، قضيتهم في الصالة منتظرا مع المئات بشكل يبين قيمة الوقت في العالم الثالث والثلاثين، وحمدت الله تعالى فقد كان معي مصحفي وكتب أدبية وطبية أعددتها لأقرأ في الطائرة وبدأت أتصبر...

فلله فيما قد مضى الصبر والرضى *** ولله فيما قد قضى الشكر والحمد

* كانت الجيرة في الجو عينة من الألم على الأرض، فجارى الأيمن ثري مسن يقول إنه قرر أن يحج لأول مرة لأنه لم يكن يمكنه الحج قبل التقاعد رغم الإجازات المتاحة (لانشغال البال وليس لقلة ذات اليد) وهو من الجهل بأركان الشريعة...

والنصيحة واجبة

أعرفها معرفة صحيحة *** والحر لا يكذب في النصيحة


والجار الثاني كان متسكعا مسافرا ليلحق بمجموعة من الشباب كي يعبثوا في جاكرتا، فلن يمكث سوى سويعات في ماليزيا ثم يذهب (ترانزيت)، رغم أنه تحدث عن تسونامي، ولكنه لم يخف غايته، وهو عجب من العجب...

والنصيحة للغافل واجبة

بالموت ينتبه الفتى من غفلة *** صحبته طول حياته وسنانا

* داخل الطائرة طلبت أن أعرف متى يحين الفجر في مكاننا حيث نحلق، فوجدت المضيف يقول نحن ننبه على تلك الأمور في رحلات الحج فقط!

وكانت النوافذ مغلقة لكي لا يزعج الضوء أحدا حين يشرق!

والجيران لا يريدون أن يعرفوا متى الصلاة، وحاول المضيف أن يستنتج بعبقرية متى الفجر، حين كنا نحلق فوق بحر عدن تقريبا فبين أنه كما هو محروم من نعمة الصلاة فهو جاهل بالحساب... رغم أنه محسوب عددا!


إلا أنه لا يصلي ويكتفي بتوزيع الخمور والسجائر الأمريكية على الطائرة، وتقديم كتالوجات للأفلام غير المعرضة للرقابة لكل مسافر (ومسافرة) ليشغل التلفاز الصغير المثبت أمامه!

وهذه هي نتيجة تقلص مفهوم العبادة والإسلام من كونه دينا شاملاً لكل لحظة فى حياة الإنسان ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لا شريك له وبذلك أمرت..)) إلى حصره في الشعائر التعبدية وحدها (دون بقية الأعمال) ثم تحول الشعائر ذاتها إلى عادات لا روح فيها ولا استيعاب لغايتها ولوازمها، ثم في النهاية إهمال الشعائر نفسها والحياة في عالم الأوهام والأوحال...

فمن شاء فليذكر جمال بثينة *** ومن شاء فليغزل بحب الربائب
سأذكر حبي للحبيب محمد *** إذا وصف العشاق حب الحبائب
ويبدو محياه لعيني في الكرى *** بنفسي أفديه إذا والأقارب


* ورأيت الكثيرين وأنا ذاهب للوضوء داخل الطائرة يشاهدون أفلاما أجنبية غير مترجمة وغير مؤدبة، رغم أنهم يجهلون أبسط كلمات اللغة الأجنبية - كما يتبين من حواراتهم طلبا لكوب ماء مثلج مثلا من المضيفة - فالمقصود هو جو الموسيقى والتعري لتمضية الوقت في أي لهو وعبث.
ليتنا نعي
(قل هو من عند أنفسكم)


بـكَتْ عَيني على ذَنْبي *** ومـا لاقَـيْـتُ مِــنْ كَـرْبي
فَـيـا ذُلّـي، ويـا خَـجَلي *** إذا مـا قـالَ لـي رَبّـي
أمَـا اسـتَحيَيتَ تَـعصِيني *** ولا تَـخشَى مِـنَ الـعَتْبِ
وتُخفي الذّنبَ من خَلقي *** وتـأبَى فـي الـهَوَى قُرْبي

لكنها الغفلة .....

ولو اتقيت معاصي الرحمن فيما أنت راكب
إن لم تراقب من له حكم عليك فمن تراقب!



* المطار في العاصمة مصنف الأول في آسيا لعام 2004 ويستحق، فهناك قطار يحملك من الطائرة حيث تريد داخل المطار، ثم تجد كل الخدمات بيسر ولافتات إرشادية باللغة العربية لمن يحتاجها..

وبالجملة فأمورك تمشي أسرع من أي مطار رأيته