أفعى من نوع آخر الصفحة 6 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هناك خلل ما، حلقة مفقودة، نقطة على صفحة غير موجودة. تراجع نحو أمه، نحو كفها المسطوحة، وهي تنز دما، دم احمر، كشراب الرمان، ولاحظ، من خلال ذاكرته، تبدل ملامحها حين كانت تنقل دالية، أو ليمونة، من مكانها، إلى بيت الجيران، لتغرسها هناك، كانت تزورها، تتعهدها بالنظر والتأمل، وكلما كبرت، كلما فرحت. لم يفهم كثيرا من الأشياء إلا هنا، الظروف، تضيف إلى الذاكرة مواد جديدة، تتكون بسرعة مذهلة، وتنمو، كالصنوبر العملاق، تتكاثف، تتشابك، فتبدو على الملامح والتقاسيم، ظلالا غير مرئية، لكنها ترسي جذورها بأعماق النفس، بأعماق التكون، لتشكل ميلادا جديدا، لأشخاص، يدخلون إلى مسارب الشخص الأول، فيلتحمون معه، كما تلتحم الدوالي بذاكرة أمي ووجودها. حشروه في غرفة صغيرة، وتركوه، وبلحظة سريعة، صفقت عيناه الظلمة، واتسعت حدقتاه، وجحظ البؤبؤ،، واخذ يشرب العتمة بنهم صارخ، وكأن بينه وبينها ثأرا لم تلتئم جروحه بعد، اندفع بكل عزمه نحو الجدار، الهمس يصله من هناك، مشوشا، متقطعا، استجمع كل طاقته بأذنيه، وحاول أن يلتقط، ولو كلمة واحدة، لكنه فشل، بدأ الهدوء القادم من الجهة الأخرى، يفسح مجالا للهمس أن يعلو قليلا، يتضح قليلا، ومن خلف جدار، جاء الصوت. انتفض انتفاضة، لم يعرفها منذ انتزعوه من حضن أمه، لا، لا يمكن أن يصدق ما يسمع، هذا ليس من الواقع، حلم؟ نعم، أو شيء من الخيال، كابوس؟ نعم. كل الدنيا سقطت في حلقه، سدت طرق أنفاسه، صخور تتسرب إلى أحشائه ومعدته، تتراكم، تنطمر، ما وصل أذنيه، صوت يعرفه، لا، لا يعرفه، بل هو صوته، صوته هو. أحس بفحيح، فحيح غريب يخترق الحائط، ليتسلل منه أفعى، أفعى من نوع آخر، وبدأ السم والهدير يقتربان، يلتصقان بذاته، ينهمران بأعماقه المهتزة، أراد، ومن كل قلبه، أن يبكي، أن يفرش الأرض بدموعه، وود لو يستطيع الآن أن يصرخ، صرخة تهز زوايا الكون، وتسقط الأنجم من مكانها، ود، وبغريزة مشتعلة، أن يطمر رأسه المتحطم، بثوب أمه العابق برائحة التراب والطبخ. كيف حصل هذا، كيف تتمكن الذات من صلب نفسها على نار الألم، أحببته، بنفس القدر الذي أحببت نفسي، بل وأكثر قليلا، كنت امزجه بذاتي، بل كنت وإياه نفسا واحدة. وضح الخلل، وظهرت الحلقة لتكتمل السلسلة، ولكنهم رغم كل هذا، لن يأخذوا مني كلمة، يجب أن أراه، أن أحدق بعينيه، وان أتفرس ملامحه، ولو للمرة الأخيرة، وعليه أن يراني، عليه أن يصوب عينيه نحوي، وان يدقق بملامحي، وعليه، وهذا الأهم، أن يرى كم تقوس ظهري، وكم انحنت قدماي كغصن، انحنى على جذعه الأول. بدأت الخيوط تجتمع، كلها عادت نحو موضعها، هم أرادوا أن اسمع صوته وهو يروي لهم تفاصيل الحدث، دون أن يشعروني بأنهم قد خططوا لهذا الأمر، أرادوا أن تبدو الأشياء كنوع من المصادفة، أو بالأصح، نوع من غباء وقعوا فيه، لأنهم لا يريدون، حتى الآن على الأقل، أن أواجهه، اعتمدوا أسلوب الخطأ، أسلوب المراوغة، لكنهم، لم يدركوا حجم الضربة، وحجم الصاعقة التي نزلت على ذاتي. في النهاية، سيعلنون استسلامهم، وسيدعونه للجلوس أمامي، لن يكون هو- مهما كان – بالنسبة لهم أكثر أهمية من اعترافي، اعترافي الذي يظنون انه منقوص حين حدثت صديقي به، الحدث باعتقادهم يحتاج إلى مجموعة من الرجال، مجموعة تتغلف بالسرية، بالهبوط إلى قرار الكتمان، ولأنهم يؤمنون بهذا، سيحضرونه، غدا، أو بعد غد، ليواجهني. ترى، كيف سيكون شكله؟ وكيف ستكون ملامحه؟ هل سيقدر على النطق؟ على استخدام الأحرف والكلمات؟ ولم لا؟ فهو تحدث بالأمر، سواء كنت موجودا أم لا، المهم انه تحدث، بل تبرع بالتحدث، دون سبب، ودون مبرر. آه يا أمي، لو تعلمين كيف جرت الأمور، لو كنت موجودة معي حين دخلت الغرفة، وكان هو يجلس على كرسي في زاويتها، التقت عيوننا مرة واحدة، حدقت به بكل طاقتي، بكل إمكاناتي، انزل عينيه إلى أسفل، وبدأ يروي القصة، بتمهل، وتأنٍ، لم ينس أي حرف مما قلت، لكن وجهه كان يطفح بالحمرة، وجسده يرتجف، وفي لحظة ما، وقف عن الكلام، نهض واتجه نحوي، كنت مقيدا، وكنت ابكي، لم أتمنى يوما أن أراه في مثل هذا الموقف، أشفقت عليه، وودت من كل قلبي أن أضمه إلى روحي، السنين التي سأقضيها خلف القضبان، اقل ألما ووجعا من منظره وهو يمارس وشايته أمامي. اقترب مني، تعودت ومنذ زمن طويل أن اسمع نبضات قلبه، أن اسمع خفقات روحه وهي تتلاحق لتشكل حياته، اقترب مني، عرفت انه يود أن يقول شيئا ما، أن يفصح عن شيء ما، لكنه اختنق، وقفت الكلمات بحلقه، فسدت مجرى التنفس، عاد ليتهاوى على الكرسي، هناك أمر يقف بيني وبينه، هل كنت غبيا طوال سنين علاقتي به، أم كان هو خائنا طوال تلك السنين ببراعة فاقت براعتي في إخفاء السر عن كل الناس، إلا عنه هو، أنا لم احدث والدي وهو بالقبر، ولكني حدثته هو، عن أية براعة أتحدث، لم يطلب يوما أن أحدثه عن حياتي، أنا، بمحض إرادتي، حدثته بالأمر، الذنب ذنبي، لو لم املكه سري، ما كان اليوم يقف قبالتي ليهز كل سنين عمري وشبابي. وحين أخرجوني من الغرفة، التفت إليه، خلت انه سيبكي، لكنه كان يضحك، ضحكة مريبة معقدة، كانت بسمته اخر ما رأيت. لحظة خروجي، بعد أعوام طويلة، من بوابة السجن، كنت اعرف أن أمي ماتت، وان بيتنا أصبح خاويا، عرفت قبل أن أطأ الشوارع، بان المخيم انقلب انقلابا تاما، وان عجائزه قد رحل الكثير منهم، ولكني رغم ذلك، اتجهت بكل قوتي وعزمي نحو البيت، حيث تركت أمي وهي تقول ' يما أنت ابن بطني '، كنت بحاجة ماسة، لأشاهد البقعة التي انتصبت قدمي أمي فوقها. وحين دخلت البيت، كانت أختي الكبيرة وأولادها يملأون البيت، قالت أختي حين أدارت ظهرها إلي، بعد أن صاح أولادها، خالي، خالي، انظر إلى عود الجوري، حين غادرت كان أشبه بالميت، انظر إليه. ولحظة وجهت نظري نحوه، رايته شجرة ضخمة، تنتصب على أعالي أغصانها أزرار الورد المتفتح.