أفعى من نوع آخر الصفحة 5 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

كانت تقول له:- وماذا سيحصل إن جلسنا وتحدثنا، هل ستخرب الدنيا؟ - انتن بنات حواء، تجلسن لتنهشن لحم الناس، فلانه تطلقت، وفلانه ابنها باعها من أجل زوجته، والكنة الفلانية طفشت العائلة، وتلك الخبيثة فرقت الأخوة عن بعضهم، وليس لكن سيرة إلا الناس، الرسول- صلى الله عليه وسلم- نهى عن كل هذا. - الرسول نهى عن الكذب، ونحن لا نكذب. - انتن لا تكذبن، بل تمارسن النميمة والغيبة. - نحن لا نتهم أحدا، نحن نقول ما نسمع. - الله يجيرنا منكن ومن لسانكن. - آه، انتم الرجال مطهرين، مسبعين، الله حولكم وحواليكم. - الله يجيبك يا طولة الروح، وبعدها معك يا امرأة. وما هي إلا لحظات حتى يجلسان معا، يتهامسان بأسرار البيوت والناس، ويستذكران أيام الصبا والبلاد، يأكلان وهما يتضاحكان ويتمازحان، هي تلقمه أجود اللحم، وأجود الخضار، وهو يلقمها بعض ما يشتهي لها، عجوزان رائعان، عاشقان، يختلسا غيابنا للهمس بكلمات تخصهما، تخصهما فقط. وحين كنا نكبس عليهما متلبسين بالعشق المشهود، كانا ينتقلان من الهمس العذب إلى حزم المشادة والمشاجرة، وكأن بجوفهما بوصلة تخبرهما عن وقت الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، أخواتي، لم يكن بإمكانهن التصريح بأنهن يعرفن ما كان يجري بينهما، ولكنهن كن يبتسمن وهن يغمزن بعيونهن، أما أنا، فقد كنت اقترب لأجلس بينهما تماما، واهمس وأنا أضم رأسيهما إلى صدري،' ماذا، هل حننتم لأيام الصبا، نحن نعرف ما يجري، بعد هذا العمر وما زلتم تتغزلون ببعضكم، انتم تكبرون أم تصغرون'؟ وما أكاد انهي حتى تنهال علي اللطمات من كل جانب، ولد أزعر، عيب، تأدب، نحن نتحدث عن أشياء أخرى، لا نريدكم أن تعرفوها. قالت له يوم انتزعه الجنود:- ' يمًا، أنت ابن بطني، بطني الذي حملك، وعرف انك قادم، كنت قرب القلب، تتغذى على روحي وتقتات من دمي، سهرت عليك ليال طوال، تقرح قلبي وتقرحت عيناي، والبطن، بطن الحره، ما بحمل إلا حر، أخواتك البنات، كل الدنيا تقسم باسمهن، قال الناس عنهن، أخوات رجال، دون أن تكون موجودا في الحياة، كنت لا تزال في نواة العدم، يما يا حبيبي، العمر واحد، والرب واحد'. انتزعوه من حضنها، لم يدعوها تكمل، نشجت، نشيجا خفيفا، ما زال مزروعا في عقله، ولا زالت جملتها ' يما أنت ابن بطني ' تقتحم مسامعه وقلبه، نعم أنا ابن بطنك، لا تخافي على هذا، ولكني كنت وحيدا، وحيدا إلا من الله المتواجد في كل مكان، كيف عرفوا، بل كيف رددوا ذات الجملة، ' حتى الجرذان نزلت إلى جحورها '، راسي يكاد يطير من مكانه، وقلبي يكاد ينخلع، كل الأشياء تتراكم، تتزاحم، تتدفق في راسي تدفق شلال مضغوط، لا يمكن للمصادفة أن تخرج جملة من صدري، تلك الجملة لم اقلها، لم أصرح بها، حدثت نفسي بها، فهل غادرتني نفسي يوما لتروي لهم التفاصيل، هل غادرتني لتكشف عن نفسها، لا، لا يمكن ذلك. أنت تود مني الاعتراف، حسنا، وأنا أود أن اعرف منك كيف وصلت إلى تلك الجملة، نحن نقف على نصل السيف، فإما أن تتحرك أنت، وإما أن أتحرك أنا، بيني وبينك النصل، ولنرى من سيغوص النصل بلحمه أولا. عاد العذاب، يأخذ دورته، عذاب مركز، يتعاظم تدريجيا، وأحيانا، يصب فوق رأسه مرة واحدة، لكنه، رغم كل ذلك، كان يشعر بشيء يسري في عمق ذاته المرهقة، شيء يدفعه نحو الصبر القاسي، نحو التمسك بجدران بطن أمه، ورجاء عيون أخواته. نعم، جسده بدأ يذبل، يتراخى، يتحول إلى نوع من لحم مسلوخ، احمر، ملتهب، ظهره تقوس من الشبح الممتد لساعات طويلة، وتقوست قدماه، بدأ يشعر بأنه اقترب من الشلل، كل الأمور كانت تدخل في معادلة صعبة، غير محتملة، غير متوازنة، وهو إنسان، طاقة احتماله محدودة، الموت، الموت فقط، يستطيع انتشاله مما هو فيه، لكنهم لن يقتلوه، هم يظنون أنهم مجموعة، لا يمكن أن يخطر ببالهم انه واد، فالحدث الذي زرع في قلب العتمة، وأرعبها، ثم أرعب الأشياء كلها، لا يصنعه فرد، حتى لو اعترف لهم بأدق التفاصيل، لن يصدقوه، بل سينقلونه إلى عذاب اشد واعتى، إذن، لتكن الأمور كلها منذ الآن، تتجه نحو الزاوية التي يقطع النصل فيها لحمهم، وليكن لحمي نصلا، يؤذي غرورهم، ويهد عزمهم. نقلوه من مركز إلى مركز، عرضوه على رجال مخابرات، متعمقين بالخبرة، يملكون تجارب، لكن ما قيمة كل هذا، إذا كان اللسان قابعا في نواة الصمت؟ كل الأشياء، وكل المسارات، كانت تصب في مجرى واحد، لقد كنت وحيدا، والواحد لا يكشف سره.