أفعى من نوع آخر الصفحة 4 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

غاصت الدنيا بمعدته، شعر بانتفاخ أحشائه، واندفع الكون من ذاكرته مرة واحدة، بشكل مفاجئ، التهبت مفاصل قدميه بنيران صخر منصهر، وانتفض جلده بقوة ملحوظة، تماما كانتفاض أفعى مطحونة الرأس، ولمعت عينا المحقق، انطلق منها بريق حار، لامس فؤاده، وانغرزت بسمته في ذاكرة اللحظة المشحونة، بسمة ماكرة، ذاقت طعم الانتصار، طعم انهياري المفاجئ، ' الليلة التي نزلت الجرذان فيها إلى جحورها '، من أين أتى بهذه العبارة؟ هي عبارتي أنا، أيعقل أن تكون مصادفة؟ لم اخبر والدي بذلك، حتى حين هممت بذلك وأنا ازور قبره، تراجعت، قلت:' صدرك أوسع لسرك '، هذا سر يخصني أنا، أنا وحدي، حتى أمي الملطخة يديها بعذاب الزمن، لم تعرف ذلك، الجرذان ذاتها كانت مختبئة، لم تراني، لم تشاهدني، وحتى الليل، الليل ذاته، بكل ظلمته وعتمته، بكل سواده وهيبته، كان يختبئ من هول الحدث، من هول الخوف الذي زرعته فيه، المدينة بأسرها أغلقت أبوابها المغلقة، دعمت السكاكر والمزاليج، وجلست مقرفصة تنتظر الفجر، تنتظر النهار وما سيحمل من غضب وقسوة، كل الأشياء سقطت في الذهول وفقدان الذاكرة. نعم هي بالتأكيد ضرب من ضروب المصادفة. نظر في وجه المحقق، أيقن انه قرأ كل أفكاره، وأدرك بحسه انه وقع بين يديه، وان المسافة الفاصلة بينه وبين الاعتراف أصبحت قصيرة، بل معدومة، عدل من جلسته، وقال:- - نحن لا نود أن نثقل عليك، الأمور معروفة لدينا، وتفاصيل الليلة تلك تقبع في هذا الدرج، ما نريده فقط أن نسمع منك أنت، سأرسلك الآن للزنزانة، تناول إفطارك، وفكر جيدا، وحين ترتاح، سنجلس لننتهي من الأمر. دخل الزنزانة ورأسه يكاد يطير من مكانه، لا، لا يمكن أن تكون مصادفة، فالحروف ذات الحروف، حتى النبرة التي استخدمتها بيني وبين ذاتي، هي نفس النبرة، ولماذا لا تكون مصادفة؟ محض صدفة؟ تسرب إليه إعياء شديد، نظر نحو الطعام، دفعه إلى زاوية الحائط، نهض، جلس، خطى خطوات الزنزانة، توقف، قرفص، انبطح على بطنه، على ظهره، استلقى على خصره، كوم جسده على ذاته، وقف على رجل واحدة، لكن كل ذلك لم يغير من ثورته شيئا، حاول التبول، لكن عرف بأنه أصيب بعسر حاد. لم يشعر بالوقت إلا حين فتح باب الزنزانة من جديد، ودفع إلى التحقيق من جديد. - أرجو أن تكون قد فكرت جيدا. - ليس هناك ما أفكر به. - هل تغوى التعب والعذاب؟ - لا. - حسنا، اخبرنا عن تلك الليلة، فأنت تعرف بأننا نملك كل شيء، نعرف كل التفاصيل، ولسنا بحاجة إليك، أو إلى اعترافك، لكننا نريد أن نمنحك فرصة الاعتراف الطوعي، فهذا ينفعك أثناء المحاكمة. - ما دمتم تعرفون كل شيء- حسب ما تقول- ما حاجتكم لاعترافي. - حسنا، حسنا، نحن لا نريد منك أن تقول شيئا، ملفك جاهز وليس عليك سوى التوقيع. - على ماذا؟ - على أحداث تلك الليلة. - أي ليلة؟ - لا تحاول التحاذق، فصبري بدأ ينفد. - وكذلك صبري. - هل تود أن تكون بطلا؟ - هذا ليس من شأنك. - سنرى؟ حين وجد نفسه مشبوحا في الخزانة الإسمنتية التي لا تتسع إلا لربع شخص، لم يعرف من أين تفجرت فيه تلك القوة المفاجئة، لكنه شعر بها تتفجر كما يتفجر البركان، فجأة وبشكل مدهش، وأحس بان هناك أمرا ما خفيا يدفعه للعناد والتصخر، شيء خفي يكاد يعرفه، لكنه يتفلت منه، كما يتفلت الرمل من قبضة اليد، ليس غريبا عنه أبدا، ولكنه هلامي، تماما حين تخونك الذاكرة باسم أو أمر تعرفه، تعصر دماغك، تركز، تضغط بكل قوتك الذهنية، تشعر بأنك اقتربت منه، ثم ومرة واحده، تحس انه ولى هاربا من كل تركيزك وضغطك، تحاول مرة أخرى، وأخرى، وتفشل، لكنك ودون أن تدرك كيف ولماذا، تتذكر تفاصيله كما تتذكر ملامح وجه أمك وحنانها. أمي، ماذا تراها تفعل الآن، هل تجلس الآن كعادتها في زقاق من أزقة الحارة، ترغي مع النساء، تتحدث عن مهرها المكون من غنمتين وبقرة بفخر الأنوثة وأيام الصبا، تتحدث عن وادي الحوارث، عن تلك الأرض التي شهدت زفافها وفرحتها، وشهدت ميلاد بعض أخواتي، هل انخرطت بالبكاء الآن؟ نعم، فهي لا تذكر تلك الأيام حتى تنخرط بالبكاء، بالنشيج، تمسح دموعها بخرقتها البيضاء، وتستعد لمعركة قاسية حامية الوطيس مع والدي حين يعود للبيت ويجدها جالسة في الحارة.