أفعى من نوع آخر الصفحة 3 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

تداعت أفكاره كلها مرة واحدة، تزاحمت كمياه نهر في مصب ضيق، على بعد أمتار، أمتار فقط، ينتشر الناس في الشوارع، على الأرصفة، في المقاهي، يتمتعون بالفضاء الواسع الممتد، بالحياة، بالشمس، يضحكون ملء أشداقهم، يتذوقون اللوز والخوخ والتين، يداعبون النسمات المتطايرة من البيارات المحيطة بالمدينة كسوار شديد الخضرة والنماء، والنساء تدفع رائحة الطبخ إلى الأجواء، آه، ماذا أعددت اليوم يا أمي؟ وهل بعثت كعادتك لكل أخت طبق مما أنجزته يدك الطاهرة؟ هل عانقت أولادهن؟ وتنشقت رائحتهم؟ وكيف كان صباحك بدوني؟ هل بكيت؟ هل شهقت؟ وماذا فعلت أخواتي؟ أستطيع أن أرى الحزن الذي سكن عيونهن من مكاني هذا، بل أستطيع أن اشعر بحرقته الكاوية، من هنا، من مكاني هذا، أستطيع أن ألم المخيم في قلبي، أستطيع، وببساطة مطلقة أن اشعر بعود الدالية وعود الجوري وهو يمتد في قلبي، يتوزع تحت جلدي باحثا عن الحياة، عن المرسى الآمن لجذوره وروحه. دفع إلى داخل الغرفة، ورفع الكيس العفن عن رأسه، بدت الأشياء غائمة، متداخلة، تترجرج، نفض رأسه بقوة، أغلق عينيه وفتحهما، الضابط صغير السن، جميل المنظر، لا تبدو عليه الخشونة، ولا يبدو عليه الصلف أو القوة، مقدمة مقبولة، فكفه ضعيفة كما ساعده، حتما ستكون صفعاته محتمله. - تفضل بالجلوس. قال الضابط مع بسمة برق زيفها. - شكرا. وجلس. - نحن نأسف للتأخر عليك أياما طويلة، لكنه ضغط العمل. - أتمنى أن ننتهي بسرعة. - الأمر متوقف عليك انت، نحن نود الانتهاء خلال دقائق، لدينا ما يكفينا من المشاق والصعوبات. - لم افهم قصدك. - كلكم من نفس النوع، من نفس الجنس، تأتون هنا وفي رأسكم وعلى لسانكم نفس الكلمات، تتقنون المراوغة، لكنكم في النهاية تحملون القلم وتوقعون. نحن نحاول دائما أن نجعل الأمور سهلة، دون تعقيد، دون عداء أو ضغينة، لكنكم ترفضون، تكابرون، وفي النهاية تستسلمون، تخرون أرضا، هل تود أن أحدثك عن آلاف سبقوك، جميعهم دخل إلى هنا، وجلس على نفس الكرسي الذي تجلس عليه انت، وكلهم، نعم كلهم، قالوا ما قلت، ولكن ماذا حصل؟ كلهم، نعم كلهم، امسك بالقلم ووقع. كان بامكانهم أن يختصروا الوقت، يبتعدوا عن العذاب والرعب، لكنهم ظنوا بأنهم على قدر ما من البطولة، من الصمود، وحين لمس العذاب جسدهم، انهاروا أرضا، بكوا، طلبوا الرحمة، ونحن ساعدناهم، أعطيناهم القلم، ووقعوا، وببساطة انتهى كل الألم. فرق كبير بين مظهره حين دخلت والآن، انبثقت القساوة مرة واحدة في ملامحه، ورز من عينيه بريق حقد، حقد حيوان جائع على فريسة عصية، كان يتحدث وهو ينبش بعينيه داخل جمجمتي، داخل صدري، أغراه العرق الفائض من جسدي كجدول صغير، واستثارت شهيته طأطأة راسي نحو الأرض، شعرت بالخوف، خوف لم اعرفه من قبل، يختلف عن الخوف من رهبة الليل، أو رهبة الموت، خوف بمذاق غريب، كمذاق المجهول في صحراء نائية، لكنه خالي من الجبن، من الهزيمة، صحيح أن البرودة تسربت إلى مساماتي، برودة تحسب وتوقع، برودة هواجس لا زالت مشتعلة في كياني، انفتحت المدينة أمامي كانفتاح اللون بيد الرسام، اختلطت مشاهدها وتشابكت، ترى، ماذا تفعل أمي الآن؟ أين تجلس؟ لعلها تفكر بما حصل، بل لعلها ترفع يديها نحو السماء، أبي رحل منذ زمن، غادر المخيم وروحه معلقة كقبة ذهبية في كل أرجاء البيت، وحين خرج الناس بجثته إلى المقبرة، قالت أمي وهي تشير بإصبعها نحو قبة السماء المتوهجة كقرص نحاسي منصهر:- هنا سيقيم والدك، ستبقى روحه معلقة كسنديانة فتية حتى اصعد عنده، لا، لا تصدق انه سيغادر من دوني، أنا وإياه، سنختبىء إلى أن تأتي أمطار السماء الحية، عندها، سنخرج، لنلوح للشمس براحتينا المتعبتين، نعم، الأرض تحتاج جسده، ووالدك لم يستطع أن يؤجل نداء الأرض. لم أسمع كثيرا مما قال المحقق، فقد كنت مستغرقا بحديث أمي، ولأول مرة خطر ببالي سؤال غريب، ما الذي عنته أمي بقولها أن والدي لم يرحل؟ وانه معلق كسنديانة فتية في وسط الأفق المزروع في الكون؟ - حسنا، حدثنا عن تلك الليلة؟ قال بلهجة الواثق. - أية ليلة. - ليلة المطر، والظلام، حيث كنت وحيدا، الليلة التي أقضت مضاجعنا. - لا اعرف ماذا تقصد. - ألا تعرف تلك الليلة، ' الليلة التي نزلت الجرذان فيها إلى جحورها '.