أفعى من نوع آخر الصفحة 2 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أصوات المعذبين تصل أذنيه، عالية، مجروحة، صرخات محقونة بالألم، أشياء تتهاوى، تصطدم بالأرض، فيدوي صدى اصطدامها بقلب السكون والعتمة، كانفجار لغم وسط صحراء مضغوطة، ترى، من هؤلاء المعذبين؟ ومن أي المناطق؟ وكم أم تتلوى الآن على نار القلق والتحسب؟ وكم أخت تقف مشرعة يديها إلى السماء المفتوحة والدموع تنهمر من عيونهن، كانهمار الحياة في زيتون الجبال؟ وكم نفس تقع الآن تحت ضغط عذاب لا يرحم؟ تسللت برودة قاسية إلى جسده المتجلد، انتفض، كل شيء كان عاديا، جرت الأمور بطريقة سريعة، لم يكن هناك أي مخلوق، الناس والشوارع والأمكنة والأزمنة توقفت في تلك اللحظة، الليل يفرش رداءه الأسود، والبرد ينشر صفير رياحه المحملة بالسرعة والهيبة على المدينة بأسرها، لم اسمع حتى نباح كلب ضال، أو نباح كلب اضواه البرد المتمكن من كل شيء، حتى الجرذان نزلت إلى جحورها، والمطر يضرب الأرض بقوة وصخب، مطر، مطر، مطر، والأرض تحني قامتها اتقاء واحتماء من قسوته، في هذا الوقت كان ما كان، وكنت وحيدا إلا من الله الذي يكون في كل مكان، كنت اشعر بوجوده، بحمايته، ببركته، لذلك غصت في تلك الأجواء، اقتحمت هيبتها وسكونها، ومزقت غموضها، ولكني زرعت في رحمها حدثا لا يصنعه إلا الرجال، حدث اقض مضاجع من اقتادوني هنا، أربكهم، فترة طويلة من الزمن، قزمهم، طحن أسطورتهم الكاذبة بين تروسه الضخمة. شاهد يد أمه وهي تغوص بمجرفة صغيرة في الآنية التي زرعت بها عود الدالية، سألها:- لماذا تجرفين الدالية؟ هل سئمت من انتظارها؟ نظرت إليه وهي تبتسم، وقالت:- يما، الدالية لا تسعها آنية محاطة بجدر، فهي تغوص عميقا في الأرض، تنشر جذورها بكل الاتجاهات، تلاحق المياه، وتفتح في الأرض أخاديدا مدورة، ليدخل الهواء إلى قلبها، ليتغلغل في دمها. وعادت وهي تحمل عودا آخر، فيه نتوءات شوك، عود ورد جوري، غرسته في الآنية ذاتها وغادرت. أيام مضت عليه، لم يفتح باب الزنزانة إلا لتقديم بعض من طعام متعفن، وبعض ماء أصبح بطعم، تركوه وحيدا، هو يعلم تماما لماذا، يدرك بعمق أنهم يتركونه لهواجسه، لكوابيس الوحدة والليل، لعذاب التوقع والتحسب، تركوه ينهش ذاته، ينهش فكره، يهوي بقاع بئر مهجور، تحيطه الرطوبة، وتقتحمه الوحدة، ونجحوا، نجحوا في جعله يدور في دوامة التساؤل، يدور بأعماق موجة كاسحة، تقتحم كل ثواني أيامه ولحظات عمره، بدأ يفتش، ينبش باهاب الوقت، بجلد الأحداث، بمسامات الأيام، أحس بالإرهاق، بالتصدع، كانت الحيرة تفتك بكل قواه الذهنية، لماذا أنا هنا؟ لا بد من وجود خطأ؟ قد يكون المطلوب شخصا آخر؟ وقد يكون الأمر تشابه بالأسماء فقط، وربما هو اعتقال عشوائي؟ دار المفتاح بالقفل باكرا، قبل موعد الإفطار، نودي برقمه، خرج، الصق بالحائط، كبلت يداه إلى ظهره، وغاص رأسه بكيس اسود ذو رائحة نتنة، وسيق من رباط الكيس كحيوان يساق إلى جهة معلومة. بدأت أمه وهي تزرع عود الورد بالآنية تتحدث، يما، الغصن فارق أمه ليس لأنه لا يريد البقاء معها، فارقها لأنه يعرف بأنه سيفتح عالما جديدا، سيبرعم، وينطلق خضاره في العيون، في النفوس، لكنه يحتاج إلى عناية، إلى صبر، إلى زمن لا بد أن يمر به ليتحول إلى شجرة كبيرة، تغص بأزار الزهر، يحتاج إلى ماء، إلى حياة، الدالية يما لا تحتاج إلى ماء، فهي ترسل جذورها وراءه، تحدد مكانه وتغوص خلفه، كذلك الزيتون، الزيتون الجيد، زيتون الجبال، لأنه يأخذ حاجته من الماء، حاجته دون أي زيادة، زيتون الجبال زيته حار، وقشرته صلبة، سعره فيه، وطعمه فيه، ولونه فيه، فهو يشبه الأرض، والجبال، فيه عزة وفيه انفه. خطواته تتراقص مع تراقص قدميه، فحينا يصفع بحائط، وحينا يصفع بيد، وفي حين آخر يتلقى ركلة قوية بين قدميه، العرق يتفصد من جسده، والظلام الغارق بعينيه يزيد من حيرته وتوجسه، كل الأشباح والغيلان اندفعت من رأسه مرة واحدة، تصرخ بأذنيه، وتشد مخالبها على عقله، سواد ملفوف بالسواد، وغموض محاط بالغموض. قال لأمه وهي تزرع عود الورد المتشقق:- حاذري من الأشواك، فالجوري يملك أشواكا قاسية، تمزق الجلد، وتلهب الجراح، ابتسمت:- من يبحث عن الرائحة الحلوة لا يلتفت أبدا إلى الأشواك، الجرح يندمل، تغطيه التجاعيد والأيام، تمحوه من الوجود، لكن، يوم تتفتح الأزهار، وتنتشر الرائحة بأعماقك وأنت ساجد بخشوع، ستشعر بنشوة، نشوة الأيمان، ونشوة الأرض، الشوك ليس في الورد فقط، الشوك في الناس، في الحياة، وهؤلاء، هم من لا يمحى اثر وخزهم من النفس، ولا تستطيع التجاعيد أو الأيام تغطية الندوب التي يتركوها كوشم خبيث.