أفعى من نوع آخر الصفحة 1 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أمسك رجليه بيده وانزلق بجسده بعيدا عن وسط الزنزانة، انكمش على نفسه في الزاوية، محاولا اتقاء الماء المسكوب على أرضها الاسمنيتة الخشنة، أغلق عينيه ودفع رأسه بين ساعديه، أحنى ظهره قليلا، فأصبح كجذع زيتون ملتف على نفسه، الرطوبة تتسلل من الحائط بخبث ودهاء، إلى جسده المنهك من شدة التعذيب، كان الظلام قاسيا، يكبل مكامن النفس المتوثبة، ينشر سواده القاسي بجمجمة تخض بالأفكار والتساؤلات، هواجس تجول، تخبط في الوعي المترنح، تتشكل عقدا، نتوءات كدمامل محشية بالقيح، الجو كله مشحون بثقل الحدث، ثقل غريب تربع فوق صدره، كجلمود صوان صلب متفرع الأخاديد في نبضاته المتسارعة، تحسس بنطاله الغارق بالمياه الباردة النتنة، قرب كفه من انفه، اجتاحه قرف ممض.

ماذا يريدون مني؟ ضغط السؤال على مروج نفسه الفسيحة، هل يمكن أن يكونوا؟ هل عرفوا عني شيئا؟ لا، لا يمكن، العنقاء أكثر امكانا من ذلك، المستحيل ذاته قابل للتحول نحو الممكن، كيف سيعرفون عني؟ أنا لم أتحدث مع احد بالأمر، أنا واحد، والواحد لا يخرج سره، لم يراني احد على الأرض، حتى الليل، بعيونه المضيئة المتوهجة، لم يدرك ما حصل، تنبه للأمر بعد فوات الأوان، أصيب بالذهول، بالدهشة، بالاستغراب، بحث جوف عيونه، لم تكن تحفظ أي صورة، أي صوت، مما حدث، أرهق نفسه، وأرهق عتمته الواقبة، لكنه ظل فاغرا فمه، كمعتوه اقتحمته صحوة مفاجئة.

لحظة ضمته أمه، قبل أن يخرج مكبلا، معصوب العينين، تنشق رائحة غير رائحة ملابسها، غير رائحة عرقها، غير رائحة أمومتها المعهودة، رائحة تفوح من مساماتها لأول مرة، مميزة، ذات نكهة معهودة، لم يستطع أن يحدد نكهتها بادىء الأمر، لكن لحظة هوت البندقية على رأسه، انتشرت الرائحة لتغطيه كله، رائحة تراب معذب، يضخ شوقا، كتراب الآنية التي زرعت أمه بها ذات يوم غصنا جافا من أغصان الدوالي، غصنا ميتا، لا اثر للحياة فيه، لكن أمي ظلت تفتح التراب حوله كل يوم، وتقول:- التراب يجب أن يتحرك من فوق العود، ليدخل الهواء، لتتنفس التربة ويتنفس الغصن، التراب المتراكم، لا يخرج حياة، والغصن بدون عناية، بدون عرق، لا يقدر على النماء، حرك التراب، افتح الطريق للهواء، ونقط بعض نقط من عرق، وانتظر.

ذات يوم، وَجَدْتُ كفة يدها مسطوحة، تنز دما، فوق تراب الآنية، حاولت مساعدتها، لكنها رفضت، قلت لها:- الدماء ستقتل جذع العنب الميت، ضحكت وهي تقول:- وكيف يا فهيم؟ يا متعلم؟ الدم يذهب عميقا، يتجمع في حبات التراب، يمتزج، فلا نعود نراه، مثله مثل الماء.

نعم، فاحت رائحة التراب، تراب عود ناشف من كرمة في الجبل الذي ترتاده أمي، رائحة التراب والعود والجبل، توحدت، لكنها لم تصل انفي إلا حين ضمتني مودعة.

يمًا، يا حبيبي، أنت وحيدي، وسند أخواتك البنات، ليس لهن إلا الله، ثم أنت، أتيت إلى الدنيا بعد عناء، أنا وأبوك، كنا نقوم الليل، ندعي الله، نتوسله، أن يمنحنا ولدا، يكون سندا لأخواته حين نغادر الدنيا، البنات مكسورات الجناح يمًا، حنونات، رقيقات مثل الزجاج، أي شيء يكسرهن، دموعهن مهيأة للشكوى، وهمهن يهد الجبال، صلينا، وقدسنا في الحرم، قبلنا الصخرة التي جلس النبي محمد فوقها- عليه أفضل السلام- حججنا، شربنا ماء زمزم ونحن نبتهل إلى الله بولد، ولد يسند البنات، وحين عدنا، اندفع بطني، تحرك شيء ما بداخله، حركته غريبة، جديدة، يدفع جدار الرحم دفعا، كغاضب، حركة البنات كانت سهلة، كن يسبحن في الرحم بهدوء، لم أحس بهن، ولم اشعر بالثقل الذي اشعر به الآن، لم اشعر بشيء صلب يتكور في زاوية الرحم إلا هذه المرة.

فرحت، وأسرعت نحو والدك، قلت له:- في بطني ولد، تألق بريق عينيه، سيأتي لبناتك سند، سنموت ونحن مرتاحين، بكى، بكاء مرا، التصق بحلقي، غارت مرارته بقلبي، لم يصدق، فالحمل سر من أسرار الله، شعرت باني سأقتله لو وضعت غيرك، ولكني واثقة، نعم، واثقة، فانا اعرف بحاستي انك قادم، أنا أم، والأم تعرف كيف تتحرك الأجنة في الرحم.