الدُّعَـاء .. رحمـَة وَ رجـَاء الصفحة 5 من 6

بواسطة: علاء الدين حسن

دعـاء الأنبيـاء و عندما نستعرض آيات القرآن الكريم ، نجد أن الأنبياء والرسل الذين مُنحوا قدرات خارقة هم أكثر الناس تضرعاً إلى الله عز و جل ، فمن دعاء آدم و حواء عليهما السلام : ] قالا ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين [ . الأعراف / 23 . و من دعاء نوح عليه السلام ، بعد أن جاهد وكافح : ]… أني مغلوب فانتصِر . ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر [. القمر /10-11 . و من دعاء إبراهيم عليه السلام : ] ربِّ هب لي حكماً و ألحقني بالصالحين % و اجعل لي لسان صدق في الآخرين % و اجعلني من ورثة جنة النعيم [ . الشعراء / 83 - 85 . و ربما من الناس من يقول : إن إبراهيـم وقع في مأزق لم يقع في نظيره أحد قبله و لا بعده ، و ذلك عندما حكمت محكمة نمرود بإحراقه يوم حطم أصنامهم ، فكان من المتوقع أن يدعو في مثل تلك الساعة ، و لكنْ لم يرد في الصحاح أنه دعا ، بل ورد أن جبريل عليه السلام جاءه مستأذناً ربه وقال : أ لَكَ حاجة ؟ قال : أمَّا إليك فلا ! قال : فَسَلْ ربَّك . قال : / حسبي الله و نعم الوكيل / . و ذلك ؛ لأن قصارى همِّه تمثَّــل في أن يرضى الله عنه ، و أن يجعل ذريته من بعده سائرة على النهج المســتقيم . و من دعاء يونس عليه السـلام : ] … سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له و نجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [ . الأنبياء / 87 -88 . و يونس عليه السلام بُعث إلى قومه فدعاهم فلم يستجيبوا فهجرهم مغاضباً … و لـعـل هذا الهجران ما كان ينبغي أن يتم ، فابتلاه الله بأن وجَّه إليه حوتاً ]… فنــادى في الظلمــات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين [ . الأنبياء / 87 . و مـن دعـاء شـعيب عليـه السلام : ] ربنا افتح بيننا و بين قومنا بالحق و أنت خير الفاتحين [ . الأعراف / 89 . و من دعاء موسى عليه السلام : ] ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير [. القصص /24 . و من دعاء أيوب عليه السلام : ] أني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين [ . الأنبياء /83 . و مـن دعـاء عيسى عليه السلام : ] اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنـا و آخرنا و آية منـك و ارزقنـا و أنت خير الرازقين . قـال الله إني منـزلهـا عليكم ..[ . المائدة / 114- 115. و من دعاء لوط عليه السلام : ] ربِّ انصرني على القومِ المفسدين [. العنكبوت/30 . و من دعــاء زكريا عليه الســلام : ] ربِّ إني وهن العظم مني و اشتعل الرأس شيباً و لم أكن بدعـــائك ربِّ شــقيا . و إني خفت المـــوالي من ورائي و كانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك وليّا [. مريم/4-5 . فاسـتجاب الله لـه :] يـا زكريا إنّا نبشرك بغـلام اسمه يحيى لم نجعـل له مـن قبل سَميّا [ . مريم / 7 . و من دعاء يوسف u عند المحن التي تتالت عليه : ] قال ربِّ السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه و إلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن و أكن من الجاهلين . فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم [ . يوسف / 33-34 . من أدعية محمد e و من الأدعيــة المأثورة عن رســول الله صلى الله عليه وسلم ، ما قاله لابنته فاطمــة رضي الله عنها بأن تكثر من قــول : (( يا حي يا قيوم برحمتك اســتغيث ، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين )) . و عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما أصاب أحداً قط همٌ و لا حُزْنٌ فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك ، سميت به نفسك ، أو علَّمته أحداً من خلقك ، أو أنزلته في كتابك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك : أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، و نور صدري ، و جلاء حزني ، و ذهاب همِّي ، إلا أذهب الله هَمَّه و حُزْنَه ، و أبدله مكانه فرحاً )) . رواه أحمد و الحاكم . و عن عائشــة رضي الله عنها قالت : قام رسول الله صالى الله عليه وسلم فأطال السجود حتى ظننت أنه قُبض ، فلمــا رأيت ذلك قمت حتى حركت إبهامه فتحرك ، فرجعت فســمعته يقول في سجوده : (( أعوذ بعفوك من عقابك ، و أعوذ برضاك من ســخطك ، و أعوذ بك منك إليك ، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) . رواه البيهقي . و عن أم سـلمة رضي الله عنهـا قالت : هـذا ما سأل محمد صلى الله عليه وسلم : (( اللهم إني أسألك خير المسألة ، و خير الدعاء ، و خير النجاح ، و خير العمل ، و خير الثواب ، و خير الحياة ، و خير الممات .. )) . و عن عمر بن الخطـاب رضي الله عنه قال : قال رســول الله صلى الله عليه و سلم : (( اللهـم زدنا ولا تنقصنا ، و أكرمنا ولا تهنـا ، و أعطنا و لا تحرمنـا ، و آثرنا و لا تؤثر علينا ، و أرضنا و ارض عنا )) . رواه الحاكم و الترمذي . و روى الترمــذي و غيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه و سلم دعا فقـال : (( اللهم انفعني بما علمتني ، و علِّمني ما ينفعني ، و زدني علما ، و الحمد لله على كل حال ، و أعوذ بك من حال أهل النــار )) . و روى أبو داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوماً قال : (( اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، و نعوذ بك من شرورهم )) . و كان عليه الصلاة و السلام إذا دخل قرية قال : (( اللهم إنا نسألك خير هذه القرية و خير أهلها ، و نعوذ بك من شرها و شر أهلها )) . رواه البخاري و ابن حبان . و كان إذا رأى الهـلال قال : (( اللهم أهـلَّه علينا بالأمـن و الإيمان ، و السلامة و الإسـلام )) . رواه الطبراني . و كان إذا آوى إلى فراشـه قال : (( باسمك اللهم أحيا و أمــوت )) . رواه البخاري . و إذا اسـتيقظ قـال : (( الحمـد لله الـذي أحيـانا بعـدمـا أمـاتنـا و إليه النشـور )) . رواه البخاري . و روى أبو داود عن معــاذ بن زهرة أنه بلغــه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا أفطر قال : (( اللهـم لك صمت ، و على رزقك أفطرت )) . و عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : (( ذهب الظمـأ ، و ابتلت العروق ، و ثبت الأجر إن شاء الله )) . و عن أنس t عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم فقـال : (( أفطر عندكم الصائمون ، و أكل طعامكم الأبرار ، و صلَّت عليكم الملائــكة )) . و روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ! إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها ؟. قال : (( قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني )) . و من دعـائه e في أهم غزوة خاضها بوجـه المشركين : (( رب أن تهلك هذه العصابة - المؤمنة - فلن تُعبد في الأرض بعد اليوم )) . فكان عاقبة هذا الدعاء : ] إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [ . الأنفال / 9. و ما من موقعة انتصر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا و كان سرُّ انتصاره - بعد الأخذ بالأسباب المادية - هو اللجوء إلى الله عز و جل . فإذا كان الرسل و الأنبياء بهذه الحاجة إلى التضرع و الدعاء ، فما بالنا بالعامة من الناس ؟ . قال تعالى : ] قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم [ . الفرقان / 77 . و توفيق الله عز وجل لا يأتي إلا بعد الدعاء الذي يملأ قلب الإنسان خوفاً و رجاءً ، و من ثم يفيض كلمات تدور على اللسان . و الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، حتى تطلع الشمس من مغربها . قال تعالى : ] ادعوا ربكم تضرعاً و خفية إنه لا يحب المعتدين % و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها و ادعوه خوفاً و طمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين [ . الأعـراف : 55 - 56 . و هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء : دعاء العبادة و دعاء المسألة . و دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الـداعي ، و لا يمـلك ذلك إلا الله : ] و لا تـدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضـرك [ . يونس : 106 . أما دعاء العبادة فهو الخوف و الرجاء ، و هذان النوعان متلازمان .. أما قوله تعالى : ] إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابة و لو اجتمعوا لـه [ . الحج : 73 . و قوله : ] إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون [ . الأنبياء : 98 . فهذا الدعاء هو دعاء المشــركين لآلهتهم . و لذلك قال عز مـن قائــل : } فادعـوا الله مخلصـين له الدين { . غافر : 14 . أي : اعبدوا الله وحده و أخلصوا عبادته و لا تعبدوا معه غيره . و في دعاء المسألة يكون الإسرار . قال الحسن : ' بين دعوة السر و دعوة العلانيـة سبعون ضـعفاً ' . و قال تعـالى عن عبده زكريـا : ] إذ نادى ربه نداءً خفيا [ . مريم : 3 . فالله تعالى يسمع الدعاء الخفي ، و هو أعظم في الأدب ؛ لأن الملوك لا ترفع عندهم الأصوات ، و من رفع صوته عندهم مقتوه . و لله المثل الأعلى . و الدعاء الخفي هو روح الدعاء ؛ لأنه يتضمن الذل و الخشوع و السكن و تجريد الهمة ، و هو دال على قرب صاحبه للقريب . و في الحديث : (( .. فإنكم لا تدعون أصـماً و لا غائباً ، إنكم تدعون سميعاً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) . و لهذا يوصي العارفون بحفظ السر مع الله .. و الله تعالى لا يحب المعتدين في الدعاء ، و فُسِّر الاعتداء برفع الصــوت .