الدعاية الصهيونية الصفحة 6 من 8

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

وقد استثمرت إسرائيل شعور المواطن العربي في صياغة اخبارها الانتقائية وتمريرها الى اذنه ووجدانه، ونجحت الى مدى كبير «مع الاسف» في توجهها إلى المستمع العربي من خلال مصداقية زائفة وعرضها «الموضوعي» لكثير مما يجري داخل إسرائيل.
كيف استثمرت إسرائيل هذه المصداقية بذكاء نادر في التوجه نحو المستمع العربي؟
لقد تم ذلك من خلال اللعب على الخلافات العربية، وتأجيج نيرانها باستمرار، فإذا ما نشرت صحيفة عربية، أو اذاعت اذاعة عربية ولو خبرا صغيراً ضد بلد عربي آخر، فاننا نجد هذا الخبر يأخذ حيزاً مهماً في نشرة الأخبار في الاذاعات الإسرائيلية، وبنفس المقياس فإن كل ما يشير إلى خلاف في أي بلد عربي يخدم هدفها في بلورة شعور اليأس لدى المواطن العربي بتحقيق أي وفاق أو تضامن، فإنها تأخذ هذا الأمر عن طريق الخبر والتعليق والتحليل الاخباري.
فهي تريد ان تصور للمواطن العربي والشعوب العربية كلها ان الخلافات والنزاعات بين الدول والكيانات العربية هي عاهة مستديمة في الشخصية العربية وان هذه الدول لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تتفق على موقف موحد ضد اسرائيل، وبالتالي زرع اليأس في قيام تضامن عربي يؤدي الى استخلاص الحقوق الفلسطينية والعربية عن طريق الحرب او عن طريق السياسة الموحدة، وان مثل هذا الأمر قضية ميؤوس منها وكأنها تقول : واذن فلا مناص لك ايها المواطن العربي والفلسطيني بشكل خاص، من ان تبحث عن طريق «السلام».
«والسلام» في ترجمة إسرائيل هو سلام الاستسلام والقبول بمنطق اليأس والخضوع للأمر الواقع الذي فرضته الصهيونية بارادة السلاح والعدوان.
اذن، فان اخبار اسرائيل «العربي» يرتكز دائماً على الخلافات العربية، ويؤجج نيرانها باستمرار، وتعينه في ذلك طبعا الآلة السياسية في إسرائيل، إذ هي تتلقف أي تصريح من مسؤول إسرائيلي يعزز الشعور باليأس في نفس المواطن العربي حتى لو كان هذا التصريح موجها للمجتمع الإسرائيلي.
وقد قام الدكتور نواف عدوان ببحث آخر حول «اتجاهات اذاعة الكيان الصهيوني الناطقة باللغة العبرية» استعرض الباحث فيه عددا من المحاور من أهمها: الموقف من القضية الأمنية الاسرائىلية، والموقف من القضية اللبنانية، والموقف من التناقضات العربية.
ويقول د. عدوان:
‘لقد تعاملت الدعاية الاسرائيلية الناطقة باللغة العبرية مع مستمعيها في داخل وخارج الارض المحتلة بأسلوب مباشر هدفه ربط المستوطنين الصهاينة «بإسرائيل» ودفعهم إلي تحمل المسؤوليات الأدبية والمعنوية والتاريخية «بأرض الميعاد» الذين قدموا من أجلها. فلا عجب أن توظف الدعاية الصهيونية كافة طاقاتها لإيجاد برامج ساخنة قادرة على الاستمرار بشد المستمع بالعبرية ودفعه للمحافظة على غروره وتحيزه من أجل فرض «إسرائيل» وتأكيد قوتها العسكرية والتكنولوجية التي «لا تقهر» في حين تعاملت هذه الدعاية مع مستمعيها باللغة العربية بأسلوب اعتمد على الكذب والتزوير والحيل والتبرير، حيث لجأت هذه الدعاية إلى استخدام أسلوب المغالطات والتناقضات وأسلوب المقابلة الخاطئة إلى جانب أساليب الحرب النفسية وحيل البلاغة والتهكم.’
وقد ناقش د. نواف عدوان اهتمام الدعاية الصهيونية في إذاعتها العبرية بظاهرة تسييس الدين حيث يقول : «أما الموقف من المشاكل الدينية فقد احتل هذا الموضوع أهمية خاصة من حكام اسرائىل، وقد ظهر هذا الاتجاه من خلال خلافات تنشب باستمرار بين تيارات علمانية ودينية متصارعة، تفرض فيها القلة الدينية المتزمتة مظاهر احترام وتقديس العادات والتقاليد اليهودية القديمة، وتطالب بإعطاء الدين اليهودي مكانة مهمة في التجمع الصهيوني واحترام القرارات التي تبرمها المحاكم الدينية بخصوص العديد من القضايا الاجتماعية المطروحة في مجتمع غير متجانس ومتناقض عقائديا وفكريا وسياسيا.
وهنا .. لابد من تحليل الاهتمامات الخاصة للدعاية الصهيونية التي اخذت تركز منذ السنوات القليلة الاخيرة على ترويج ظاهرة الدين وتسييسها، خصوصا في الفترة التي اعقبت الاحداث الدامية في حربي لبنان والخليج... ومن المعروف بان هذه الظاهرة لم تأت بمحض الصدفة، وانما اتت بعد دراسات معمقة وبتعاون منظم مع وكالات الاستخبارات الامريكية لاثارة النعرات الطائفية في الوطن العربي، ووضع الاسلام في وجه العروبة واستبدال الهوية العربية بهويات مذهبية لعرقلة نهوض الأمة العربية وضرب اهدافها القومية التحررية.
على ضوء الاهمية الكبيرة التي أولتها الدعاية الصهيونية باللغة العربية نحو تأجيج وترويج الظاهرة الدينية السياسية في الدول المجاورة، ونلاحظ بالعبرية ان هذه الدعاية قد ابرزت بحذر تذمر التيار العلماني من تزمت التيار الديني اليهودي الذي اخذ يطفو على السطح في اسرائىل ليفرض قوانينه وأحكامه عنوة بالرغم من ان هذا التيار لا يشكل سوى نسبة 10% من التيارات والأحزاب العلمانية الاخرى.
ولاشك في ان الدعاية الصهيونية مهما حاولت فانها لن تنجح في خلق وحدة ثقافية لليهود لان ثقافة اليهود بطبيعتها غير متجانسة. ويصف بعض الباحثين الثقافة اليهودية بانها ثقافة جامدة ثابتة منذ آلاف السنين وهذا الثبات الساكن منذ آلاف السنين يثبت بالمنطق ان الثقافة اليهودية غير قابلة للتطور، وقد توقفت عند مرحلة زمنية سحيقة في التاريخ رافضة التفاعل او مواكبة التطور الثقافي عبر العصور.
الجمود في واقع متحرك هو بمثابة التقهقر حتى التلاشي والاندثار، وهذا ما اصاب الثقافة اليهودية بالفعل، اذ غابت عن الوجود قروناً، وما نشهده منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم هو مجرد اعادة احياء هذه الثقافة من حيث توقفت، ولكن بقناع براق من التقدم التكنولوجي لم يمس عمق الثوابت غير المتطورة.
من هنا نرى أن الثقافة اليهودية قائمة على عقيدة دينية وهذا بالتأكيد سبب تحجرها وعدوانيتها. وما دامت ان هذه الثقافة مستمرة في الارتكاز حصراً على عقيدة دينية غير متطورة، تبقى هي ايضاَ غير قابلة للتطور، وغير قادرة للتفاعل مع غيرها من الثقافات وبالتالي فهي ثقافة غير حوارية.