الدعاية الصهيونية الصفحة 5 من 8

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

تعتمد الدعاية الصهيونية/ الإسرائيلية على مبدأ التضليل بصفة عامة، ولا يتم هذا من خلال الكذب المباشر وإنما من خلال الاختصار والاختزال والاعتماد على الإبهام والغموض. كما يلجأ الصهاينة أحياناً للغش المصقول. وقد بين أبا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، أن الدبلوماسية الإسرائيلية عادة ما تختار حلاً للصراع العربي الإسرائيلي تعلم مسبقاً أن العرب لا يمكن أن يقبلوه، ثم تبدأ آلة الإعلام الصهيونية في التهليل له، وحينما يرفض العرب مثل هذا الاقتراح يتوجه الصهاينة للعالم متظاهرين بأن الألم يعتصرهم لرفض العرب اقتراحهم السلمي.
ولما كانت الأهداف المتعددة تقتضي أساليب متعددة وأصواتاً متعددة، فإن الدعاية الإسرائيلية توظف الأدوات بحيث يمكنها إصدار عدة أصوات مختلفة. فهناك صوت يساري معتدل، وآخر يميني متطرف، وثالث صوت وسط يقف بين الاثنين، ثم يسمح لكل الأصوات بأن تظهر فيما يشبه الجوقة على أن يصل لكل متلقّ الصوت الذي يحبه (ولذا يطلق على هذه الآلية دبلوماسية الجوقة).
ولكن على رغم كل التنويعات الصوتية والحيل البلاغية والأكاذيب المصقولة يمكن القول إن ثمة موضوعات أساسية في الدعاية الصهيونية نوجزها فيما يلي:
1 - تؤكد الدعاية الصهيونية أن الجماعات اليهودية هي في واقع الأمر أمة يهودية واحدة لابد من جمع شمل أعضائها لتأسيس دولة يهودية في فلسطين، مع التزام الصمت الكامل حيال العرب لتغييبهم، أو محاولة تشويه صورتهم إن كان ثمة ضرورة لذكرهم.
2 - من الموضوعات الأساسية التي تطرحها الدعاية الصهيونية قضية البقاء، فالدولة الصهيونية ليست دولة معتدية وإنما هي تحاول الحفاظ على بقائها وأمنها فحسب، وتختلف طبيعة هذا البقاء من حقبة لأخرى وحسب موازين القوى.
3 - تركز الدعاية الصهيونية على الحقوق التاريخية المطلقة للمستوطنين الصهاينة، مع الإغفال المتعمد لحقوق السكان العرب أصحاب الأرض الأصليين.
4 - طورت الدعاية الصهيونية رؤية مزدوجة للمستوطن الصهيوني. فبقاؤه مهدد دائماً من قِبَل العرب، ولكنه في الوقت ذاته قوي للغاية إلى درجة أنه لا يمكن أن يهدده أحد، فهو قادر على البقاء وعلى سحق أعدائه وضربهم في عقر دارهم.
5 - تؤكد الدعاية الصهيونية على أن ‘إسرائيل’ واحة للديمقراطية الغربية في وسط عالم عربي متقلب.
6 - تدخل الدعاية الصهيونية/ الإسرائيلية الموجهة للعرب في إطار الحرب النفسية، والتي تهدف إلى تحطيم معنويات العرب، بل تحطيم الشخصية القومية العربية، وغرس مفاهيم مثل جيش الدفاع الإسرائيلي الذي لا يقهر والسلام العبري.
7 - تحاول الدعاية الصهيونية/ الإسرائيلية تحويل مشاعر معاداة السامية من الفرع اليهودي إلى الفرع العربي. ولهذا، استبدلت بصورة اليهودي التقليدية في الوجدان الغربي (خائن- بخيل - تاجر - مرابي - عدواني - طفيلي) صورة جديدة تماماً، فأصبح اليهودي: (مسالماً - متحضراً - أميناً - ذكياً - صديقاً - منتجاً - مقاتلاً). وفي المقابل، نجحت الدعاية الصهيونية في ترسيخ صفات سلبية عن العربي فقد أصبح: (متخلفاً - بربرياً - جشعاً - عدوانياً بطبعه، وفي نهاية الأمر غائباً لا وجود له).
8 - ركزت الدعاية الصهيونية على قضية العداء الأزلي لليهود وعلى الإبادة النازية لليهود والستة ملايين يهودي، وهي تهدف من هذا إلى ابتزاز العالم الغربي وتبرير عملية اقتلاع الفلسطينيين من بلادهم كما أن هذه القضية تقوي التضامن اليهودي في الوقت نفسه.
9 - ركزت الدعاية الصهيونية في الغرب (وخاصة في مرحلة ما قبل بلفور) على محاولة إعادة إنتاج صورة اليهودي حتى يمكن توظيفه في خدمة المشروع الصهيوني، فيهودي المنفى إنسان لا جذور له، طفيلي، يشعر بالاغتراب ما دام خارج أرض الميعاد، وهو مضطهد بشكل دائم عبر التاريخ ابتداءً من طرد اليهود بعد هدم الهيكل على يد تيتوس إلى إبادتهم بأعداد ضخمة على يد هتلر. وهكذا، أصبح هذا اليهودي الإنسان المثالي العبري القوي المحارب الذي يمكنه أن يدافع عن نفسه وعن مصالح الحضارة الغربية داخل إطار الدولة الصهيونية. وقد خفت حدة الهجوم على شخصية اليهود في المنفى بعد عام 1967، بعد أن أدرك الصهاينة أن يهود العالم الغربي (الذين يشكلون غالبية يهود العالم) سيبقون في بلادهم ولن يهاجروا إلى فلسطين، وأن وجودهم في العالم الغربي (في الولايات المتحدة بالدرجة الأولى) يشكل أداة ضغط مهمة على صانع القرار الأميركي.
10 - توجهت الدعاية الصهيونية إلى الجماعات اليهودية مبينةً لها أن وجودها في عالم الأغيار يهددها ويهدد هويتها بالخطر، وركزت الدعاية الصهيونية على دعوة اليهود للخروج من الجيتو والهجرة إلى ‘إسرائيل’ للحفاظ على خصوصيتهم وهويتهم اليهودية. وقد تراجع هذا الموضوع في الآونة الأخيرة ويكاد يختفي للأسباب نفسها التي سبق ذكرها.
11 - تنشط المنظمات الصهيونية لإقامة جمعيات صداقة بين إسرائيل والدول التي توجد فيها جاليات يهودية كجمعيات التضامن والصداقة (طبية - اقتصادية - حقوقية••• إلخ)، وتضم هذه اللجان شخصيات يهودية وأخرى غير يهودية مهمتها الدعاية لإسرائيل.
12 - تعتمد الدعاية الصهيونية على شبكة واسعة من الدوريات الصهيونية في أنحاء العالم كافة.
ويرجع نجاح الدعاية الصهيونية إلى عدة عناصر:
1 - تعدُّد المنظمات الدعائية وتنوعها وضخامة عددها واعتمادها التخطيط العلمي.
2 - تقوم الدعاية الصهيونية بتوظيف أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب فهم يشكلون جزءاً عضوياً داخل الجسد الغربي على رغم استقلاله النسبي. ومن ثم، تبدو الدعاية الصهيونية كما لو أنها ليست وجهة نظر دولة أجنبية وإنما تعبير عن مصالح أقلية قومية.
3 - غياب الدعاية العربية وفجاجتها في كثير من الأحيان.
ولكن السبب الحقيقي والأول لنجاح هذه الدعاية هو أن ‘إسرائيل’ دولة وظيفية أسسها التشكيل الحضاري والإمبريالي الغربي لتقوم على خدمته، ولذا فهي تحظى بكثير من التعاطف لأن بقاءها كقاعدة للاستعمار الغربي جزء من الاستراتيجية العسكرية والسياسية والحضارية للعالم الغربي.
ويرى بعض الباحثين أن الدعاية الصهيونية سعت منذ بداية القرن الحالي لاحتلال بعض النواحي الهامة في مجالات الفنون التشكيلية فسيطرت العناصر الصهيونية على أهم دور النشر والمطبوعات الفنية الاوروبية والأمريكية.. وأخذت تؤلف في تاريخ الفن لتقوم الفنون عامة على اسس تخدم القضية الصهيونية فيما يشبه الاسلوب الفلسفي او العلمي في سرد وتفهم الاسس التي قامت عليها الحركات الفنية. بل ربما حرفت بعض مفاهيم الفن لخدمة أغراضها.
وقد قام سليمان خير الله بدراسة تناولت «سمات الاعلام الموجه باللغة العربية وفلسفته وأغراضه» بعد ان استمع الباحث لفترات الى اذاعة اسرائىل لتحليل المادة المذاعة وقد سعى الباحث الى دراسة ثلاثة عناصر اساسية في موضوعه هي : طبيعة الاخبار الصهيوني، الجمهور المستهدف بالاخبار الصهيوني والسبل الممكنة لمواجهة هذا الاخبار، ويقول سليمان خير الله في بحثه هذا
لقد نجحت اذاعة إسرائيل مع الأسف من خلال الطريقة «الانتقائية» التي تعرض بها إخبارها العربي عما يجري داخل إسرائيل إلى أن تبني لنفسها هالة ليست من المصداقية وأرخت للمستمع العربي العنان لكي يصبغ هذه الصفة على كل ما يذاع منها من اخبار او تعليقات على الشعب العربي.