الدعاية الصهيونية الصفحة 4 من 8

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

يحاصر جيش الاحتلال كل المدن والقرى والمخيمات في الضفة والقطاع، ويلاحق كل من يتحرك ويغتاله أو يعتقله حتى وصل عدد المعتقلين الفلسطينيين إلى ثمانية آلاف.
ويلاحظ أن الدعاية الصهيونية أصبحت أكثر قدرة على العمل والتأثير بعد تفجيرات 11 أيلول في واشنطن ونيويورك وقامت بتصميم مصطلحات ومقولات جديدة تتجاوز الأولى، فأصبح الفلسطينيون بمثابة حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وأن ما تتعرض له تل أبيب هو ذاته ما تتعرض له واشنطن، و’أن لـ’إسرائيل’ ابن لادنها’ كما كرر رئيس الوزراء الصهيوني أرييل شارون. وقد قاد بنيامين نتنياهو حملة دعائية خارج فلسطين المحتلة، في الولايات المتحدة وأوروبا للمقارنة بين ‘إرهاب بن لادن وطالبان’ و’الإرهاب الفلسطيني’ مؤكداً ‘أن الإرهاب الفلسطيني أصبح مرتبطاً بشكل أكبر بأحداث الحادي عشر من أيلول، حيث أصبح اعتبار مكافحة الإرهاب مطلباً عالمياً لمواجهة كل أشكال الإرهاب، وهذا يعني أن على ‘إسرائيل’ استخدام كل الوسائل الممكنة ضد أي شكل من أشكال العنف’.
واستغلت الدعاية الصهيونية أحداث 11 أيلول لبث سمومها، فقد بررت أدوات الدعاية لجيش الاحتلال قيامه بقصف سيارات الإسعاف الفلسطينية بالترويج لمقولة إن الفلسطينيين كانوا ينقلون عبرها الأسلحة والمتفجرات وتبرير قتل الأطفال الفلسطينيين عبر القول إن من يقتل هو إرهابي المستقبل، وهو ما فعلته الصحف الصهيونية حين نشرت في صفحاتها الأولى أكثر من مرة صورة مفبركة لطفل فلسطيني يحمل رشاشاً أو يلف بالحزام الناسف لتشير إليه أنه ‘إرهابي المستقبل’، واتخذت من العمليات الاستشهادية والصور المباشرة التي تبثها ذريعة لمواصلة القتل والقمع والتدمير والاحتلال تحت ذريعة ‘الدفاع عن الوجود’ متجاوزة المصطلحات التي روجتها لوسائل الإعلام الغربية ليكون اغتيال المقاومين متفهماً لديها، ومن هذه المصطلحات مصطلح ‘الدفاع الإيجابي’ أو ‘القتل المستهدف’ وتكثّفت في ‘حق إسرائيل في تصفية الإرهابيين’.
كما عمدت وسائل الدعاية الصهيونية أحياناً وعند تناقل وكالات الأنباء لصور الشهداء الفلسطينيين من الأطفال والنساء والشيوخ ممن سقطوا في الاعتداءات الصهيونية إلى تقديم روايات كاذبة كما حدث أثناء اقتحام مخيم جنين عام 2002، حيث قالت أدوات الدعاية الصهيونية: ‘إن المقاتلين الفلسطينيين قد استخدموا أبناء جلدتهم كساتر بشري لهم، مع العلم أن كل المصادر أكدت أن الصهاينة قد استخدموا كل وسائل القتل من أجل السيطرة على المخيم’.
وفي حالات أخرى مثل عملية قصف حي الدرج في غزة واستشهاد أطفال ونساء وشيوخ سارعت الدعاية الصهيونية إلى تقديم الحجج ومنها اختباء المقاتلين بين المدنيين، وإن وصلت صور الضحايا سريعاً إلى وسائل الإعلام الغربية فإنها تلجأ إلى تقديم تصريحات صادرة عن وزراء أو مسؤولين في الخارجية والحرب تقدم الاعتذار والأسف ‘لوقوع ضحايا من الأبرياء’ الذين يقطنون إلى جانب منازل ‘الإرهابيين’ أو تقع منازلهم إلى جانب ‘ورشات تصنيع قذائف الهاون’ حيث أصبحت المنازل الفلسطينية-في نظر الصهاينة-’ورشات لتصنيع قذائف الهاون’.
مقابل ذلك تقوم الدعاية الصهيونية بتضخيم عمليات وقوع قتلى بين الصهاينة فتركز على الأطفال وتسوق صورهم لوسائل الإعلام الغربية، وتلتقط صوراً قريبة لهم، ومثال التلاعب بالصور التلفزيونية هو الصور التي بثتها التلفزة الصهيونية في 1/4/2001 لتشييع الطفلة اليهودية التي قتلت في الخليل مركزة على ذلك في مختلف الصحف ومحطات الإذاعة، والأمر ذاته يتم تجاهله بالنسبة للفلسطينيين حيث يصبح من استشهدوا أشخاصاً وليسوا أطفالاً حسب المصطلحات الصهيونية.
وللنيل من معنويات الفلسطينيين درجت الدعاية الصهيونية على التأكيد على صمود وصلابة المجتمع الصهيوني الذي تعرض لغدر من قبل الفلسطينيين الذين وقعوا معهم ‘اتفاقيات سلام’ وقد قال الصحفي الصهيوني ‘سيما كدمون’ في مقال بعنوان ‘مواقع شارون’: ‘إن الرغبة في وحدة الصفوف وإقامة جبهة موحدة، والغضب على كل من يضعضع الإجماع’ يعود إلى ‘إحساس ‘الإسرائيليين’ بأن العالم بأسره ضدنا’ و’أن السكين في ظهر الأمة’.
ويؤكد غيورا إيلاند ‘أن وحدة المجتمع ‘الإسرائيلي’ تعود إلى أن خلفية الانتفاضة اليوم هي غيرها في عام 1987، وهو ما يجب أن يقدم للمراسلين الأجانب، فانتفاضة 1987 بدأت من تحت إلى فوق، أما اليوم فإنها من فوق إلى تحت-نتيجة قرار استراتيجي للشروع في كفاح مسلح- وفارق آخر هو أن أغلبية الأدوات في حينه تلخصت في رشق الحجارة على جنود الجيش ‘الإسرائيلي’، أما اليوم فيجري صدام مسلح، علاوة على أنه كان لـ’إسرائيل’ في عام 1987 سيطرة مطلقة على ما يجري على الأرض، أما اليوم فتوجد سلطة لها رئيس وبرلمان وجيش وشرطة شرعية مع 30 ألف رجل يحملون سلاحاً قانونياً’.
ويضيف إيلاند: ‘إن الإجماع يعود إلى أن الانتفاضة بدأت بعد لقاء مع الفلسطينيين في منزل رئيس الوزراء وبعد كامب ديفيد، وعندما كانت المسيرة السياسية في ذروتها’.
وفي مقابل ذلك عملت الدعاية الصهيونية على تقديم الفلسطينيين في حالة شقاق وخلاف ما بين حركة ‘فتح’ وحركة ‘حماس’ أو ما بين عرفات وبعض مساعديه، وبين أبناء المخيم أو المدينة والمقاومة وقد عمدت إلى استغلال أي حادث في مناطق الضفة والقطاع لتعمل منه سيناريو انشقاق لدى الفلسطينيين ومثال ذلك الفرح الصهيوني إثر قيام أجهزة أمن السلطة بممارسة القمع ضد المتظاهرين في غزة الذين خرجوا استنكاراً للعدوان على أفغانستان، ولجأت التلفزة الصهيونية بعد عملية السور الواقي إلى استضافة مسؤولين فلسطينيين في برامجها بعد أن كانت الحكومة قد قررت في 29/3/2002 ‘رفض منح الفلسطينيين منصة في الإعلام ‘الإسرائيلي’، وتهدف هذه الاستضافات إلى تحويل هذه البرامج إلى حلبات صراع بين المسؤولين السياسيين الفلسطينيين الذين كانوا يتكلمون وكأنهم على منصة الصديق’.
ويقول د.عزمي بشارة حول هذه البرامج: ‘إن الإنسان ليس بحاجة إلى عقل سياسي حاذق كي يرى المصلحة ‘الإسرائيلية’ بصب الزيت على نار هذا الصراع عديم العلاقة بمصالح الشعب الفلسطيني، أي نقاش الإصلاح، والإصلاح السياسي الديمقراطي لا يمر عبر الإذاعة والتلفزة ‘الإسرائيلية’.
إن هذه الدعاية حققت جزءاً كبيراً من أهدافها، وإن لم تكن كلها، وهذا يعود إلى عدم الحسم السياسي الرسمي الفلسطيني في الدفاع عن الانتفاضة وتبني نهج المقاومة مما يعكس نفسه على الاستراتيجية الإعلامية القادرة على مواجهة آلة الدعاية الصهيونية ولكن هذا الأمر يستدعي أولاً وأخيراً إيمان الإعلامي الفلسطيني والعربي بقدراته على ذلك وهي فعلاً قدرات متوفرة لكن ذلك مشروط بالتزامه ببرنامج إعلامي يستند إلى أمرين:
1-علم الإعلام والعلوم الأخرى المتفاعلة معه كالاجتماع والنفس والسياسة ليضمن فعالية الرسالة الإعلامية.
2-البرنامج السياسي الذي يؤكد على شرعية مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل الوسائل وذلك يعطي لكل برنامج إعلامي دفقاً وحيوية، وبدونه يصبح خالياً من المضمون بل يصبح دليلاً تستند الدعاية الصهيونية إليه لإثبات عجز العربي وضعف قدراته.