الدعاية الصهيونية الصفحة 3 من 8

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

حيث سارعت ‘إسرائيل’ للرد بهجوم المروحيات ولكنها لم تشرح ردها، وكل الصور التي عرضتها وسائل الإعلام الأجنبية كانت صور هجوم المروحيات أما الهجوم على الباص فلم يذكر أبداً’.
ويبدو أن مشهد اغتيال الطفل محمد الدرة في بداية الانتفاضة والتسجيل الحي له قد وضع الدعائيين الصهاينة في موقف حرج فراحوا يعدون العدة من أجل الهجوم الدعائي لتقديم صورة إيجابية حول الكيان الصهيوني ومحو الصور السلبية التي قدمتها وسائل الإعلام وقد بدا ذلك إثر حادثة اغتيال الطفل الدرة حيث بثت وسائل الدعاية الصهيونية خبراً مفاده أن الطفل قتل بأيدي فلسطينية ومن ثم قامت بتقديمه عبر الإنترنت باعتباره طفلاً‌ يهودياً وقد قتله الفلسطينيون.
ومن أجل نجاح الدعاية الصهيونية في مواجهة الانتفاضة دعا بعض الصهاينة إلى أهمية تركيز التعامل مع الصحافيين الأجانب وإيلاء أهمية لتقديم المعلومات لهم والتواصل الدائم معهم للتأثير عليهم واستبعاد الناطقين العسكريين الهرمين من التعامل معهم واختيار ناطق إعلامي شاب وسيم وقد شارك في تقديم هذه النصيحة السفير البريطاني في الكيان الصهيوني ‘شيرارد كاوبركولز’ في حديث مع صحيفة ‘جيروزالم بوست’ حيث قال ‘على ‘الإسرائيليين’ أن يقلدوا تكتيكات الجيش البريطاني في حربه مع الجيش الجمهوري الأيرلندي في أيرلندا الشمالية ’ وتابع ‘أتمنى تقديم مزيد من العون لجهود العلاقات العامة ‘الإسرائيلية’ وأشعر أحياناً أن بإمكان ‘إسرائيل’ أن تعرض قضيتها بصورة أفضل’.
وأضاف قائلاً’ إنك إذا لم تبادر بتزويد وسائل الإعلام بالصور فإن العدو سيفعل ذلك، فكلما حدثت حادثة عليكم تخصيص متحدث رسمي ويفضل أن يكون شاباً وسيماً ليعطي صورة جيدة لجيش الدفاع ‘الإسرائيلي’.
ويعتبر إقامة مكتب إقليمي خاص لإدارة الحرب الدعائية ضد الفلسطينيين الخطوة الأولى للخروج من صدمة المفاجأة فراح هذا المكتب الذي يضم ممثلين عن وزارة الخارجية ووزارة الحرب والأجهزة الأمنية ومكتب رئيس الوزراء، يضع الخطط للرد على الإعلام العالمي ولتحطيم النجاح الذي لاقته صورة الانتفاضة لدى وسائل الإعلام الأخرى الذي أفزع الصهاينة خوفاً على سقوط مقولة روجوها للرأي العام الغربي منذ إنشاء الكيان الصهيوني في عام 1948 ألا وهي مقولة: ‘جالوت وداوود التي يهدد فيها جالوت القوي داوود الضعيف’، وفيها إشارة إلى العربي الذي يهدد اليهودي، فما أفزع الصهاينة هو انقلاب المعادلة بشكل مطلق حيث كثف الفلسطيني داوود الضعيف الذي لا يستكين ويواصل تحديه، بينما مثل الصهيوني خلال الانتفاضة الشرير جالوت.
وقد عمد المكتب وعبر أعوام الانتفاضة على تصنيع المصطلحات والمفاهيم وترويجها لدى الإعلام الغربي وأحياناً لدى الإعلام العربي ذاته الذي راح قسم منه يكرر المصطلحات الصهيونية ومنها مثلاً ‘توغل إسرائيلي’، ‘تخلي ‘إسرائيل’ عن أراض للفلسطينيين’، ‘المدنيون الإسرائيليون’، ‘القتل المستهدف’.
واعتمدت الدعاية الصهيونية في هجومها على المقولة التقليدية وهي ‘إن ‘إسرائيل’ تخوض حرباً دفاعية لا خيار ‘لـلإسرائيليين’ فيها، فهي مفروضة عليهم فرضاً من قوى خارجية شريرة وأن الجيش ‘الإسرائيلي’ لا يستخدم السلاح إلا في إطار أخلاقي محض’.
وقد استغلت أدوات الدعاية الصهيونية قيام حشد فلسطيني بقتل جنود صهاينة من الوحدات الخاصة دخلوا إلى رام الله لتنفيذ عمليات اغتيال بحق مناضلين فلسطينيين، من أجل تصوير الانتفاضة على أنها أعمال بشعة وثأرية يقوم بها وحوش لا قيمة أخلاقية لديهم، وقد وزع الصهاينة شريطاً مصوراً عن العملية بثته تكراراً العديد من المحطات الفضائية العالمية، وذلك لإحداث توازن في قوة الصورة والعمل على ترجيحها لمصلحة الكيان الصهيوني ولتمرير نظرتهم إلى العرب باعتبارهم ‘متآمرين لا ذمة لهم ولا ضمير’ وإنهم ‘أفاعٍ وحيوانات ندم الله على خلقهم’ كما قال الحاخام ‘عوفاديا يوسف’ في تصريح له نشرته مختلف وسائل الإعلام، ولتؤدي هذه المقولات إلى تبرير السياسة القمعية الصهيونية التي ينظر القائمون عليها، كما يقول د.عبد الوهاب المسيري، إلى الفلسطينيين ‘ليس كشعب له تاريخ بل شعب أعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطليعة ‘كالثعالب والذئاب’ ومن ثم لا حق لهم بالحياة، ويمكن إبادتهم إن ثبت ضررهم أكثر من نفعهم’.
ومن أجل إيجاد المبررات للوصول إلى هذا الهدف ‘الإبادة والقتل والقمع’ فقد روّج مصممو الدعاية الصهيونية لأكذوبة عرض باراك السخي على عرفات في كامب ديفيد الثانية في تموز 2000 ورفضه عرفات مطالباً بتحقيق اتفاق عودة الفلسطينيين الذي لن يتم إلا على حساب طابع وتميز ووجود ‘إسرائيل’ كدولة يهودية.
وقد تمكنت الدعاية الصهيونية من ترويج هذه المقولة المزيفة واعتبرت بعض وسائل الإعلام الغربية وفي مقدمتها الأمريكية ‘أن مقترحات كلنتون-باراك هي أمر متميز وشهامة وكرم ولكنها لم تقدم أي شروحات لهذا التميز وهذا الكرم والشهامة’.
وقد انتقلت الدعاية الصهيونية إلى الخطوة الثانية وهي اتهام السلطة الفلسطينية بالنكوص عن اتفاقياتها وأنها رأت ‘أن الإرهاب هو خيارها الاستراتيجي’ لتحقيق ما لم تتمكن من تحقيقه في كامب ديفيد الثانية وبذلك أصبحت حجة قصف المواقع الفلسطينية في المدن والقرى والمخيمات جاهزة وتتلقفها وسائل الإعلام الغربية وأصبحت فزاعة ‘الإرهاب’ و’الدفاع عن أمن ‘إسرائيل’’ هي التبرير الصهيوني لاغتيال القادة والكوادر والأطفال والشيوخ والنساء على حد سواء، فالشهيد أبو علي مصطفى ‘إرهابي’ كان يخطط لتفجير روضة أطفال، والشهيدان جمال سليم وجمال منصور ‘إرهابيان’ من الدرجة الأولى في خطورتهما على الكيان الصهيوني، وكانت حكومة العدو تتذرع دائماً بأن في حوزتها قائمة بأسماء ‘المطلوبين’ قدمتها إلى الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية وهم لا يتجاوزون الثلاثين فرداً، وأن أجهزة أمن السلطة لا تتحرك بشأنهم مما يفرض على ‘جيش الدفاع’ القيام بهذه المهمة، والمفارقة التي تعكس سياسة الإبادة ضد الشعب الفلسطيني أن هذه القائمة وبعد عامين على اندلاع الانتفاضة قد تضخمت لتشمل الشعب الفلسطيني بأسره، حيث