في مصر: المساجد الأثرية مراكز لدعوة السائحين

ثقافة عامة

في بعض مساجد القاهرة القديمة، وفي عواصم إسلامية أخرى كسوريا ودول المغرب العربي، كثيرًا ما يتكرر مشهد السائحين الأجانب الذين يتجولون داخل أروقة المسجد حبًا في الاطلاع على المعالم التاريخية القديمة.

ورغم الصورة السلبية التي خلفتها أحداث 11 سبتمبر 2001 على صورة المسلمين ومبادئ الإسلام، فإن السياحة الأجنبية لم تلبث أن استؤنفت بعد أسابيع قليلة من التوقف، وفي كل مرة يحل فيها السياح بلدًا مسلمًا فإن مساجدها الأثرية تكون واحدة من المعالم المهمة التي يحرصون على زيارتها.

وتطرح زيارة هؤلاء السائحين للمساجد أسئلة عديدة حول مدى شرعية دخولهم إليها، والصورة التي يدخلون عليها، غير أن أهم الأسئلة التي تطرح نفسها عندما تذكر هذه المساجد هو كيف يمكن أن نحول هذه المساجد الأثرية مركزًا لدعوة السائحين الأجانب إلى الإسلام، ودفع الاتهامات التي تلحق به منذ أحداث سبتمبر 2001 ؟
وفي التحقيق التالي تناولنا تلك النقاط جميعاً.

لا موانع شرعية
يؤكد الدكتور يحيى إسماعيل أستاذ علوم الحديث بجامعة الأزهر أن المساجد الأثرية يمكن بالفعل أن تتحول إلى مراكز مهمة جدًا لدعوة غير المسلمين، ولنقل صورة صحيحة عن الإسلام لهم، مشيرًا إلى أن دخول غير المسلمين إلى المساجد أمر لا حرج فيه ؛ فقد استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود المشركين في مسجده بالمدينة المنورة، وقد دخل عليه وفد نجران فلم يمنعهم من ذلك، ودخل عليه عدي بن حاتم ليناقشه في الإسلام وهو يلبس الصليب فلم يخرجه من المسجد، ودخل عليه كعب بن زهير وهو مشرك مهدر الدم فاعتذر إليه وأسلم فعفا عنه.
أما الحكم الوارد في الآية الكريمة “إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا” فهو حكم خاص بالمسجد الحرام وحده، ولا يمكن تعميمه على بقية المساجد.
ولكن الشرط الذي ينبغي أن نلتفت إليه - كما يقول الدكتور يحيى إسماعيل- هو أن هؤلاء السياح لا بد لهم أن يوقروا المسجد ويلتزموا بأحكامه الظاهرة، فلا تدخل المرأة غير ملتزمة باللباس المحتشم، ولا تدخل المرأة مع رجل بصورة لا يقرها الشرع، ويجب كذلك أن يفصل بين الرجال والنساء داخله.

مراكز نشطة للدعوة
وبالمثل يشير الشيخ جمال قطب، رئيس قسم الدعوة والإعلام الديني بالأزهر الشريف، إلى أن المسجد الأثري يمكن أن يتحول إلى مركز نشط من مراكز الدعوة الإسلامية، فبدلاً من خروجنا إلى أنحاء الأرض للدعوة إلى الإسلام، هاهم السياح يأتون إلينا داخل مساجدنا ليشاهدوا حضارة الإسلام ويسمعوا عن تاريخه، فإذا حولنا هذه المساجد إلى معاهد علمية، وأنشأنا فيها مكتبات بكل اللغات الحية، وأقمنا المعارض التاريخية والجغرافية لعرض أحوال العالم الإسلامي وحقيقة الإسلام وأفكاره، فإن هذه المساجد ستؤدي خدمة غير مسبوقة للدعوة الإسلامية.

ويقول الشيخ جمال قطب: في الدول الغربية توجد مساجد ومراكز إسلامية يتوافد عليها ـ أيضًا ـ غير المسلمين، وهي تقوم بدور كبير في دعوتهم إلى الإسلام، ولكن الميزة الكبرى في المساجد الأثرية أنها تجتذب شريحة مختلفة من غير المسلمين، لم يكن في نيتهم أصلاً التعرف على الإسلام، وهؤلاء إما لديهم صورة مشوهة عنه - ضاعف من سلبيتها أحداث سبتمبر 2001- أو ليست لديهم فكرة عنه أبدًا.

وفي حالة دعوة هؤلاء أو تعريفهم بالإسلام، كما يقول الشيخ جمال قطب، فإن كثيرًا من هؤلاء يمكن أن يكتشفوا في الإسلام حلولاً لمشاكلهم، أو على الأقل سيتم تصحيح مفاهيمهم عنه، وسيكون هؤلاء رسلنا إلى قومهم لتعريفهم بالإسلام الصحيح.

كيف؟
ولكن كيف يمكن أن يقوم المسجد بهذا الدور؟
نعود إلى الدكتور يحيى إسماعيل الذي يقترح في هذا الصدد أن تعد وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية في البلاد الإسلامية، التي تنشط فيها صناعة السياحة، خطباء على مستوى خاص من العلم والمعرفة والقدرة على توصيل الفكر الإسلامي لهؤلاء الأجانب بلغاتهم التي يعرفونها، وهذا لن يتم إلا إذا أقيمت دورات خاصة في الوزارة لإعداد الواعظ الذي يقوم بدور المرشد الديني للسياح.

ويضيف أن على المسؤولين أن يقدموا لكل سائح يزور المسجد هدية، وهي عبارة عن رسائل صغيرة، بلغة بلده التي يجيدها، تتحدث عن القضايا التي تعمد المستشرقون تشويه صورة الإسلام عبرها، مثل رأي الإسلام في السلم والحرب، وفي حقوق الإنسان، وفي الإرهاب، وحقوق المرأة وغيرها من المسائل التي تعاني من سوء الفهم.

واقع المساجد
ويشير الشيخ منصور الرفاعي عبيد، الداعية الإسلامي بمصر والوكيل السابق لوزارة الأوقاف، إلى ما يحدث بالفعل داخل المساجد التي يحرص السياح على زيارتها، فالوزارة تقدم لهم عباءات تضمن أن تكون عوراتهم مستورة، وتلزمهم بخلع الأحذية أثناء الزيارة، وعدم الدخول أثناء الصلوات وفي أوقات الشعائر، والسائح من جانبه أيضا يكون شديد الحرص، في أغلب الحالات، على احترام مشاعر المسلمين لأن دياناتهم تجبرهم على احترام أماكن العبادة.

مرشدون سياحيون ودعاة
هذا المعنى نفسه تؤكده أيضًا ليلى قنديل، النقيبة السابقة للمرشدين السياحيين بمصر، وتشير إلى أن نسبة 99% من السائحين ملتزمون بما يطلب منهم، ويقدسون الأماكن الدينية، ويخافون من انتهاك حرمتها، ونسبة 1% الباقية ترفض عادة دخول المساجد، ويكون العبء الأكبر في إرشادهم لمفاهيم الإسلام وآدابه على كاهل المرشد السياحي وحده، ولذلك يجب أن يكون عالمًا بقضايا الإسلام الأساسية والشبهات التي تثار حوله والرد عليها، وهذه الشبهات - بالخبرة- لا تخرج عن وضع المرأة في الإسلام، والجهاد بالسيف، وإباحة تعدد الزوجات، وأضيف إليها منذ 11 سبتمبر الماضي أسئلة جديدة حول الإسلام والإرهاب، وحول موقف علماء الإسلام من آراء تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات المتهمة بالإرهاب.

وتقول: كلما كان المرشد متمكنًا من الردود على هذه الشبهات فإنه يكون قادرًا على اجتذاب هؤلاء الناس إلى الإسلام، بل ويكون قادرًا على الهجوم على مفاسد حضارتهم الغربية والمقارنة بينها وبين الإسلام.

هؤلاء أسلموا
وتحكي ليلى قنديل عن أستاذ جامعي بلجيكي أسلم بعد زيارة قام بها إلى مساجد القاهرة وحصوله على نسخة مترجمة لمعاني القرآن الكريم.

وأخيرا يروي المرشد السياحي عز الدين أحمد سالم أن وفدا سياحيا كاملا تأثر بالإسلام قبل سنوات بعد أن حدثهم عن بعض جوانب إعجاز القرآن أثناء زيارتهم لأحد المساجد الأثرية بالقاهرة، فرتب لهم لقاء مع أساتذة من كلية أصول الدين استغرق 4 ساعات، ولم ينته هذا الاجتماع إلا بعد أن أعلن عدد كبير من هؤلاء عن رغبتهم في اعتناق الإسلام.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق