نحو مرصد إعلامي عربي فاعل في المجتمعات الغربية

ثقافة عامة

قد لا يخفى على أحد اليوم الدور الكبير الذي تؤديه وسائل الإعلام في توجيه وتشكيل الرأي العام، وفي صياغة الفكر وقيادة العقل، بل في التأثير القوي على مراكز صناعة القرارات العليا سياسية كانت أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية..
فلقد بات من المسلّم به الإقرار بأهمية الإعلام في الإخبار وبث المعلومات وتزويد الجماهير بكل فريد وجديد، ولم يعد دور الإعلام يقتصر على هذا الحد، بل إن الإعلام اليوم أصبح ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة، إذ أنه يقوم بدور هائل في حماية أبناء الأمة من الغزو الثقافي والفكري عن طريق التوعية والتنوير والتحذير من مخاطر الأفكار الوافدة التي تتصادم وتتعارض مع أصولنا وعقائدنا وقيمنا، بل وأصبح الإعلام يقوم بدور جليل إذ هو يكشف الزيف الذي يروجه الأعداء، ويتصدى للهجمات الشرسة التي يشنها الإعلام المعادي هنا أو هناك.

لهذا فقد استبشرنا خيراً عندما اجتمعت كلمة وزراء الإعلام العرب في الجامعة العربية على الموافقة على اقتراح الأمين العام بإنشاء مرصد إعلامي عربي تحت إشراف الجامعة العربية للدفاع عن المصلحة العربية من خلال متابعة وتجميع مختلف التهجمات والاتهامات والشبهات والادعاءات والقيام بالرد عليها وبيان بطلانها وزيفها وذلك في بلاد الغرب.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نقيم مرصداً إعلاميا عربيّا فاعلاً ومؤثرًا في المجتمعات الغربية؟!
إن الأجيال القادمة لن تسامحنا وإن التاريخ لن يرحمنا إذا ما نحن فرطنا في القيام بهذا العمل الإعلامي الكبير على الوجه الذي يحقق الهدف منه، ولقد رجعت إلى لسان العرب لابن منظور، لأقف على استعمال العرب لكلمة مرصد، فوجدت أن أصلها من الفعل رصد، ومنه الراصد بالشئ أي المراقب؛ يعني يرصده بالخير والشرّ معاً، ومنه الترصد أي الترقب، ومنه الرصيد بكسر الصاد أي السبع الذي يرصد ليهجم، والرصَد هم القوم يرصدون كالحرس، وقولهم: فلان يرصد فلانا. أي يقعد له على طريقه، وقالوا: المرصد والمرصاد عند العرب هو الطريق.. قال تعالى: {واقعدوا لهم كل مرصد} قيل معناه أي كونوا لهم رصداً لتأخذوهم في أي وجه توجهوا، والمرصاد هو الموضع الذي ترصد الناس فيه وهو المكان الذي يرصد فيه العدو، ومنه قوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد} أي يرصد من كفر به وصد عنه بالعذاب، وقيل: يرصد كل إنسان حتى يجازى بفعله.

ونخلص من هذا إلى أن المرصد من وظائفه حسب ما جاء في تفسيره وتعريفه:
1. المراقبة والمتابعة لكل ما يجري حولنا من خير أو شر.
2. الاستعداد التام والتهيؤ الكامل للقيام بالمهام الموكلة إليه في الوقت المناسب والمكان المناسب.
3. التحفز والتجهز والترقب لكل ما هو ضدنا من تيارات وأفكار لمهاجمتها وكشف زيفها وبيان ضلالها.
4. التعقب والتتبع للمناوئين والمعادين في كل موقع حيثما كانوا.
5. رصد الواقع بكل أبعاده لمحاسبة المخطئين ومعاقبة المجرمين.

ولا شك أن قيام المرصد بهذه المهام الثقيلة أمر مهم وجليل، ولكن ما ينبغي أن يتوقف دور المرصد على حالات الرصد الآنية فقط للقضايا والمشكلات والتهم والشبهات التي تثار حولنا ومحاولة تفنيدها وكشف زيفها والرد عليها، بل على المرصد دور آخر لا يقل أهمية عن الدور المنوط به، وهو أن يقوم بعملية مسح شامل للخريطة السياسية والفكرية والثقافية للمواقع والأقطار التي يعمل خلالها ولفترات زمنية سابقة للقيام بمعرفة هذه البيئات من قريب والوقوف على طبيعتها وظروفها ومواردها ونفسيتها ومشكلاتها والقضايا والشبهات التي تسربت إليهم وتملأ أفكارهم وعقولهم، ثم القيام بإعداد الردود المناسبة والقوية والمقنعة لنشرها على أوسع نطاق ممكن، وبجانب هذا وذاك على المرصد أن يستشرف المستقبل، ويسعى نحو التنبؤ بما يمكن أن يحدث أو يثار من توترات أو مشكلات، والعمل على تجنب حدوثها أو وقوعها أو على الأقل التقليل من تأثيرها وضررها.

هذه هي بعض المهام والوظائف التي يمكن لهذا المرصد أن يقوم بها، ولا شك أن هناك - على أرض الواقع - ستظهر مستجدات ومستحدثات لن نخوض بالحديث عن ذلك الآن، فإن لكل حادثة حديث كما يقولون.
ولكن بعد كل ذلك يبقى السؤال الذي طرحناه قائما، ماذا علينا أن نفعل حتى يكون لدينا مرصد إعلامي عربي ناجح وفاعل ومؤثر في المجتمعات الغربية، وللإجابة عن هذا التساؤل نقول:
بداية، يجب على من يعمل من خلال هذا المرصد أن يكون على يقين بضرورة معرفة وفهم طبيعة المجتمعات الغربية، كأن يعرف - مثلا - طبيعة المجتمع الأمريكي الذي يميل إلى العزلة الاختيارية والانغلاق على النفس والتمحور حول المصلحة الشخصية وحصر الاهتمام بشئون مجتمع مدينتهم المحدود فقط! هذا أولا.
ثانيا: تفعيل دور المكاتب الإعلامية العربية وبعثات الجامعة العربية في الخارج ومجالس السفراء وجمعيات الصداقة العربية والأجنبية، هذا بجانب التنسيق والتكامل بين هذه الهيئات بعضها البعض.
ثالثا: تكثيف التعاون في مجال الإعلام العربي الخارجي لدى الدول العربية؛ إذ لا يصح استمرار الوضع القديم، بأن تتحرك كل دولة عربية بمفردها، وفي عزلة تامة عن الدول الأخرى.
رابعا: الاستخدام الأمثل لتقنيات العصر، والاستفادة الكاملة من ثورة المعلومات والاتصال وتكثيف الوجود العربي على شبكة المعلومات الدولية الإنترنت.
خامسا: الابتعاد عن دعاوى القُطرية وآفاتها ونعراتها التي تهد في الكيان العربي بفعل المواقف القاصرة والتحزب المعيب.
سادسا: نسيان الخلافات والتسامي فوق المشاحنات البينية لدى بعض الأقطار العربية، والتركيز والتكامل في الهدف الذي يسعى الجميع نحوه.
سابعا: اختيار العناصر الفاعلة، المؤمنة بقضايا الأمة، العاملة على رقيها، الحالمة والمتطلعة إلى مستقبل مشرق لها، والعمل الجاد لتثقيفهم وتأهيلهم التأهيل الأمثل لأداء واجبهم نحو أمتهم وحضارتهم وتاريخهم [اللغة الأجنبية- الثقافة- علم النفس...].
وقد يحسن الاستفادة مباشرة بالعناصر الجاهزة والمؤهلة والذين يصطحبون النية الصادقة والرغبة الجادة في خدمة قضايا الأمة.. وهذه النقطة من أهم عوامل النجاح - إن لم تكن أهمها على الإطلاق- لأن الفرد إذا كان مؤمنا بقضية يبذل كل جهده ووقته في سبيلها، فهو ليس موظفاً، يعطي على قدر ما يأخذ، ولكن الإنسان المؤمن بالقضية المتفاني في سبيلها يخلص لها، ويعيش من أجلها.
ثامنا: توفير المال اللازم للإنفاق، حيث إن هذا العمل الكبير يحتاج إلى أموال طائلة، ولكن النتائج التي يمكن أني يحققها هذا المرصد والنجاحات التي يمكن أن تحدث ستنسى كل المتاعب وكل التكاليف مهما كانت.
تاسعا: توفير جو من الحرية الحقيقية يعطي للقائمين على هذا العمل القدرة على أن يقولوا الحقيقة كاملة بلا اختصار أو اختزال، هذا بجانب أن يفتح باب الحوار على مصراعيه، ويعطي الأفراد والهيئات الحق في النقد البنّاء في حرية كاملة، وأن ينعم الجميع بالحرية حتى تسمع الحقيقة ويكشف الزيف والتضليل، وذلك داخليا وخارجيا.
عاشرًا: تفعيل دور الباحثين والدارسين العرب والمسلمين في المجتمعات الغربية والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم.
حادي عشر: الاستعانة بالخبراء والعلماء في كل التخصصات الذين لهم باع طويل في فهم الصراع وخلفياته، حتى تأتي المناقشات والردود والمعلومات التي تقدم دقيقة دقة تامة.
ثاني عشر: أن نسعى داخليا إلى تحسين وتصويب علاقتنا بديننا وعقيدتنا، وأن تكون هذه العقيدة هي المحركة والدافعة لنا في كل مجالات حياتنا، ساعتها سنكتسب تقدير واحترام الآخرين عندما نقوم بالدفاع عن عقيدة وحضارة نحن نحترمها ونتمسك بها ونطبق تعاليمها في حياتنا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ كيف ندافع عن الإسلام ونحن في الداخل نتعامل مع الدين بشكل غير مقبول، وكيف نصحح صورتنا في الخارج وصورتنا مشوهة في الداخل.
كل هذه العوامل وغيرها إذا ما اجتمعت وتحققت لهذا المرصد الإعلامي فإننا نأمل ونتمنى على الله تعالى أن يكتب له النجاح، ويثمر ثمارًا يانعة بإذنه تعالى، أما إذا قمنا بإنشاء مرصد إعلامي في تلك المجتمعات، ويكون شأنه كشأن الهيئات والكيانات القائمة والموجودة، ولا تتحرك الحركة المطلوبة منها ولا تؤدي الدور المنوط بها، فعلى الدنيا السلام، وأفضل لنا أن نظل ساكتين موفرين الجهد والوقت والمال، بدلا من إضاعته وصرفه في غير منفعة حقيقية!!

وبعد فإننا - نحن العرب والمسلمين- نملك كل إمكانيات ومقومات النجاح، ولكن لا ينقصنا إلا الإخلاص والصدق مع الله، ونحن أصحاب قضية عادلة وأصحاب حق، صحيح أن ميزان القوى ليس في صالحنا، ولكننا، إذا كنا على ثقة بوعد الله وأخذنا بكل الأسباب الممكنة، فسوف يعيننا الله تعالى على أداء رسالتنا وتحقيق غايتنا، ولقد قالوا: إن النصر صبر ساعة، وأقول اليوم أيضا بأن النصر صدق ساعة وإخلاص ساعة..

فهل نسمع قريبا أو نقرأ نبأ البدء في إقامة هذا المرصد الذي أصبحت الحاجة إليه أكثر من ملحة وأكثر من ضرورة، إن المرء ليشعر بالأسى والحزن عندما يعلم أن اليهود في العالم يتحركون لمصالحهم وأهدافهم أكثر مما نتحرك نحن العرب، مع الفارق الشديد بيننا وبينهم، إنهم ينفقون ببذخ على باطلهم وتشويه صورتنا أمام العالم، وصدق الله إذ يقول: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} [الأنفال: 36، 37].
ويقول عز من قائل: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليما حكيما} [النساء: 104] صدق الله العظيم.
.................................
* مدرس الإعلام بجامعة الأزهر





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق