القمر الصناعي الإسلامي.. تحدٍ حضاري وضرورة عصرية

ثقافة عامة

مشروع القمر الإسلامي الذي أعده مفتى مصر السابق لم ير النور حتى الآن
ـ العالم الإسلامي يفتقد وجود كيانات تنظيمية إعلامية على أسس إسلامية
ـ الخلافات السياسية والمذهبية والتمويل أبرز العوائق
....................
على الرغم من أن العالم الإسلامي يتسم بالتجزئة ويقوم بدور متواضع في النظام الدولي ولا توجد سياسة إسلامية دولية فعالة تجمع الأمة الإسلامية، فان خبراء العلوم السياسية يؤكدون أن العالم الإسلامي من الممكن أن يقوم بدور أكثر فاعلية في النظام الدولي.
ولذلك أساليب كثيرة .. من بينها كيانات تنظيمية أكثر قوة وفاعلية من تلك الموجودة ، ويأتي القمر الصناعي الإسلامي كأحد أهم هذه الكيانات التنظيمية في الدعوة إلى الإسلام وتحسين صورته التي يسعى الغرب لتشويهها مستغلا أحداث 11 سبتمبر التي خلقت له مبررا - من وجهة نظره - لاحتواء الإسلام والقضاء عليه وتحطيم ذاتيته الثقافية؛ مما يؤكد أهمية قيام وسائل الإعلام والثقافة في العالم الإسلامي بتدعيم هذه الذاتية الثقافية ومقاومة أي تسلل فكري أجنبي يحاول اختراقها وتحطيمها.
وهذا هو الدور المأمول من القمر الصناعي الإسلامي الذي يتكامل مع وسائل الإعلام والثقافة في العالم الإسلامي لبلورة منهج شامل يجمع بين الإيمان الذي اختص به الأنبياء والرسل وبلغوه للناس وفي نفس الوقت يأخذ من الحضارة الغربية الآلات والوسائل العلمية.

وكان الدكتور نصر فريد واصل مفتى مصر السابق من أشد المتحمسين لمشروع القمر الصناعي الإسلامي، وأعد دراسة تفصيلية للمشروع وعرضها على جميع المؤسسات والهيئات الإسلامية لوضعها موضع التنفيذ ، حيث إنه كان يرى أن وحدة العالم الإسلامي لابد أن تبدأ من توحيد بدايات الشهور العربية في القطر الإسلامي كله حتى يبدأ المسلمون صيامهم لشهر رمضان في يوم واحد ويحتفلون بعيدهم سويا بدلا من الاختلافات التي تحدث وتزيد من فرقة المسلمين وتمزقهم، إلا أن مشروع الدكتور واصل لم ير النور حتى الآن.

إخلاص النوايا
الدكتور محيي الدين عبد الحليم، أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر، يرى ضرورة وجود مثل هذا القمر الصناعي الإسلامي، حتى ولو من باب الإعذار إلى الله، مشيرًا إلى أن هذا المشروع يحتاج بداية إلى إخلاص النوايا من مؤسسات الدعوة والفكر في العالم الإسلامي حتى ينفذ على أرض الواقع ويصبح حقيقة، كما أنه في حاجة إلى تخطيط ودراسة متأنية ووضع برامج يقوم بها أهل التخصص يتبعها تمويل.
ويقترح الدكتور محيي الدين عبد الحليم عدم تسمية القمر بالإسلامي حتى لا يثير حفيظة الغرب ضده، فمثلا يمكن أن نسميه قمر العلم أو الثقافة أو الفكر أو التنوير ونضع فيه من المضامين ما يخدم الدعوة الإسلامية؛ حيث أننا في معركة مع الغرب ويجب أن ندير هذه المعركة بذكاء وحنكة.
وعن مدى مشاركة السلطة في دول العالم الإسلامي في إدارة هذا القمر، يرى الدكتور محيي الدين أن السلطة من الممكن أن تشارك لكنها يجب ألا تهيمن، ويضرب مثلا بالحكومة الصهيونية التي تنشأ كيانات إعلامية ولا تسيطر عليها، لكن دورها يقتصر على إمدادها بالمعلومات والمال وفقط، والفرق بينهم وبين المسلمين أنهم يعملون جميعا من قلوبهم لخدمة الأيدلوجية الصهيونية، واستطاعوا في غضون سنوات قليلة أن يحققوا أهدافهم ويحسنوا من صورتهم التي كانت مشوهة طيلة القرنين الماضيين، بل وحولوا دفة التشويه إلى الإنسان العربي والمسلم، وما زلنا نحن الآن نحاول تغيير هذه الصورة المشوهة إلا أننا لم نفلح بعد.

محتوى الرسالة
ويقول الدكتور شعبان شمس، رئيس قسم الإعلام بجامعة الأزهر: إن الظروف الدولية حاليا لا تسمح بوجود قمر صناعي إسلامي لوجود حاجز نفسي لدى الآخر وهو الغرب الذي نريد أن نخاطبه، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وتحول المسلم في نظرهم إلى إرهابي.
ويتساءل الدكتور شعبان عما إذا كان كل قطر إسلامي لديه في قنواته الأرضية المحلية من البرامج الدينية التي تستطيع أن تربى جيلا وتؤهله من الداخل، وإذا كانت الإجابة بالنفي، وإذا كان البيت خرب من الداخل، فهل ستكون لدينا مصداقية لدى الآخرين الذين لديهم صورة ذهنية سيئة مسبقا عن الإسلام وأهله؟!!.
ويقترح الدكتور شعبان أن تكون هناك برامج دينية قوية على القنوات الفضائية الموجودة حاليا، والتي تنتمي إلى دول إسلامية مثل برنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة (القطرية)، أو برنامج (ونلقى الأحبة) على قناة اقرأ السعودية، أو بعض البرامج التي تقدمها قناة دريم (المصرية) وغيرها، مشيرًا إلى أن ذلك سيكون أفضل كثيرًا - من الناحية العملية- من أن يكون هناك قمر صناعي إسلامي لا نعلم من سيموله ومن سيتحكم في تسيير أموره وتوجيه سياسته الإعلامية في ظل خلافات شديدة يشهدها العالم الإسلامي على المستوى السياسي والمذهبي - السنة والشيعة- مؤكدًا أن المشكلة ليست في التكنولوجيا الخاصة بوجود القمر بقدر ما تتمثل في المحتوى الذي سنقوله للآخرين.

ضرورة عصرية
وفى دراسة للدكتورة ماجي الحلواني، الأستاذ بقسم الإذاعة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، تحت عنوان (القمر الصناعي الإسلامي.. تحدٍ حضاري وضرورة عصرية) تسوق عددًا من المبررات التي تجعل قيام القمر الصناعي الإسلامي ضرورة ملحة منها:
1. سوء توزيع وسائل الإعلام بين العالم الإسلامي والدول المتقدمة قائلة: إن العالم الإسلامي يقع ضمن مجموعة الدول النامية التي تضم ثلاثة أرباع سكان الأرض، وهذه الدول لا تملك سوى نصف مجموع الصحف وربع مجموع التوزيع علي مستوى العالم، وبالتالي فإن الصحافة في العالم الإسلامي لا تتناسب مع الحجم السكاني له.
ونفس المشكلة بالنسبة للإذاعة المسموعة، فنصيب العالم الثالث (بما في ذلك الدول الإسلامية) لا يتعدى 21 % من مجموع أجهزة الراديو في العالم، في حين يبلغ نصيب أمريكا الشمالية وحدها 48%.
أما بالنسبة للتليفزيون فإن المشكلة أشد وطأة، فنصيب العالم الثالث (بما في ذلك العالم الإسلامي) لا يزيد عن 16% من أجهزة استقبال التلفزيون في العالم، وفي مجال الإرسال التلفزيوني في العالم فإنها تشكل 28% من محطات الإرسال علي مستوى العالم.
وصحيح أن وسائل الإعلام في العالم الإسلامي تتزايد باستمرار من عام إلى آخر، إلا أن معدل هذه الزيادة يصحبه معدل تزايد في هذه الوسائل في الدول المتقدمة بحيث يظل الاختلال والتفاوت قائما بين الجانبين؛ فعندما يبث القمر الصناعي إرساله إلى الدول الإسلامية معني ذلك أنه سيتاح لشعوب هذه الدول مصدر إعلامي جديد وبالتالي يساهم في تضييق الفجوة الاتصالية القائمة، وقبل ذلك فهو يساهم في إعطاء الشعوب الإسلامية حقها في الإعلام والاتصال.
2. سوء توزيع مصادر الأنباء في النظام الإعلامي الدولي؛ حيث تؤكد الدراسة على أن الدول الإسلامية لا تمتلك مصادر الأنباء ذات الكفاءة التي تتمكن من خلالها وسائل إعلام هذه الدول من الحصول علي الأنباء الصحيحة، وإنما تعتمد على وكالا ت الأنباء الدولية الكبرى العملاقة التي تحتكر جميع الأنباء وتوزعها في مختلف دول العالم.
ووكالات الأنباء الدولية تعمل في إطار السياسات الخارجية ومصالح الدول التي تنتمي إليها ، وتقوم ضمن ما تقوم على موقف عدائي في بعض الأحيان ضد مصالح الدول الإسلامية، فوسائل إعلام الدول الإسلامية لا تقدم لشعوبها إلا ما تمليه عليها وكالات الأنباء الدولية.
ففي الوقت الذي يمتلك فيه العالم العربي وآسيا وأفريقيا 63 وكالة أنباء من ضمن 107 وكالة في العالم، إلا أن هناك خمس وكالات فقط هي التي تضطلع بدور دولي بالغ الاتساع وهى: وكالة الأنباء الفرنسية ووكالتي اسوشيتد برس ويونايتد برس الأمريكيتين ووكالة رويتر البريطانية ووكالة تاس الروسية.
وجميع هذه الوكالات تقدم خدمة منتظمة في العادة بالعربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والبرتغالية والروسية والأسبانية وغيرها، وبالتالي فإن وسائل إعلام الدول الإسلامية تعتمد على الوكالات في استقاء معظم أخبارها، في الوقت الذي أثبتت فيه الأبحاث العلمية تحيز هذه الوكالات ضد دول العالم الثالث عموما ـ بما في ذ لك العالم الإسلامي ـ وحرص هذه الوكالات على تكريس جهل الشعوب الإسلامية عن بعضها البعض.
3. المعالجة المشوهة لقضايا العالم الإسلامي: حيث توضح الدراسة أن وسائل الإعلام الأجنبية - خاصة الغربية منها - عندما تتناول قضايا العالم الإسلامي تركز على نوعيات معينة من الأخبار مثل أخبار الانقلابات والاضطرابات والأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وكل ما هو غير سوي في جوانب الحياة . كما أن هذه الوسائل تظهر قضايا الكفاح الإسلامي بمظهر الإرهاب ، فمحاولات مسلمي الفليبين لإقامة شعائرهم الدينية
هي في نظر وكالات الأنباء تمرد وانشقاق ، بينما مذابح إسرائيل في فلسطين مشروعة وقانونية.
4. تعدد الرسائل الإعلامية الدولية الموجهة إلى العالم الإسلامي؛ كونه محل الاهتمام الأول للقوى الكبرى والدول المتحالفة معها، وكل طرف يبذل جهودًا ومحاولات محمومة لتعزيز نفوذه في العالم الإسلامي.
وفي إطار هذه المحاولات والجهود تم توجيه العديد من الرسائل الإعلامية من الدول الكبرى إلى العالم الإسلامي، وذلك من خلال توجيه العديد من الخدمات الإذاعية إلى الشعوب الإسلامية.
ويكفي أن نعرف أن كلا من روسيا - الاتحاد السوفيتي سابقا- والولايات المتحدة يوجهان إذاعات تذيع ألفى ساعة في الأسبوع لكل منهما، وتبث روسيا إرسالها بـ 84 لغة والولايات المتحدة بـ 47 لغة، كما أن إذاعة دويتش فيلي الألمانية تذيع 804 ساعة أسبوعيا، وهذه الإذاعات تتوجه إلى مناطق متعددة في العالم، ويأتي العالم الإسلامي في مقدمتها.
5. تصدير المادة المستوردة إلى العالم الإسلامي: وحول هذا الموضوع تقول الدكتورة ماجي الحلواني: أن دراسة أجريت على الإذاعة والتليفزيون في 91 بلدا ناميا أوضحت أن نسبة البرامج التليفزيونية التي تستوردها هذه البلدان تتراوح ما بين 30 % و 75 % ، ويبلغ متوسط نسبة البرامج المستوردة قرابة 55 % من إجمالي البرامج الإذاعية.
وخطورة المادة الإعلامية المستوردة أنها تتضمن سلوكيات تنافي الإسلام، ففي دراسة علمية عن تحليل محتوى المادة الدراسية التي تعرض في تليفزيون إحدى الدول الإسلامية (مصر) تبين أن المسلسلات الأجنبية المعروضة تتضمن سلوكيات وأفكارا أبعد ما تكون عن الإسلام، وهو ما يظهر الحاجة إلى وجود قمر صناعي إسلامي لنشر الإسلام وترسيخه في النفوس، ويساهم في التربية والتوعية الإسلامية للشعوب الإسلامية، ويغني تليفزيونات الدول الإسلامية عن الوقوع في شرك المادة الإعلامية المستوردة بما تروجه من أفكار وسلوكيات سلبية.

كيانات تنظيمية
وفي مجال الأقمار الصناعية يوجد نظامان دوليان:
الإنتلسات: وهو نظام دولي للأقمار الصناعية بين الولايات المتحدة وأوربا الغربية.
الإنترسبوتنيك: وهو نظام دولي للأقمار الصناعية بين الولايات المتحدة وأوربا الشرقية.. ويتضح من ذلك غياب الفكرة الإسلامية عن الكيانات التنظيمية في مجال الإعلام الدولي، بل إن هذه الكيانات في معظمها إنما تمّت في إطار قوي معادية للإسلام.
وفي إطار العالم الإسلامي وجدت كيانات تنظيمية في الإعلام ، ليس على أسس إسلامية وإنما على أسس إقليمية ، نذكر منها اتحاد إذاعات الدول العربية، وشبكة التليفزيون العربية وجهاز تليفزيون الخليج، أما الكيانات التنظيمية الدولية التي قامت على أساس إسلامي فإنها تتسم بضعف إمكانياتها خاصة في إطار نظام إعلامي دولي يتسم بكونه غير متوازن تماما في التعامل مع الدول الإسلامية.
وتتمثل الكيانات التنظيمية الإسلامية الإعلامية على المستوى الدولي في منظمة إذاعات الدول الإسلامية والتي أنشأت بموجب قرار من المؤتمر السادس لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في جدة عام 1975، ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية التي بدأت في ممارسة عملها منذ عام 1979 بالتعاون مع راديو ستامبا في روما، وكلاهما من- الناحية العملية - في حكم الميت الذي ينتظر دفنه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن أن تكون تكنولوجيا الأقمار الصناعية أداة فعالة في خدمة الإسلام كدين عالمي؟
وتتحدد الإجابة علي هذا السؤال إذا ما علمنا أن التفكير في استخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية في الاتصالات نبع أساسا من الحاجة إلى الوصول لمساحات شاسعة من الكرة الأرضية في أقصر زمن ممكن، ففي عام 1945 طرح المهندس البريطاني آرثر كلارك فكرة مؤداها أن الوقت الذي يمكن أن يستغرقه دوران القمر الصناعي المثبت على بعد 35900 كم من سطح الأرض يعادل حوالي 24 ساعة، فإذا دار هذا القمر على مستوى خط الاستواء في نفس اتجاه دوران الكرة الأرضية فإنه سيظهر ثابتا في السماء.
ومن هذا الارتفاع يكفي وجود ثلاثة أقمار صناعية فوق سطح الأرض، ورغم من أن ما طرحه كلارك كان قبل أن يدور أول قمر صناعي للاتصالات حول الأرض بسنوات، إلا أن أفكاره كانت بمثابة الخطوط العريضة للاتصالات عبر الفضاء، فقد تحقق ما قاله كلارك، وتسببت الحرب الباردة وغيرها من الظروف والقضايا الدولية في انتشار الصواريخ العابرة للقارات التي ساعدت أيضا على الإسراع في استخدام الأقمار الصناعية في مجالات الاتصال.
ومع ظهور هذه الأقمار وتطورها تحققت بالفعل فكرة التغطية العالمية للكرة الأرضية بإرسال الأقمار الصناعية، فعلي سبيل المثال تجد أن لشبكة إنتلسات ” وهي ثلاثة أقمار من الجيل الثالث الذي أطلق أول قمر صناعي منه في سبتمبر عام 1968.. هذه الأقمار الثلاثة يوجد أحدها في منطقة المحيط الأطلنطي، والآخر في منطقة المحيط الهادي ، وهذه الأقمار الثلاثة تكفي لتغطية العالم فيما عدا المناطق القطبية.
ومن هنا تأتى الإجابة على السؤال السابق بنعم، فتكنولوجيا الاتصال بالأقمار الصناعية يمكن أن توصل الرسالة الإسلامية إلى مختلف أنحاء العالم بكفاءة عالية، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره من السلف الصالح حريصين على استخدام كل ما يتاح في عصرهم لنشر وتدعيم الدين الإسلامي عالميا تنفيذًا وامتثالا لأمر الله عز وجل، وما الرسائل والكتب والدعاة الذين أرسلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الدول والإمبراطوريات المجاورة لشبه الجزيرة العربية إلا أمثلة من الوسائل المتاحة آنذاك التي استخدمت لتحقيق عالمية الإسلام، وما الحروب والفتوحات الإسلامية إلا أمثلة من هذه الوسائل أيضا، وليس هناك شك في أنه لو أتيح للمسلمين الأوائل ما هو متاح اليوم من تكنولوجيا متقدمة لأحسنوا استخدامها في تحقيق عالمية الدعو





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق