الصورة حين ترفع أمة .. وتسقطها

ثقافة عامة

هيمنت أمريكا علي العالم بثقافة الصورة‏,‏ وهي اليوم تتلقى الهزائم المتكررة والساحقة بالسلاح نفسه‏,‏ فأمريكا التي كانت في جمال وشقاوة وفتنة صور فاتنات هوليود باتت في قسوة وبطش وحمق صورة المجندات في الجيش الغازي‏,‏ وهن يدخن السجائر بوحشية أمام الأجساد العارية للأسري العراقيين في سجن أبوغريب‏.‏

صورة أمريكا القبيحة الوقحة التي تنتهك الأعراض وتنهش بسوء العذاب أجساد السجناء العزل‏,‏ ورثت صورة أمريكا الصاخبة الناعمة المفعمة بالحرية والحيوية معا‏,‏ واستبدل البيت الأبيض وجنرالات الإدارة ما هو أدنى بالذي هو خير‏.

الصورة صنعت أمريكا والصورة هدمتها أيضا‏,‏ والمجتمع الذي هزم الاتحاد السوفيتي بالعلم والمعرفة والحرية والفن والثقافة والسينما‏,‏ يخسر اليوم معركته الاستراتيجية بالتعذيب والبطش وجنازير الدبابات وقصف المروحيات وأحذية العسكر‏.

كيف تحولت صورة أمريكا من السحر إلي القبح‏,‏ ومن الأسطورة إلي المستنقع؟ وهل يمكن لهذا المجتمع الكوني الذي يتشكل من موزاييك عرقي وديني ولغوي غير مسبوق في تاريخ البشرية أن يدرك في لحظة فاصلة أن العسكر يشوهون صورة بلادهم الجميلة‏,‏ وأن الجنود يسحقون تاريخ الأمة ويستبدلون انتصاراتها الحقيقية‏,‏ بانتصارات وهمية لا يجنون من ورائها سوى توابيت الموتى التي يلفها العلم وحصاد الغضب والكراهية ومخططات الثأر من شعوب الأرض؟!

ربما كان المسئولون عن شبكة تليفزيون ‏CBS‏ الأمريكية يستهدفون إحداث تلك الصدمة التاريخية للمجتمع الأمريكي ببث هذه الصورة القبيحة علي الهواء مباشرة لتدرك الأمة القوية‏,‏ أنها أمام لحظة فاصلة ومفرق طرق بالغ الخطورة بين المضي قدما نحو الانهيار أو العودة إلى ما كانت عليه الولايات المتحدة في زمن الصور الجميلة الفاتنة‏.‏

قصة صور المعذبين في سجن أبوغريب‏,‏ قد تشير إلي ميلاد حركة اجتماعية قوية في الولايات المتحدة‏,‏ تبتغي ترشيد هذا المارد الذي فقد صوابه تحت راية رئيس الحرب وجنرالات قصف المدن الآهلة بالسكان‏,‏ فشبكة سي بي إس حصلت على تلك الصور من جنود أمريكيين أو من عائلات هؤلاء الجنود‏,‏ وبررت الشبكة إقدام هؤلاء على كشف الصور بأن هناك ضمائر أمريكية تحرقت غيظا من أن يكون سلوك السفاحين هو الرسالة التي تحملها أمريكا إلي العالم‏,‏ فالبيانات الصادرة عن البنتاجون والبيت الأبيض كانت تصور ما يجري من مقاومة شعبية في العراق باعتباره عملا فرديا لأنصار نظام البعث البائد‏,‏ لكن هذه البيانات الإعلامية كانت تخدع الشعب الأمريكي لأنها لم تقل سوى جزء من الحقيقة‏,‏ لذلك بادر بعض الجنود وعائلاتهم التي حصلت علي تلك الصور أن تقدم صرخة عالية لتنبه إلي أن الحقيقة ليست على هذا النحو‏,‏ وأن الأداء العسكري الوحشي الذي تتبعه القوات الأمريكية في العراق يعد سببا أساسيا في إحباط الشعب العراقي الذي كان يحلم بالحرية لكنه انتقل من نظام بعثي ظالم‏,‏ إلي نظام أمريكي أكثر ظلما‏,‏ فالسجن باق‏,‏ والسلاح باق‏,‏ والبطش قائم بلا انقطاع‏.‏

الجنود وعائلاتهم حملوا الصورة إلي الشبكة الأمريكية سي بي إس‏,‏ واختاروها بعناية بالغة‏,‏ فقد كانت أمامهم اختيارات متعددة بين الشبكات الأمريكية‏,‏ لكن أداء CBS,‏ تميز باحترافية وموضوعية خلال الحرب على أفغانستان والعراق‏,‏ فالشبكة لم تسقط في فخ اليمين المتطرف كما جري في حالة”‏FOX‏” التي تهيمن عليها كوادر إعلامية معروفة بانحيازها السافر لإسرائيل وعنصريتها تجاه العالم العربي‏.‏
كما تفادي الجنود أن تكون الصورة في حوزة “‏CNN‏” التي صارت تعمل وتتحرك بصوت الإدارة الأمريكية‏,‏ وتعبر عن سياسات واشنطن ومصالحها حول العالم وحرصت خلال فترة الحرب علي أن تنقل صورة منقوصة عما يجري علي الجبهة‏.

أما شبكة‏ABC,‏ فلم تكن بعيدة أيضا عن هذه الروح المنحازة حتى إنها اختارت كوادر إعلامية محدودة الإمكانات والمواهب لتعمل في مكاتبها بالشرق الأوسط‏,‏ لتكون أدوات طبيعية في نقل صورة مجتزأة عما يدور في المنطقة‏,‏ وتقدم خطابا إعلاميا يرضي المشاهدين في البنتاجون ولا يرضي المشاهد الأمريكي .
لكن شبكة سي بي إس انتهجت سبيلا آخر شجع الذين حصلوا علي الصور أن يدفعوا بها إلي ساحة النقاش العالمي واستهدفوا بها تلك الصدمة الداخلية علي مستوي الأمة الأمريكية‏,‏ في نفس الوقت الذي فجروا بها صدمة عالمية على مستوى صورة أمريكا في أعين العالم‏,‏ بصفة خاصة شعوب الشرق الأوسط‏.

**خيانة لجنود أمريكا***
ومن وجهة نظر جناح الصقور في وزارة الدفاع الأمريكية‏,‏ فإن بث الصور كان يمثل خيانة للجنود الأمريكيين وطعنا في الشرف العسكري الأمريكي‏,‏ فهذا الخطاب هو الذي استخدمه رامسفيلد نفسه وهو يحاول إقناع المسئولين عن المحطة بالامتناع عن بث الصور‏,‏ كما تكررت اللغة نفسها في الشهادة التي أدلي بها رامسفيلد أمام لجنة الكونجرس التي حاكمته علنيا أمام أعين العالم مطلع الأسبوع الماضي‏.‏
فالبنتاجون أراد أن يخفي هذه الجريمة حتى لا يتعرض الجنود للخطر‏,‏ وبالتالي حاول فتح ثغرة لإدارة صراع جديد مع شبكة”‏CBS‏” إذ أن وزارة الدفاع الأمريكية ستحاول لصق تهمة تهديد حياة الجنود الأمريكيين لشبكة‏CBS,‏ والزعم بأن كل قتيل جديد هو ضحية بث الصور‏,‏ وليس ضحية الممارسات التي تجري في الظلام وراء الأسوار بعيدا عن أعين المصورين والكاميرات‏.‏

فهذه الصدمة فتحت شهية شبكة‏CBS‏ لأن تتصدر طلائع المدافعين عن صورة أمريكا البائدة‏,‏ رغم أن الشبكة هي التي سجلت عصر الصورة القبيحة التي صدمت ضمير البشرية فإن الفلسفة التي تحكم المسئولين عن الشبكة هي التغيير بالصدمة‏,‏ فنشر الصورة القبيحة يمكن أن يحرك الضمير الأمريكي إلي إدراك خطورة ما يجري‏,‏ وغباء السلوك السياسي ودبلوماسية الدبابات والصعق بالكهرباء التي تنتهجها الإدارة الحالية‏.‏

ويبدو أن‏CBS‏ بدأت في صياغة موقف متمايز تلهث وراءه اليوم محطات أمريكية أخري مثل‏NBC,‏ وكلتا المحطتين بدأت في توسيع دائرة الاهتمام بالشرق الأوسط‏,‏ وكسرت الأداء الروتيني للإعلام الأمريكي الذي كان ينتظر الإطلاع على ما يدور في المنطقة من الزوار العرب للبيت الأبيض‏,‏ فلم تكن المحطات الأمريكية خاصة المحلية منها تقدم صورة جديدة عما يجري في المنطقة إلا عند قيام زعيم عربي بزيارة مقر الرئيس الأمريكي‏,‏ أو عند وقوع انفجار أو عمل إرهابي في أي من عواصم المنطقة‏.‏

اليوم بدأت‏CBS‏ و‏NBC‏ وبعض القنوات الأخرى الخروج على هذا الأداء الباهت‏,‏ والممارسة الإعلامية المنقوصة‏,‏ بأن توسع تواصلها المباشر مع القطاعات الجماهيرية والمثقفين والنخب في المنطقة‏,‏ وكان لافتا أن اختارت‏CBS‏ أن تتابع اعتراف رامسفيلد في لجنة الكونجرس من خلال وجهة النظر العربية‏,‏ واختارت الشبكة أن تنتقل كاميراتها في القاهرة لتصور عائلات الطبقة الوسطى المصرية وهي تتابع شهادة وزير الدفاع الأمريكي‏,‏ إلى جانب انتقال الكاميرات بين المقاهي وباعة الصحف في وسط القاهرة لتقدم رؤية من الواقع عن صورة أمريكا في العالم العربي من خلال تلك الشهادات الحية من مصر‏.‏

قد يبدو التحول في الأداء الإعلامي الأمريكي بداية للخروج عن بيت الطاعة الذي فرضه البنتاجون ووزارة الأمن الداخلي علي المؤسسات الإعلامية الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ فالرئيس بوش ورجاله تعاملوا مع المسألة الأمريكية على طريقة لا أريكم إلا ما أرى، لكن ما يراه الشعب الأمريكي اليوم ربما يختلف كثيرا عما أراد بوش ورامسفيلد فرضه علي المواطنين في بلدهم‏.‏

**الصورة الصدمة***
الصورة الصدمة تلعب الدور الرئيسي هنا في هزيمة هذا الجناح‏,‏ وفي إجباره على مراجعة سياساته تجاه المنطقة‏,‏ وإذا كانت تلك المراجعة قد بدأت على مستوى الإعلام فإنها تتسلل أيضا إلى الساحة السياسية بقوة كبيرة‏,‏ فالأسئلة الساخنة التي انهالت علي رأس رامسفيلد‏,‏ ورجاله في الكونجرس كشفت أن عددا من النواب لا يرضون عن أداء الإدارة‏,‏ كما أن مطالب الديمقراطيين باستقالة وزير الدفاع تؤكد على سيطرة شعور عام بخطورة ما يجري علي الجنود الباقين في العراق وعلى الأهداف الأساسية العلنية علي الأقل التي انطلقت من أجلها هذه الحرب‏.‏

وحسب دوائر الحزب الديمقراطي ونواب الحزب في الكونجرس فإن الخطر يكمن هنا في جملة من العناصر‏:‏
‏. ‏ صور التعذيب أفقدت الوجود الأمريكي في العراق مبرراته الدعائية التي اعتمدت عليها الإدارة الأمريكية في شن الحرب‏.
. ‏ صور سجن أبوغريب تحولت إلى رمز الحرب الأخيرة‏,‏ ومحت صورة سقوط تمثال صدام حسين الذي كان شعار النهاية السعيدة للشعب العراقي‏,‏ فمحت هذه الصورة التاريخية واحتل مكانها صور التعذيب كدلالة على غياب العدالة والقيم عن جنود الاحتلال‏.‏
. ‏ الصورة الجديدة لأمريكا تضرب مصداقية التوجهات الجديدة نحو المنطقة وعلى رأسها مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تراهن عليه الإدارة الحالية في بناء علاقات مختلفة مع العالم العربي‏.‏
. ‏ بقاء رامسفيلد في السلطة يعني أن الإدارة لم تتخلص من المسئولين عن الجريمة‏.‏
. ‏ الوضع الراهن يفرض إجراء تعديل شامل علي خطط الولايات المتحدة العسكرية في العراق بحيث تتاح الفرصة لاستخدام الحلول السياسية أكثر من الحسم العسكري الذي أثبت عدم فعاليته في مواجهة الشعب العراقي والصدام مع المدنيين‏.

صدمة الصورة أحدثت تأثيراتها في الإعلام وفي الأوساط الحزبية والنيابية ومراكز الدراسات المرموقة في واشنطن‏,‏ كما أنها ألقت بظلالها على الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي نفسه‏,‏ وقد بدا ذلك في الحوار الذي أدلي لرئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام‏,‏ فبوش حاول التأكيد بأنه لم يكن يعرف بطبيعة ما جرى وحرص على الإشارة لوجود تحقيق داخل الجيش سابق على إذاعة الصور على الشبكات الأمريكية‏,‏ ثم سعى أيضا لأن يؤكد على شفافية الديمقراطية الأمريكية بالتأكيد على أن التعذيب كان يجري في العهد الديكتاتوري دون أن يعرف به أحد أو تجري بشأنه التحقيقات‏,‏ لكن الديمقراطية سمحت بنشر الصور وإجراء تحقيق عاجل وإنزال العقاب بالمذنبين‏.‏
**موقف بوش***
موقف الرئيس هنا وحرصه على أن يوجه خطابه للقراء العرب مباشرة يكشف عن حجم الارتباك والصدمة التي تعانيها الإدارة ويعانيها المجتمع بقواه الرئيسية من أحزاب وكونجرس ومنظمات المجتمع المدني‏,‏ لكن السؤال هو إلي أين تتجه تأثيرات هذه الصدمة؟ فهل يمكن أن تؤدي إلى حركة تحول حقيقية تدرك من خلالها أمريكا أن الحروب والإفراط في القوة لا تحقق الغايات الأساسية للشعب الأمريكي؟ وهل يمكن أن يصحو المجتمع على حقيقة الخطر الذي تمثله هذه الصورة في المستقبل ويسعى الأمريكيون إلي استعادة صورة الحلم الأسطوري للأمة القوية الحرة‏,‏ بدلا من شبح الموت وحضارة الاعتداءات الجنسية والصعق بالكهرباء؟‏
أم أن هذه ستكون بداية الانهيار والسقوط للإمبراطورية العظمى في العالم فتسقطها الصورة كما بنتها من قبل.
ــــــــــــــ
جريدة الأسبوع (بتصرف)





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق