عندما يتدنى الإعلام

ثقافة عامة

من جنين والمسجد الأقصى ورفح والفلوجة والنجف، وصور عدي وقصي وصدام وعرفات، إلى غوانتانامو وأبو غريب، ومقالات كتاب أعمدة الصهيونية والأصولية المتطرفة في الولايات المتحدة، ونشرات الأخبار في قناة ((فوكس))، إلى أسلوب تعامل ممثلي الحكومة الأمريكية أو وفود الكونغرس مع ممثلي الدول العربية والإسلامية الحليف منها والمتردد، يمتد خط ((الإذلال وفرض المهانة)) لن يتسع المجال هنا لأمثلة بالتحديد، وهي كثيرة ومتعددة، من شأنها جميعاً أن تثير لدى الإنسان في هذه المنطقة العربية - الإسلامية الإحساس بفقدان الكرامة وبالذل والعجز.

إلا أننا وللإنصاف يجب أن نقدر حقيقة تبدو جانبية لكنها وثيقة الصلة بموضوع الإذلال، فأسلوب الإذلال لم يلجأ إليه الإعلام الأمريكي بمناسبة المواجهة مع الإرهاب والمسلمين، وإنما انتشر بداية تحت مسمى ((البرامج الواقعية))، وهي برامج هزلية خفيفة، بالغة البساطة والسذاجة، ولكن معظمها يعتمد فكرة إبراز شخصيات ضعيفة أو عاجزة، ويتعمد خلق المواقف والحوارات التي تؤكد ضعفهم وغباءهم، ولا غرض إلا إذلالهم أمام المشاهدين، وفرض المهانة عليهم ومن البرامج التي اشتهرت برنامج (الكاميرا الخفية أو الصريحة)، لأنه أحد البرامج الأشد سخرية من غباء الناس، وبرنامج (البقاء) ربما لأنه الأشد إذلالاً، والذي يموله الملياردير الأمريكي دونالد ترامب، وقد انتقل هذا الأسلوب المتدني من أساليب المهنة الصحافية المعاصرة إلى بعض المحطات التلفزيونية العربية، وأصبحت فكرة التسلي بشخصيات ضعيفة والتشفي في غبائها أو بساطتها وسيلة لقضاء الوقت لنسبة متعاظمة من المشاهدين العرب.

كنا عبر سنوات نقرأ لمحللين أمريكيين مقالات تقطر حقداً، وفي صدارة هؤلاء الكاتب الصهيوني المشهور “وليام سافاير” في صحيفة (نيوريورك تايمز) لكنه وللحق لم يثر ـ حسب ما أعلم ـ لدى قرائه من العرب والمسلمين الشعور بالإذلال والمهانة، رغم عمق كراهيته لهم وهو لا يخفيها.. نقرأ الآن لبعض المعلقين مقالات لا هدف منها إلا الإذلال للشعوب العربية وتسريب اليأس إلى قياداتها السياسية ومثقفيها، ويبلغ هذا الأسلوب مداه في البث المرئي وبخاصة عبر القنوات التلفزيونية القومية والفضائية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بعض القنوات الأوروبية.

** ذو الوجهين ***
يحدث هذا في وقت تبشر فيه الولايات المتحدة بما يعتبره الرئيس بوش الأجمل أو الأنصع بياضاً في الوجه الآخر لأمريكا وهو نشر الديموقراطية والمبادئ السامية والحقوق الإنسانية، بينما بعض جنودها يمارس تعذيب المعتقلين وهدم المنازل على سكانها واستخدام الطائرات ضد المقاتلين وفي ذات الوقت المدنيين والعزل من النساء والشيوخ والأطفال، ويغتصب النساء أو يأمر العراقيين باغتصاب بعضهم بعضا، ويقرر الأمريكيون في العراق تقييد حرية التعبير وإيقاف نشاط قناة تلفزيونية عربية كانت رغم اختياراتها المعلنة أقل تحيزاً من جميع القنوات الأمريكية التي تغطي أخبار الشرق الأوسط..كان الهدف، ومازال، أن يحتكر الإعلام الأمريكي الصورة والخبر والرأي، وكثير منها قائم على فكرة الإذلال وهدفه القضاء تماماً على روح التحدي عند كافة شعوب المنطقة.

يحدث هذا في وقت يشهد تقليصاً في حرية التعبير في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي وانسحابات لقنوات فضائية عربية من ساحة الإعلام العربي، وضعفاً أو ابتذالاً في مضمون بعض برامج الرأي السياسي في الفضائيات العربية وربما تراجعا في عددها.
كما يحدث هذا في ظل حملة تهدف إلى تخفيض اهتمام المشاهد العربي بالقضايا الأساسية كالعراق وفلسطين وأفغانستان وبسياسة إعلامية تعكس رغبة أعلنتها عواصم عربية كثيرة في الانعزال عن العرب (الفاشلين المنهزمين) والانضمام إلى الآخر المنتصر، وتتبنى هذه الحملة من دون إعلان أو تصريح السياسات الأمريكية ومعها أسلوب فرض المهانة على الشعوب العربية والإسلامية.

**أزمة أخلاقيات***
ويستحق الجدل الدائر في أمريكا حول أزمة أخلاقيات الإعلام الأمريكي الاهتمام؛ لأنه جدل إن طال أو قصر مداه سينتقل إلينا بشكل أو بآخر، إن عاجلا أو آجلا .
السؤال الملح يتعلق بمستقبل حرية التعبير في ظل القوانين الاستثنائية المتعاقبة التي تصدر في الولايات المتحدة برضا الحزبين . وللسؤال خلفيات ومراحل تسبق 11/9 والقوانين الاستثنائية .فقد تضخمت الإمبراطوريات الإعلامية التي تواصل الاستيلاء على شركات أصغر حتى صارت السلطة الإعلامية الهائلة تتركز في أيدي سبع أو ثمان إمبراطوريات ضخمة، وضاعف من القلق في الولايات المتحدة ازدياد العلاقات توثقا بين السلطة السياسية والسلطة الإعلامية بينما المفترض أن تكون السلطة الإعلامية في موقع الرقابة والمحاسبة على السلطة السياسية وليست حليفا لها ..

وتؤكد المعلومات أن السلطة الإعلامية قدمت تنازلات، بالنسبة لحقوقها في الرقابة والمحاسبة مقابل الحصول على امتيازات احتكارية ثم إن هذه الإمبراطوريات الإعلامية أصبحت أكثر التزاما تجاه الكيانات المالية والصناعية التي تقوم بتمويلها أو تتبادل معها الاعتماد لمواجهة أي تطورات أيديولجية في الشارع الأمريكي قد تقف أمام النفوذ المستحق لكل منها، لكن المؤكد أن هذه التغيرات في العلاقة بين السلطتين السياسية والإعلامية أساءت إلى مبدأ حرية الإعلام واستقلاليته وأضرت بأخلاقيات المهنة.
**عصر ما بعد الحداثة ***
ويفاجأ الدارسون لظاهرة انحدار أخلاقيات المهنة في الإعلام الأمريكي بمن يربط بين هذا الانحدار وعصر ما بعد الحداثة، فمن شروط (إعلام ما بعد الحداثة) -كما يقال - أن يكون الإعلامي ذاتياً إلى أقصى حدود الذاتية وغير موضوعي بالمرة في تحليله للأحداث أو في نقل الأخبار، كثيرون في الميديا الأمريكية يقتنعون الآن بهذه النظرية وينتقدون ـ بسخرية شديدة ـ المطالبين باحترام الموضوعية وتقديم الرأي غير التحيز في الكتاب والتغطية الصحافية، ويبدو أن عدد من الصحفيين تجاوز المدى في التزامه بقواعد ما بعد الحداثة فنزل بأخلاقياته إلى الحضيض، وهو الأمر الذي دفع صحيفة (نيويورك تايمز) إلى إجراء تحقيق غير مسبوق انتهى بعزل عدد من المحررين، واضطرت (واشنطن بوست) إلى الاعتذار لقرائها عن تغطيتها غير المتوازنة أو الأمينة لدوافع الحرب ضد العراق، وهو الوضع الذي دفع كثيرين من الإعلاميين إلى تشكيل جمعيات تحرض الرأي العام الأمريكي ضد مبالغات قناة (فوكس) المملوكة لإمبراطورية “روبرت ميردوخ” اليهودي، وخصوصاً في التحيز وتزييف الحقائق.. ولا تزال الشكوى متدرجة، وإن كانت قوية ومتصاعدة، من هيمنة الصهيونية على الإعلام الأمريكي بل على مجمل عملية صنع السياسات في واشنطن. وتكاثرت في الشهور الأخيرة أصابع تتهم جماعة بعينها في قمة الحكم بالمسؤولية عن الكراهية المتفاقمة لأمريكا في الخارج ولعمليات الانتقام والغضب في الشرق الأوسط.

**القوانين الجديدة والبقرات الثلاث***
وبعد 11/9 احتمت السلطتان التنفيذية والإعلامية بترسانة القوانين الجديدة لزيادة نفوذهما.. يتحدث الأمريكيون الآن عن البقرات الثلاث المقدسة التي لا يجوز مسها بالنقد أو التشكيك أو الرأي المخالف ، وهي الوطن بمحتوى أقرب إلى الشوفينية الفاشية، والدين بمحتوى هجومي وصدامي وأقرب إلى التعصب والعنصرية، والإعلام ذاته بمحتوى الرأي الواحد المدافع عن الإمبراطورية والباحث بشغف عن أيديولوجية جديدة بعد أن حرم من أيديولوجية العداء للشيوعية التي اعتنقها على امتداد نصف قرن.

الأمر الثالث الذي يحتل مكانة متقدمة في الجدل الدائر حول أزمة الإعلام الأمريكي هو الاعتقاد المتزايد أن التلفزيون جعل المواطن أقل سعادة لأنه استولى على معظم وقت فراغ هذا المشاهد، وجعله أقل معرفة، فالناس أصبحت تشاهد أكثر مما تسمع، نكتشف الآن أن ما يصل إلينا من معلومات تبدو وفيرة عن قضية بعينها، إنما يأتي على حساب معلومات تعوزنا عن قضايا أخرى متصلة أكثر بحياتنا ومستقبلنا، تتضاءل معارفنا عن العراق وفلسطين والسودان رغم فيض لا ينقطع من الصور، صور عن معابد ومساجد ودور علم تنتهك، وصور اغتصاب وتعذيب، وتقارير دولية محبطة ومقالات وأخبار تفتك بكل أمل.

في ظل هذا الطوفان من الحملات الإعلامية والممارسات السياسية المثيرة للإذلال والمهانة، أي سلوك نتوقع من الفرد العربي المسلم؟ يوجد في قيادة أمريكا كما في قيادة إسرائيل من يعتقد أن سلوك الفرد في العالمين العربي والإسلامي لن يختلف، تحت ضربات الإذلال، عن السلوك الإنكساري لحكوماته المنكسرة، صحيح أن انكسارات متلاحقة أفرزت حكومات أو سياسات عربية طيعة، ولكن صحيح أيضا أن تراكم الإنكسارات أفرز تنظيمات وأفكاراً وأفراداً بعضها متمرد وأكثرها مدمر.
ـــــــــــــــــ
الحياة : جميل مطر





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق