إعلامنا العربي في واقعه.. ومواصفات مرتجاة

ثقافة عامة

يتردد سؤال جدير بالتدبر: أيهما أكثر ضررًا وخطورة على الأمة العربية، الإعلام العربي أم الإعلام الأمريكي الموجه إليها؟!

قبل الإجابة يجدر طرح سؤال آخر: هل لدى العالم العربي إعلام من الأساس؟!... ولشرح مسوغات السؤال الجديد، سأسمح لنفسي بسرد ثلاث قصص:

سألت أحد أساتذة الإعلام: لماذا يصدر قسمكم صحيفة جامعية أقرب إلى نشرة العلاقات العامة منها إلى صحيفة يفترض أنها تهيئ صحافيين أشداء؟، فأوضح أنهم حين أرادوا فعل ذلك قبل سنوات، أصدر مدير الجامعة قرارًا بتأخير صرف مكافآت طلاب قسم الإعلام ثلاثة أشهر لأن أحد الطلاب رسم كاريكاتيرًا في صحيفة الجامعة انتقد فيه سوء التنظيم في صرف المكافآت الجامعية الشهرية!

الثانية: ما خطه أحد رؤساء التحرير قبل ثلاث سنوات، من أن الحديث عن (الشفافية) و(الانفتاح) مرفوض، والسبب من وجهة نظره، أن في ذلك إشارة إلى أننا كنا في خطأ، ودليلاً إلى أننا انهزمنا حضاريًا، وكل ذلك لا صحة له!

أما القصة الأخيرة، فتتلخص في نصائح البعض لبعض آخر من الصحافيين المحليين، مفادها أن نشر النقد في الصحف يحرج البلد أمام العالم!

لا يسعك الخروج من هذه القصص، سوى بغصة تمزق إعلامنا بين تدجين اجتماعي مسلح بثقافة تعادي الحرية وتجرم حق المعرفة بحجة (السكوت من الذهب) وثواب (الستر) في الدنيا والآخرة، ومن جهة أخرى الأدلجة السياسية التي دفعت إحدى الصحف إلى نشر تعميم خاص على كتابها بوضع شروط نشر المقالات، من ضمنه: تبني سياسات الحكومة المستقبلية.

قبل أشهر قليلة تكرم مجلس الشورى في إحدى البلاد العربية مشكورًا بإطلاق توصيتين لتطوير الحقل الإعلامي، تتحدث الأولى عن ضرورة تنمية حرية التعبير في وسائل الإعلام، وتشير الثانية إلى ضرورة تطوير الإعلام الخارجي لتحسين الصورة في الخارج بناء على الحقائق.

ولعل شريحة كبرى من المتلقين، تفاعلت مع هاتين التوصيتين تفاعلاً إيجابيًا، على رغم بعض الدلالات الضمنية بأن الإعلام يراعي الوصاية.

بدت التوصية الأولى، مثيرة للدهشة، في ظل حال إعلامية، لا تؤكد قيم (المهنة) ولا تعير اعتبارًا لمعايير السوق التي تضمن لها البقاء، وبعضٌ لا يستهان به من أبناء المجتمع وأبناء الحقل الإعلامي يمارسون مفاهيم مقلوبة عن الإعلام، بحجة أداء رسالة وهمية، لا يعرف فحواها سوى جيل من الموظفين التقليديين يجيدون التوقيع على كشوفات الحضور والغياب بدلاً من إتقان كتابة الخبر ووعي الفلسفة المهنية لنشره.

التوصية الثانية التي تحدثت عن تحسين الصورة الخارجية ليست من مهمات الإعلام بل تخلطه بالدور الثقافي، وجاءت كأنها مطالبة بتعقيد أزماتنا ونحن الذين نأبى ذلك على أنفسنا، أم أننا نسينا “أن كل إناء بما فيه ينضح!!”.

كما أن هذه التوصية مثل سابقتها حتى وإن تحققت واقعًا لن تحمل أي تأثير عملي، فالآخر الغربي مسحنا بوفود صحافية وبحثية منذ أحداث أيلول (سبتمبر) 2001م، وحتى غد قد يقصر أو يطول، وأصبح يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، كما أن ذلك الآخر يدرك تمامًا أن خطابنا الإعلامي انبثق عن ثقافة عامة في العالم العربي أفقدته الصدقية لدى شعوبه، فكيف نبحث عن تأثير له في الخارج؟!

من أجل ذلك هب الإعلام الأمريكي على العالم العربي وفي يمناه جزرة، أو زاوية أخرى من حقيقة قلما لمحها المتلقي العربي، وفي يسراه عصا يلوح بها في وجه وسائل الإعلام العربي، إما أن تعيش في هذا العالم وتتناغم مع ثقافته، وإلا فمرحبًا بها خارج التاريخ، وهي التي تعيش اليوم في الدرك الأسفل منه.

وفي مقارنة بسيطة بين الإعلام الأمريكي أو الإعلام العربي الموالي له، وبين أي قناة عربية حكومية تأبى نشر خبر عن غير ماكينة الأخبار الرسمية، أي مغلقة الباب أمام أي اجتهاد أو قراءة أخرى للحدث، في الوقت الذي تفتحه أمام دعاة الغزو الفكري بدعوى أنه يكفل أو على الأقل يدعو إلى الحرية واحترام الآخر والتعددية.

ولعل أشد ما يثير القشعريرة في إعلامنا العربي المزعوم بحث ذريعة (ما يطلبه المشاهدون) تارة أو (أداء الرسالة) تارة أخرى. وصيده في الماء العكر بترويج ثقافة العنف والإقصاء واحتقار المرأة، وسباحته في برك الدم بالتلذذ ببث أفلام تقطع فيها الرؤوس، ونشر صور الأشلاء، وكأن ليس للموتى حرمة ولا للمجتمع الذي يخاطبونه مشاعر!

قلت لأحد الأصدقاء: هل يعقل أن تتهافت المنابر الإعلامية والدعوية لاستضافة أحد المسؤولين الذي تطاول على إحدى السيدات وأبكاها نصرة لآرائه المتشددة، فرد عليَّ: وهل يعقل أن يتهافت الإعلام العربي على محمد سعيد الصحاف وزير إعلام العراق (البائد) وهو الذي ثبت كذبه على العالم بأسره إبان حرب تحرير العراق؟!

لعلي أتخيل أن أحدًا يسأل: هل من مزيد؟! نعم هناك مزيد إذا لم ينبلج وعي مجتمعي تنظيرًا وممارسة إزاء الإعلام ووسائله، تضعه في مرتبة تليق به كسلطة رابعة، استقلالها مكفول وحريتها منظمة وحيادها مقدس لا تفريط فيه، ولا ضابط فيه إلا احترام أخلاقيات المهنة، ولا رادع لتجاوزاته إلا القانون المعلن والواضح الذي يطبق على الجميع، ولا داعم له سوى مؤشرات السوق.

كيف يتحقق ذلك؟

يقول أحد الزملاء: لابد من ميثاق شرف إعلامي، ولابد من إتاحة الفرصة لجيل الشباب ... وسأسمح لنفسي أن أضيف قبل كل ذلك، تحرير المواطن العربي هو أحد عناصرها بالطبع، فمتى يحصل ذلك...؟ فلنبحث عن إجابة لـ”متى”؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحياة:





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق