الإعلام الغربي وموضوع الإرهاب

ثقافة عامة

نادرًا ما يمكن التمييز الواضح بين مصطلحي “الحرب” و”الإرهاب”، فالإرهاب، من أرهب أو أخاف، والحرب من حارب أو قاتل، يستعملان العنف ضد العدو، وقد يدّعي البعض أن للحرب قواعد متعارفًا عليها من حيث إنها تتجنب إيذاء المدنيين، إلا أن حروب القرن العشرين قد خالفت كل هذه القواعد من حيث اتباعها مبدأ “الحرب الشاملة” (Total War)، فرأينا الدول الغربية في الحرب العالمية الثانية تقصف أهدافًا مدنية لإضعاف معنويات العدو وتعجيل استسلامه من خلال عمليات أسمتها “القصف الاستراتيجي”، كما حدث في ألمانيا بتدمير مدن تدميرًا شبه كامل مثل درزدن وبرلين، وفي اليابان بإلقاء قنابل ذرية أمريكية على هيروشيما وناكازاكي. ويدّعي ميخائيل والزر ـ واضع نظرية “الحرب العادلة” ـ أن اتباع مبدأ الحرب الشاملة هذه أنتج “عهد الإرهاب”.

مصطلح الإرهاب لا يمكن أن يكون حياديًا، هنالك توافق على أنه عمل مخزٍ وغير شرعي لأنه يتعرض للمدنيين الأبرياء. غير أنه لا يوجد توافق على تعريف ما هو فعل “الإرهاب”، وبالتالي على إعطاء هذا الفعل تقييمًا اجتماعيًا أو أخلاقيًا، ومن المستبعد حصول مثل هذا التوافق، إذ إنه من الصعب تحديد من هو “المدني البريء”. هل يمكن أن تقنع عربيًا بأن الصهيوني المدني الذي أتى من أقصي الدنيا واحتل منزل فلسطيني هو مدني بريء؟ وهل بإمكانك إقناع الفرنسي أو الأمريكي بأن المقاومة الفرنسية والأمريكية للمحتل الألماني أو البريطاني هي عمل إرهابي؟ الإرهاب عند شخص ما هو “فدائي” أو “مقاتل من أجل الحرية” عند آخر. تعبير “الإرهاب” يعني ضمنًا اللاشرعية، بينما تعبير “المقاتل من أجل الحرية” أو “المقاومة” يتضمن معنى الاستحسان والشرعية.

يقول الناقد الأمريكي “مايكل بارينتي” في كتابه “اختراع أو فبركة الحقيقة”: “إن تحديد من هو إرهابي ومن ليس إرهابيًا أمر تقرره سياسة وسيلة الإعلام التي تصفه. فحرب العصابات الشعبية تصفها وسائل الإعلام الغربية عادة بالإرهابية، بينما يوصف المرتزقة في أنغولا ونيكاراغوا وموزمبيق ممن توظفهم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بالثوار. وهذه الوسائل تنعت عمل الدول اليسارية التي تدافع عن نفسها في وجه هؤلاء “الثوار” “بإرهاب الدولة”، ولا تستعمل هذا النعت لما تقوم به الولايات المتحدة من كبت للحركات التحررية الشعبية في العديد من الدول”.

قبل أن يكون هنالك إرهاب، كان هنالك فقدان للعدالة واحتلال ومصادرة حقوق الأبرياء... وعلى وسائل الإعلام ألا تتبنى وجهة نظر دولة بعينها لمعنى الإرهاب وتوصيفها له على حسب نظرتها هي دون تقييم صحيح للواقع وتوصيف دقيق للمصطلح. إن هذا القبول يستحث، كما يقيد ويجبر، هذه الوسيلة على تبنّي تقييم جماعة أو دولة لأفعال عنف على أنها أعمال إرهاب، بينما قد تقيّمها جماعة أو دولة أخرى على أنها أعمال تحرير أو مقاومة احتلال.

قيل للجمهور إن الإرهاب “شر”، وأن مرتكبيه هم أشرار، وهذا صحيح، غير أن التعريف الأمريكي للإرهاب ينتهي هنا ويبقى معلقًا وخاليًا من أي بعد تاريخي ومن غير تعريف لفعل الإرهاب. وقد أدت التعبئة الأمريكية في وسائل الإعلام إلى طغيان رؤية الحرب على الإرهاب كما يراه المحافظون الجدد الذين يسيطرون على الإدارة الأمريكية. وكذلك طغى الطابع أو الصورة الدينية (الإسلامية)، والعربية بالتحديد، على وصف الإدارة الأمريكية وأبواقها من وسائل إعلامية وكتَّاب رأي للحرب على الإرهاب.

وانعكس هذا الوصف كذلك على الصور النمطية والتعليقات التي تقدمها وسائل الإعلام الأمريكية، مما أدى إلى ربط الإرهاب بالمسلمين والعرب، وتعزيز روح وطنية شعبوية باتت تميل إلى العنصرية لا إلى التمسك بقيم ديمقراطية.

مقتطفات من الإعلام
في كتيِّب بعنوان “لماذا يهدد الإسلام أمريكا والغرب”؟ يقول اثنان من قادة المحافظين في أمريكا، هما: بول ويريش ووليام لند: “بكل بساطة، الإسلام دين حرب.. يجب أن نشجع المسلمين الأمريكيين على المغادرة، إنهم طابور خامس في هذا البلد”.

والمعلقة الصحفية المعروفة آن كولتير قالت في إحدى مقالاتها: “يجب أن نغزو بلادهم، نقتل قادتهم ونحوّلهم إلى المسيحية”.

أما القس فرانكلن غراهام، ابن القس بيللي غراهام – أحد أشهر الإنجيليين في أمريكا – فإنه يصف الإسلام في إحدى عظاته بأنه “دين كثير الشر والخبث”.

والمبشِّر الأصولي جيري فالويل قال في برنامج “60 دقيقة”، الذي تبثه محطة (CBS): “إن النبي محمدًا إرهابي”. والقس المتطرف بات روبرتسون ـ الذي يملك أكبر شبكة فضائية دينية ـ وصف الإسلام في إحدى مقابلاته التلفزيونية بأنه “خدعة كبيرة”، وأن النبي محمدًا “كان مجرد متطرف. لقد كان سارقًا وقاطع طرق”.. هكذا. وتقول آن: “هؤلاء لا يحرفون الإسلام! إنهم يطبقون ما في الإسلام”.

الخطر في الأمر أن الإدارة الرسمية الأمريكية أصبحت تعرّف المنطقة العربية والإسلامية بأنها الموقع الرئيسي للعدو في حربها على الإرهاب. الإدارة الأمريكية وأبواقها تبنت تعريف إسرائيل للصراع في فلسطين بأنه “إرهاب” وليس مقاومة مشروعة للمحتل، بل إنهم اعتبروا ما يقوم به المحتل الإسرائيلي جزءًا من حرب أمريكا العالمية على الإرهاب. ووصفوا التدمير الإسرائيلي للمدن والمخيمات الفلسطينية بأنه شكل من أشكال الدفاع عن النفس.

ما يدعو للأسف هو أن الصور التي ترسمها وسائل الإعلام الغربية والأمريكية لـ”العنف” و”الإسلامي” و”العربي” تتأثر بالمعاني الثقافية السائدة لتعابير “العرب” و”الإسلام” و”العنف”.

أحد معلقي نيويورك تايمز، نيكولا كريستوف، أبدى تخوفه من مثل هذه التصريحات ويقول: “بكل بساطة إن إطلاق الصوت العالي بأن الإسلام في جوهره دين عنيف لن يساعد على تفهم هذا الدين، بل إنه يطلق عقال التفكير العنصري والريبة بالأجانب وتاريخ أمريكا القريب يشهد فصولاً محزنة نتجت من مثل هذا التفكير”.

من يتفحص تغطية الأحداث في وسائل الإعلام الغربية في الوقت الحاضر يدرك مدى تقصير هذه الوسائل في القيام بوظيفتها في تقديم المعلومات بصورة صحيحة وغير متحيزة. ويمكن للمرء أن يرى بسهولة كيف أنه في كثير من الأحيان يتناقض عرض وقائع الحدث نفسه في صحافة الدول الغربية مع عرضه في صحافة دول العالم الثالث.

افترضت أجهزة الإعلام الأمريكية التي تضم ـ بالإضافة إلى وسائل الإعلام الخاصة ـ مسؤولين وهيئات متخصصة في الإدارة الأمريكية، أن الثقافة الأمريكية هي ثقافة عالمية، وأن الجميع يطمح إلى أن يصبح مثل الأمريكيين. فبدأت الحملات تشن على الصحفيين الذين يعتمدون تغطية موضوعية ومتوازنة لما أسموه “الحرب على الإرهاب”.

فجأة انقلبت المفاهيم، فأصبح الصحفي الذي يرفض التحيز في تقاريره ويتمسك بالموضوعية خائنًا لا يحب وطنه، في رأي المسؤولين وقادة الرأي في أمريكا.

وبدأت المطالبة بتقييم الأحداث في التقارير الصحفية من خلال ما أسموه “المصلحة الوطنية”. وهذا الموقف ليس غريبًا، ففي العام 1970م أعلمت الحكومة البريطانية للمؤسسة (BBC) أنها لا تستطيع أن تأخذ موقفًا حياديًا في صراعها مع الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA)، وأن الآراء التي تذيعها يجب ألا تتعارض مع قيم أهداف المجتمع الذي تخدم.

النقد الأول والأساسي لطغيان الخطاب الأمريكي أنه يضع أمريكا في تناقض أخلاقي اقتصادي وسياسي مع العالم، خاصة مع العالم الثالث. والنقد الثاني هو استسلام وسائل الإعلام لتحكم المسؤولين والقبول بتقييمهم للأحداث، خاصة تلك التي تتعرض للحرب أو الإرهاب.

بين التحرر والسيطرة
إن مهنة الإعلام تتطلب أن يواجه سعي المسؤولين للتحكم بالأخبار بسعي من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية للتحرر من هذه السيطرة في إطار جهود الصحفي الهادفة إلى تقديم أخبار ذات مغزى تؤمن حسن سير المجتمع الديمقراطي. غير أن وسائل الإعلام الغربية، وخاصة الأمريكية منها، قد استسلمت إلى ما تقدمه لها الإدارة الأمريكية من تفسيرات للأحداث، ربما بداعي حماسة قومية أو انجرار وراء تيار رأي عام عاطفي.

تقول الصحفية اللبنانية التي غطت أحداث الحرب على أفغانستان “ديانا مقلد”، إن إحدى الصحفيات الإيطاليات أسرّت إليها أن إدارة التحرير في مؤسستها في روما طلبت منها الإقلال من التقارير التي تتحدث عن اللاجئين الأفغان ومعاناتهم والتركيز على حركة “طالبان” و”القاعدة”. التبرير الذي قدمته إدارة المؤسسة الإيطالية هو أن إيطاليا تدعم الأمريكيين في تلك المرحلة، ومن هنا يجب عدم تأليب الرأي العام ضد واشنطن.

وتصف هذه الصحفية اللبنانية كيف أن مقتل المئات من أسرى “طالبان” و”القاعدة” في ما سمي انتفاضة غانجي، لم يثر الكثير من الاهتمام لدى وسائل الإعلام الأمريكية. وتذكر صور الجثث الملقاة في ساحات المعركة، وكيف جالت على هؤلاء الأسرى كاميرات الصحافيين في شكل استفزازي.

لقد كشفت أحداث 11أيلول/سبتمبر عن مدى هيمنة القوى الحكومية الأمريكية الفاعلة على وسائل الإعلام وتمكنها من فرض نظام جديد لعمل هذه الوسائل، بعيدًا عن العدالة والدقة. وهنا بعض الأمثلة:

ذكرت واشنطن بوست أن رئيس (CNN)، والتر ازاكسون، طلب من مراسلي مؤسسته أن يذكروا جمهورهم بالأمريكيين الذين قتلوا في أحداث 11 أيلول/سبتمبر كلما تكلموا عن الإصابات المدنية في أفغانستان، وقال لهم ما نصه: “إنه من الحماقة أن نركز كثيرًا على إصابات الأفغانيين وظروفهم الصعبة”.

وقد فسر إريك ديغنز من صحيفة سانت بيتر سبرغ تايمز طلب وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول في تشرين الأول/أكتوبر 2001م ، من المسؤولين في دولة قطر أن يمارسوا ضغوطًا على هيئة أخبار “فضائية الجزيرة”، فيبعد عنها من أسماهم بالعناصر المعادية لأمريكا؟ على أنه “عمل يدعو إلى السخرية، لأنه يأتي من مسؤول في بلد لديه صحافة حرة”.

االشجاع والكلب الشرس
وقد لخص وضع وسائل الإعلام الأمريكية في تعاملها مع الإرهاب مثل ضربه أحدهم هذا نصه:
هاجم كلب شرس طفلاً في حديقة بمدينة نيويورك.
رأى أحد المارة ما حدث فهرع للمساعدة وانقض على الكلب الشرس وقتله.
صحافي في إحدى الصحف المحلية بمدينة نيويورك شاهد ما حصل وأخذ بعض الصور للحادثة ليضعها في الصفحة الأولى من الجريدة التي يعمل لها.
اقترب الصحافي من الرجل وقال له: شجاعتك البطولية سوف تنشر في عدد يوم غد تحت عنوان: “شجاع من نيويورك ينقذ ولدًا”. أجابه الرجل الشجاع أنه ليس من نيويورك. فقال الصحافي: في هذه الحالة سوف نضع العنوان: “شجاع أمريكي أنقذ ولدًا من كلب شرس”. أجاب الرجل الشجاع: “أنا لست أمريكيًا أيضًا، أنا من باكستان”.
في اليوم التالي صدرت الصحيفة وكان عنوان الخبر في الصفحة الأولى: “مسلم متطرف ينقض على كلب في حديقة في نيويورك ويودي بحياته. مكتب التحقيق الاتحادي (FBI) بدأ التحقيق بإمكانية وجود علاقة بين هذا الرجل ومنظمة “القاعدة” التي يرأسها أسامة بن لادن”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب “العرب والإعلام الفضائي” بتصرف.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق