ألعاب الكمبيوتر.. وتشكيل عقول الناشئة

ثقافة عامة

إنه غزو من نوع جديد، ليس غزوًا عسكريًا ولكنه غزو فكري وعقدي، غزو كمبيوتري سيطر على عقول أبنائنا وشبابنا وفتياتنا من خلال ما يسمى بألعاب الكمبيوتر التي حملت إلى فلذات أكبادنا عادات وثقافات بل وعقائد مخالفة للإسلام.

ولكن في الوقت الذي ارتفعت أصوات الباحثين والتربويين والمختصين محذرة من الآثار الكارثية لهذه الألعاب الإلكترونية على أبنائنا، ازدادت معدلات تدفقها إلى أسواقنا بدرجة لايجدي معها الصراخ، حتى أصبح المشتري نفسيه في حيرة، فأي شيء يختار من وسط هذا الكم المعروض؟.

أسباب الإدمان:
قبل أن نعرض لآثار هذه الألعاب على ناشئتنا لابد من التعرف على أسباب تعلقهم بها وإدمانهم عليها وجعلهم مشدودين لها، مشدوهين أمامها:
وأول هذه الأسباب هو عامل الإثارة؛ فهذه الألعاب تبلغ القمة والغاية في الرسوم والألوان وسعة الخيال، وقمة المغامرة.

ثانيًا: وجود عنصر المنافسة: وهذا يكاد يكون في جميع اللعبات؛ إذ هو روحها وعامل الجذب فيها كسباقات السيارات والدراجات النارية، أو كبطل يحاول التخلص من مجموعة أشرار، أو عابث يحاول التخلص من أيدي رجال الشرطة، أو تائه في الأدغال يحارب الحيوانات المتوحشة؛ فاللاعب يعيش دور المسابقة والمنافسة؛ إما بينه وبين بشر آخرين، أو بينه وبين وحوش تحاول القضاء عليه، ولذلك فهو يعيش الحدث بكل حواسه.

ثالثًا: الواقعية: ليس في القصة أو اللعبة ولكن في الإيحاء بالواقعية، وذلك من خلال تصوير الأماكن وتراتبية الأحداث، فتارة تعيش في الأدغال، أو في تخوم الجبال، أو في الفضاء، أو حتى في الأوحال؛ فتأخذ اللعبة اللاعب من واقعه إلى واقعها، وتنتقل به قلبيًا وذهنيًا حتى لا يشعر بمن معه أو حوله.

رابعًا: شخصية البطل: فهي تصور البطل محور القصة بحيث يتعلق به اللاعب ويتمثله في أثناء اللعبة، بل وبعدها، وذلك بإلباسه صفة البطولة والقوة أو الفكاهة والمتعة، فيتفاعل معه اللاعب ولا يريد تركه.

خامسًا: عدم وجود البديل الصالح: فمازالت دولنا متخلفة في هذه الصناعة، فلا يجد الناشئ بديلاً يسد مسد هذه الألعاب. والوقت عنده فارغ يحتاج أن يملأه بشيء، ولاشك أن من يخير بين إنتاجنا وإنتاج الغرب سيختار الثانية حتمًا.

الآثـار:
من الإنصاف أن نقول إن هذه الألعاب – أو بعضها على الأقل – تفيد الطفل أو الناشئ في بعض الجوانب كالذكاء، والجرأة، وسرعة البديهة، والتفكير، مع سعة الأفق في بعض الألعاب.

بيد أن هذه الألعاب حين تتخطى مرحلة اللهو لتصل إلى مرحلة الإدمان، يكون لها آثار خطيرة يمكن وصفها بأنها كارثية، وهذا ما أثبتته الدراسات العملية البحتة، والتي نشرت في أنحاء العالم، وهو ما حمل أطباء وعلماء تربية ومسؤولين، بل وسياسيين إلى رفع صيحات التحذير والانتباه، وقدم أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي اقتراحًا بمنع تداول أفلام الفيديو والألعاب الإلكترونية السيئة والمخلة، نظرًا لتأثيرها السلبي في تكوين شخصية المشاهد حالاً ومستقبلاً. بل وفي أمريكا قانون يسمى “غرامة سليفر” يعاقب من يسمح للأحداث والقاصرين بمشاهدة أو ممارسة الألعاب السيئة.

لقد حملت هذه الألعاب إلينا الأمراض التي عانى منها أبناء صانعيها في الغرب، وزادت على ذلك أمراضًا تختص بديننا وعقيدتنا وعاداتنا وتقاليدنا وأخلاقنا، فصانعوا هذه الألعاب يحملون ثقافات وعقائد واهتمامات وأفكارًا مخالفة للإسلام وعقيدة أهله، ولذلك كانت آثارها علينا أسوأ، وعاقبتها علينا أوخم، ونتائجها على أبنائنا أعظم.. ومن هذه الآثار:

أولاً: الأثر العقدي:
1- ترسيخ مبادئ الشرك والكفر: باعتقاد وجود قوي مع الله، وإظهار قوى خارقة لا يقدر عليها، أو بطل لا يمكن قتله ولا يموت، أو توقف نجاة العالم على شخصية بطل اللعبة الذي يأتي بأمور ليست في مقدورات البشر.
2- محبة الكفار والتشبه بهم: عن طريق محبة شخصيات أبطال هذه الألعاب ومحاكاة حركاتهم وملابسهم، وقد رأينا من يلبس السلاسل وقلائد العنق، ومن يمشي باللباس القصير في الشوارع وهذا من أثر هذه الألعاب.

3- التعلق برموز الكفر: ففي كثير من هذه الألعاب يظهر تقديس الأحبار والرهبان وعباد بوذا، وكثير من أبطال هذه الألعاب يلبس الصليب، وفي كرة القدم يثلثون عند دخول الملعب وإحراز الأهداف، وفي بعض الألعاب يلزمك الحصول على الصليب ليزيد من فرص حياتك أو إعطاء عمر جديد أوطاقة جديدة. وهذا يجعل اللاعب ينتظر الصليب ويهفو قلبه إليه في بعض مراحل اللعبة.. ولا يخفى أثر ذلك على عقيدة أبنائنا.
وهناك آثار أخرى كالتعدي على الغيب، والاعتقاد في الأبراج والنجوم؛ كما في لعبة (ذا باونسر). حيث توجد فتاة تجلب الحظ والمال لكل من تقابله.

الأثر الديني:
1- تضييع الأوقات والصلوات: فهذه الألعاب تجتذب اللاعبين وتغريهم بالجلوس أمامها ساعات طوال، وكلما انتهى من مستوى أو مرحلة ينتقل إلى مرحلة أخرى ومستوى جديد وأشد إثارة وجاذبية؛ بحيث يصعب على اللاعب أن يتركها ليقوم ولو إلى الصلاة، فيؤخر الصلاة عن موعدها ثم بعد ذلك شيئًا فشيئًا يتركها.

2- عقوق الوالدين وقطيعة الرحم: فمدمن هذه الألعاب لا يحب تركها، ويتمنى أن لو بقي ساعات النهار كلها أمام الجهاز، ولا يتململ من ذلك، بل يضيق بمجالسة الناس حتى يهجرهم إلى الألعاب مما يحمله على عدم طاعة والديه وعدم الاستجابة لأوامرهما، بغية ألاينقطع عن هذه الألعاب.

3- الدعوة إلى الرذيلة: من خلال مناظر العري التي لا تكاد تخلو منها لعبة من اللعبات، والمراقب يكاد يجزم أن هذا أمر مقصود حيث تحشر صور العاريات حشرًّا حتى في سباقات السيارات ومباريات المصارعة يحملن اللافتات شبه عاريات. وهناك بعض الألعاب أبطالها نساء وهن غالبًا أيضًا عاريات، وفي إحدى اللعبات كلما اجتاز اللاعب مرحلة تظهر له امرأة تخلع جزءًا من ملابسها حتى إذا بلغ المرحلة الأخيرة تكون قد تجردت من ثيابها تمامًا. هذا عدا ما يظهر في هذه الألعاب من مشاهد منكرة كالقبلات، أو مباريات المصارعة بين الجنسين، والإيحاءات الفاضحة التي تثير غرائز الشباب وتدعوهم إلى الفاحشة.

4- عشق الموسيقى: إذ قلما يخلو منها برنامج من هذه البرامج، بل هناك ألعاب وضعت خصيصًا لتعليم الشباب الموسيقى، كما في لعبة (فب ريبون)، أو لعبات كالسامبا، وروك إن ميجا، ولا يخفى تحريم سماع الموسيقى في شريعة الإسلام.

5- التعلق بالجنس الآخر: فكثير من الألعاب تدور حول فتاة تتمتع بجمال فائق وإغراء شديد، ومنها ما يكون دور اللاعب إنقاذ فتاة، اختطفها شرير أو عصابة أشرار، وهذا يوجه أنظار المراهقين والشباب ـ بل والكبارـ إلى الاهتمام بالجنس الآخر وإيقاد نار الغرائز والشهوات لديهم.

الآثار الطبية والنفسية:
لا شك أن الجلوس أمام شاشات الألعاب لفترات طويلة يؤدي إلى أضرار صحية بالغة:
أولها: الإصابة بانحناء الظهر نتيجة الجلوس على هيئة واحدة لساعات عديدة يوميًا.

ثانيًا: ضعف البصر نتيجة للتعرض للإشعاعات الضارة.

ثالثًا: التأثيرات الضارة على الدماغ: فقد حذر الدكتور فنسنت ماتيوس - أستاذ التصوير بالأشعة في جامعة إنديانا - من مخاطر هذه الألعاب على الدماغ، ودعا الدكتور البريطاني جافين كليري إلى كتابة تحذيرات على هذه المنتجات بعد أن وقف هو ومجموعة أطباء ومختصين على إصابات وحالات مرضية عديدة.

رابعًا: الإصابة باضطراب وتوتر الأعصاب:وهذا بسبب الإثارة المستمرة والشد العصبي الذي يعيشه اللاعب، وكذلك لاشتمال كثير من الألعاب على مناظر مخيفة، كمشاهد المقابر ودخول مشرحة الأموات ورؤية الجثث، كما في بعض الألعاب. وقد نشرت الدكتورة البريطانية ديانا ماك المتخصصة في طب الأطفال مقالاً في مجلة “سكوتش ميدكال جورنال” دعت فيه أولياء الأمور إلى الانتباه إلى خطورة الألعاب الإلكترونية على صحة أبنائهم النفسية والبدنية والأخلاقية والاجتماعية، وقالت: إنها لاحظت من خلال معالجتها للأطفال أن الذين يقضون الساعات الطوال في مشاهدة هذه الألعاب يعانون من مرض التوتر المتكرر وأوجاع في الرأس والأطراف بصورة واضحة.

الأثر الاجتماعي:
(1) تنامي روح العزلة لدى الأطفال: فهذه الألعاب تتيح للاعب أن يلعب بمفرده، فيجلس مددا طويلة دون أن يحتاج إلى صديق مما ينمي عنده روح الانعزالية والانطاوئية وعدم التعاون ورفض الآخر.

(2) ازدياد ظاهرة العنف: لأن معظم هذه الألعاب مبني على الضرب والفتك والقسوة، ويعيش اللاعب والمشاهد هذه المواقف مما يحمله على تقليد تلك السلوكيات.. وقد اشتكى كثير من الآباء السلوكيات العدوانية لأبنائهم واعتدائهم على إخوانهم بالضرب المبرح أحيانًا نتيجة لتقمصهم شخصيات هذه الألعاب. كما وأن تقليد السائقين في بعض سباقات السيارات يؤدي في بعض الأحيان إلى وقوع حوادث قد تكون كارثية.

(3) التخلف الدراسي: لانشغال الأولاد في الألعاب وقتل الوقت فيها، وعدم وجود مساحة زمنية للمذاكرة والدراسة، هذا مع الإرهاق الشديد الناتج عن هذه الألعاب مما يستنفذ طاقة الناشئة وربما يدمر مستقبلهم العملي والدراسي.

وسائل العلاج
ومع الاعتراف بحجم المشكلة وبعد معرفة آثارها مع الاعتراف بأهميتها في ذات الوقت كان لابد من البحث عن حلول مناسبة ووسائل للعلاج.. ونحن نرى أن من بين هذه الوسائل:


أولا: إيجاد البدائل: وهذه مسألة هامة، وذلك بدعم هذه الصناعة بحيث تصبح منافسًا إسلاميًا، والارتفاع بمستوى إنتاجنا ليكون جذابًا ومرغوبًا لدى فئات شبابنا وناشئتنا، ودعوة رؤوس الأموال في الاستثمار في هذا الجانب لدرء مفاسد المنتج الغربي أو غير الإسلامي عمومًا.

ثانيا: تصحيح مفاهيم الناشئة: بإعادة صياغة الأولويات، وأن الإنسان خلق لأمر أكبر من اللعب، وهو عبادة الله التي ينبغي أن تصرف فيها الأوقات، وقيادة العالم التي لا تتأتي إلا بالجد والاجتهاد، والعلم والحرص على الأوقات، وأن اللهو إنما هو إجمام للنفس وراحة للقلب، فلا يأخذ حيزًا زمنيًا كبيرًا ولا وقتًا من العمر طويلاً، فالعمر أغلى من أن يضيع في مثل هذه الألعاب.

ثالثا: شغل الناشئة بما يفيد: فالفراغ هو الذي يحملهم للبحث عن شيء يصرفون فيه وقتهم، ولو كان الشاب أو الفتاة مشغولاً في شيء نافع لما صرف همته، ولما تعلق قلبه بهذه اللعب؛ كما قال الأول:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى .. ... .. فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

رابعا: المراقبة والتوجيه: فالواقع يدل على ضعف البديل، وعلى الإقبال الشديد من أبنائنا على هذه الألعاب فصار من المتحتم على أولياء الأمور معرفة ما يلعب به أبناؤهم وما يشاهده فلذات أكبادهم، ولا مانع من الجلوس معهم ولو مرة أثناء اللعب للاطلاع والاطمئنان، فإذا وجد خلل عولج بالتوجيه والنصح، وإن كان يصعب علاجه أخرجت اللعبة كليًا حماية لأبنائنا وصيانة لدين وخلق أجيالنا، وحفظًا لمستقبل أمتنا.

إن أحدًا لا ينكر أهمية اللعب بالنسبة للأولاد والناشئة، ومدى حاجتهم إلى تفريغ الطاقات المخزونة لديهم، وأن هذا ضرورة بالنسبة لهم كضرورة الطعام والشراب والنوم، ولكن على الجانب الآخر لا يستطيع أحد أن ينكر حتمية توجيه هذه الطاقة فيما يعود بالنفع على الأولاد جسميًا وعصبيًا ونفسيًا وعلميًا، أو على الأقل لا يعود بالضرر عليهم في ذاتهم أو في مستقبل أممهم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق