الإعلام العربي في مواجهة حملات التشويه

ثقافة عامة

ليس خافياً بطبيعة الحال ذلك الانحياز الذي تتسم به معالجة وسائل الإعلام الغربية عامة والأميركية خاصة للقضايا المتعلقة بالعرب والإسرائيليين. صحيح أن من بينها ما يتصف تناوله لتلك القضايا بالموضوعية بدرجة أو بأخرى، لكن الصورة العامة يغلب عليها هدر الموضوعية بل والفتك بها لغير صالح العرب بطبيعة الحال، ومع ذلك فما كنت أحسب أن يصل التحيز إلى ذلك الحد الذي شاهدته منذ أيام، وأخطر ما فيه أنه ليس تحيزاً تميزه الحماقة بحيث يشعر كل من يتابعه بالتحامل واضحاً ضد طرف في مقابل طرف آخر، وإنما هو تحيز غير مباشر يتسم بالدهاء لابد وأن تنخدع به بسهولة الشريحة المحايدة على الأقل من الرأي العام العالمي.

ساقتني إلى هذه الملاحظات مشاهدة بالصدفة منذ أيام قلائل لبرنامج يُفترض أنه إخباري عرضته إحدى الفضائيات الإخبارية الأميركية الشهيرة. تضمن البرنامج أربعة تقارير اختص العرب منها بثلاثة بشكل أو بآخر، وكان كل من تلك التقارير الثلاثة ينضح سماً خفياً أُعد للعرب دون سواهم.

تضمن التقرير الأول الذي كانت مقدمته المصَوَّرَة هي السبب في إقدامي على مشاهدة البرنامج صوراً حية لخمسة أطفال فلسطينيين ذاهبين إلى مدرستهم في حراسة قوات الاحتلال الإسرائيلي. وكنت عندما رأيت جزءاً من بداية الشريط المصور يبدو فيها الأطفال الخمسة وهم يسيرون خلف عربتين مدرعتين إسرائيليتين بينما تسير ثالثة من خلفهم، كنت قد تصورت أن التقرير سوف يركز على هذا الجيل الجديد من الأطفال الفلسطينيين الذي نشأ متحرراً من الخوف في علاقته بقوات الاحتلال الإسرائيلي إلى درجة أنه يسير وسط عرباتها المدرعة دون وجل، لكن المفاجأة تمثلت في أن التقرير يركز على أن تلك العربات المدرعة الثلاث تشكل وحدة حماية للأطفال الفلسطينيين أثناء ذهابهم لمدارسهم خوفاً من أحداث قد يتعرضون لها من قِبَل المستوطنين الإسرائيليين. وتخللت التقرير حوارات قصيرة مع أولئك الأطفال يقولون فيها إنهم لم يعودوا يخافون هؤلاء الجنود (والسبب واضح بطبيعة الحال وهو أنهم يشكلون حماية لهم!) هكذا لا يوجد حرف واحد عن واقعة الاحتلال الذي سيطر على الأرض بغير سند من القانون أو عن الاستيطان الذي اغتصب مساحات شاسعة من هذه الأرض منتهكاً بذلك أبسط قواعد حقوق الإنسان، أو عما فعله الاحتلال بخدمة أساسية للفلسطينيين كخدمة التعليم بحيث يُضطر هؤلاء الأطفال إلى السير عدة كيلومترات عبر طرق وعرة كي يتمكنوا من الوصول إلى مدارسهم.

ركز التقرير الثاني على واقعة اختطاف إحدى الناشطات الأوروبيات في مجال العمل الإنساني في العراق. استعرض التقرير حياتها وأعمالها ووحشية “الإرهابيين”!! الذين اختطفوها دون ذكر حرف واحد عن واقعة احتلال العراق التي أفضت إلى ما أفضت إليه من ردود أفعال طاش بعضها بالتأكيد واتخذ طريقاً بعيدا عن طريق المقاومة المشروعة، وكذلك دون إشارة ولو من بعيد إلى مسؤولية سلطة الاحتلال عن تردي الأمن في العراق على النحو الذي نعرف جميعاً ويسمح بوقوع تلك الأعمال المرفوضة المُدانة، خاصة وقد قامت هذه السلطة منذ الأيام الأولى للاحتلال بحل كافة المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة العراقية دون أن تكون قادرة على إنشاء مؤسسات بديلة على درجة من الكفاءة تجعلها أهلاً لحفظ الأمن في العراق بما يقي شعبه وضيوفه مغبة الأعمال “الطائشة”.

أما التقرير الثالث فقد اتجه إلى صلب الموضوع مباشرة: موقف العرب من “الإرهاب” و”الإرهابيين” حسب التقرير، إذ كان موضوعه هو الرأي السائد في أوساط الشباب السعودي تجاه أسامة بن لادن. بدأ التقرير بالإشارة إلى الموقف الإيجابي في أوساط هؤلاء الشباب إزاء الرجل وما يفعله، ثم عرض لمقتطفات من لقاءات أُجريت مع ممثلين لهؤلاء الشباب يُفهم منها أنهم كانوا معجبين به قبلاً، لكن ذلك الإعجاب قد توقف في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبغض النظر عن مدى الدقة أو الابتسار فيما نُقل عنهم، أو دقة اختيار العينة التي تمت مقابلتها أصلاً، وربما دقة ترجمة ما قالوه فإن موقفهم بدا واضحاً، وهو أنهم ربما كانوا يكنون إعجاباً بالرجل وما يفعله طالما هو موجهٌ ضد الهيمنة الأجنبية (التدخل السوفيتي في أفغانستان على سبيل المثال)، أما وقد بدأت أعماله تختلط بـ”الإرهاب” وتروع الآمنين بغض النظر عن مسؤوليتهم عن سياسات دولهم فإن الإعجاب قد توقف، ومع ذلك - وبدون أي خجل أو تردد- انتهى التقرير كما بدأ، وهو أن الشباب السعودي بصفة عامة يضمر إعجاباً بالرجل وكل أفعاله.

هكذا تبدو الصورة واضحة كل الوضوح عن العرب وخصومهم، فالخصوم إما غائبون لا يُذكر حرف واحد عما يفعلونه بالعرب، وإما يعكسون أسمى آيات التعامل الإنساني معهم. أما هؤلاء –أي العرب- فهم لا يملكون ما يقدمونه للحضارة الإنسانية سوى “الإرهاب”: اختطاف رواد العمل الإنساني والإعجاب برمز “الإرهاب” في عالم اليوم على حد زعمهم، دون ذكر للاحتلال الإسرائيلي وما تؤدي إليه ممارساته اليومية على أرض فلسطين المغتصبة من قتل للمدنيين وليس فقط للمقاومين، وإصابة العشرات من أولئك المدنيين وتدمير بيوتهم وتجريف أراضيهم وحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما يجري التركيز على حرص المحتل على حماية أطفال فلسطين من أية أحداث يمكن أن يسببها المستوطنون الذين يمر عليهم التقرير مرور الكرام، ويسمي جرائمهم بحق أطفال فلسطين “أحداثاً يمكن أن تقع”، ناهيك عن الاستخفاف بعقولنا التي يُراد لها أن تصدق أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يخصص ثلاث عربات مدرعة لمصاحبة خمسة أطفال فلسطينيين في الطريق إلى مدرستهم. ولا يدري المرء أيقوم ذلك الجيش بتخصيص عدد مماثل كلما شرعت مجموعة مماثلة من الأطفال في الذهاب إلى المدرسة أم أن المسألة برمتها لا تعدو أن تكون تمثيلية هزلية؟

وبينما يتم التركيز على اختطاف تلك الناشطة الأوروبية في مجال العمل الإنساني في العراق - وهو عمل شائن بطبيعة الحال- لا يُطلَع مشاهد التقرير الذي غطى تلك الواقعة على أي شيء يتعلق بجرائم الاحتلال في العراق التي قد تفسر أعمالاً من هذا النوع البغيض وإن لم تبررها، فعشرات الآلاف من القتلى المدنيين الذين تحدثت عنهم تقارير غربية - وليست عربية- وقُدمت بشأنهم الأسئلة وطلبات التحقيق إلى كبار المسؤولين في بلدان تشارك في احتلال العراق، والممارسات البشعة لسلطات الاحتلال في سجون العراق والتي ثارت لها ثائرة منظمات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية قبل غيرها... كل هذه الحقائق وهي غيض من فيض غابت عن تقرير يركز على وجه واحد من وجوه القبح الذي ترسمه في عراق اليوم أصابع نفر من أبنائه هي في الأصل ردود أفعال لواقعة الاحتلال بينما يُترك باقي الوجوه التي لا يُسأل عنها سوى القائمين باحتلال العراق والمتواطئين معهم.

أما ظاهرة الإعجاب بـ”بن لادن” فقد اكتفى التقرير المتعلق بها بتشويه موقف الشباب السعودي دون أن يحدثنا بطبيعة الحال عن أن الإعجاب بأسامة بن لادن سبقتنا إليه دوائر أميركية مسؤولة منذ سنوات عديدة عندما تقاطعت المصالح بينها وبينه في أفغانستان، فكان ما كان، ودون أن يحدثنا أيضاً عن الظروف التي خلفتها قوى الهيمنة في العالم عامة وفي منطقتنا خاصة على نحو يهيئ مناخاً لانتشار الإعجاب بأفكار وممارسات كتلك التي ربطوها باسم “بن لادن”.

ماذا يفعل العرب إزاء هذا التشويه الذي لم يبدأ بطبيعة الحال بمثل تلك التقارير وإنما هو يمثل ظاهرة بنيوية في النظام الإعلامي العالمي الذي تهيمن عليه قوى لا تضمر للعرب خيراً؟

يبدو العرب في هذا الخصوص إما غير مكترثين وإما غير قادرين على مواجهة هذه الظاهرة بعمل مشترك، فإعلامهم بصفة عامة قطري، كما أنه بصفة عامة أيضاً لا يصل إلى العالم الخارجي وإنما هو موجه للداخل وليس للخارج، وكل محاولات الانطلاق بتحرك إعلامي عربي جماعي باءت بالإخفاق للأسف: إما لعجز العرب عن بلورة خطاب إعلامي موحد لأسباب سياسية، وإما لعجزهم عن توفير مصادر كافية لتمويل أي تحرك من هذا النوع، وهو الأمر الذي يدفع للإحباط بشأن مستقبل العمل الإعلامي العربي المشترك بفرض أن مقوماته السياسية والإعلامية قد اكتملت.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق