عولمة الإعلام.. والدور الإسلامي المنتظر

ثقافة عامة

من دون مبالغة يمكننا القول أن أهم المكتسبات التي حققتها العولمة لشعوب العالم وأعظمها هي تلك التي تكونت على الصعيد الإعلامي ؛ حيث إن ظهور شبكة الإنترنت الرهيبة مثَّل انقلاباً كبيراً في معنى التواصل الإنساني، ومعنى الحوار، ومعنى الرسالة الإعلامية العالمية، كما أن ظهور البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني أتاح فرصاً مدهشة للتواصل الإعلامي الفعال مع كل إنسان في العالم، وبشكل لم يتصوره الناس من قبل. وكذلك تخفيف حساسيات الدولة القومية من وجود النشاطات الإعلامية والإنسانية الأجنبية على أراضيها جعل هناك مساحة واسعة من الحركة والتفاعل الإنساني بين الصوت الإسلامي والإنسان المعاصر في غير ما مكان من عالم اليوم.

والذي لا شك فيه أن هذه الآليات هي نتاج تغوُّل فكرة العولمة ومحاولة أصحابها السيطرة على البسيطة، والبحث عن وسائل لاختراق الحدود أو تجاوزها وبسرعة لتوصيل الرسالة الفكرية والإعلامية المراد توصيلها إلى كل إنسان على وجه الأرض وبسرعة فائقة.

وقد نجحت بلا شك المؤسسات الإعلامية الدولية في الاستفادة من هذه الآليات بما يخدم مصالحها، وقد وصل جزء كبير من الفساد عن هذا الطريق إلى الإنسان المعاصر في العالم الإسلامي والعربي بشكل خاص، ولكن بالمقابل فإن هذه الآليات قد أتاحت قدراً مدهشاً للحركة أمام النشاط الإسلامي الإعلامي والثقافي، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة كبيرة من المواقع العربية على شبكة الإنترنت هي لمؤسسات إسلامية صغيرة أو كبيرة أو حتى شخصية، واستخدامات البريد الإلكتروني وساحات الحوار ونحو ذلك خير شاهد على هذه الحقيقة.

هناك أيضا المئات بل الآلاف من الإصدارات والمجلات والصحف الإسلامية التي تبث الآن عبر الإنترنت وتصل إلى أنحاء العالم كافة مخترقة حواجز رهيبة كان من العسير عليها في السابق اختراقها مهما أوتيت من قوة وقدرة مالية أو غيرها؛ بل إن شبكة الإنترنت أعطت الجهاد الشيشاني ـ على سبيل المثال ـ إمكانية الصمود أمام آلة الإعلام الروسي الجبارة، وأصبح موقع المجاهدين على الشبكة ـ في حينه ـ أحد أهم مصادر وكالات الأنباء الدولية عن الأوضاع في الشيشان، وكذلك مصدراً مهماً للصحف والمجلات، ولو كان هذا الأمر قبل عشرين أو ثلاثين عاماً لما شعر أحد بالمعاناة الشيشانية ولتم دفنها كما دفن الجهاد الكشميري زمناً طويلاً قبل أن يبدأ في التواصل مع العالم الخارجي.

إن شبكة الإنترنت ساعدت على إحياء معاني كبيرة وجليلة في الحالة الإسلامية، وفي مقدمتها معنى « الجسد الواحد » للأمة إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ورغم كل المكتسبات التي حققتها الصحوة الإسلامية من خلال الاستفادة من شبكة الإنترنت، فإن هناك مجالات رحبة وواسعة يمكنها استغلالها بشكل أفضل؛ ومن ذلك إنشاء صحف يومية مختلفة وقنوات إذاعية وتلفزيونية عبر الشبكة بصورة أكبر مما هو موجود فإن الموجود الآن إذا قورن مثلا بالقنوات التنصيرية فلن يعد شيئا.

ومما يبشر بالخير أن نجد الكثير من الشباب الإسلامي متميزاً للغاية في خبرة التعامل مع التطور التقني والمعلوماتي الجديد بصورة تبهج النفس، ويبقى حضور الأفق الجيد الذي يرسم خريطة الحالة الإسلامية ؛ ومن ثم يرصد احتياجاتها، ثم يحدد الطرق والوسائل التي يسد بها هذه الاحتياجات من خلال هذا المنفذ الجديد والمثير.

أيضاً على صعيد البث الفضائي، أعتقد أن هذه نافذة مهمة للغاية، وما زال الإسلاميون عاجزين عن الاستفادة منها الاستفادة المرجوة. صحيح أن هذه الخدمات تحتاج إلى إمكانيات مادية أعلى بكثير من تلك التي يحتاجها العمل من خلال الإنترنت، إلا أن الإسلاميين لا يهتمون بتدريب الكفاءات الفنية التي يمكن لها تحريك عمل مثل هذا مستقبلاً، وهذه نقطة غاية في الأهمية وسيكون لها أثرها في المستقبل القريب، كما لا يوجد في حدود علمي جهود حقيقية لدراسة الإمكانيات الفعلية لتحقيق هذا الطموح، وفي تقديري أنه إذا نجحت الدعوة الإسلامية في اختراق هذه الآلية الجديدة للتواصل مع القواعد العريضة من الناس فإنها ستربح كثيراً من الوقت والجهد وتقفز بالدعوة قفزات كبيرة. وقد لمست ذلك بنفسي من خلال تجربة محدودة في العمل من خلال إحدى القنوات الفضائية الإسلامية، ولمست كيف يمكنك أن تصل إلى الملايين من أقصر طريق وبأفضل تأثير (ولا يمكن أن ينسى هنا دور بعض القنوات كالمجد والفجر والناس وأمثالها)، وأذكر أن أستاذًا جامعياً إسلامياً في مصر، ظل على مدى أربعين عاماً يكتب في الشأن الإسلامي وفي الدعوة والتنمية وغيرها، فلم يعرفه ويعرف دعوته إلا نفر قليل، ثم ظهر في برنامج تلفزيوني لعدة حلقات وكان موفقاً فيه فأصبح يتابعه الملايين وتحول إلى نجم جديد وكبير، وأفردت له صحيفة الأهرام المصرية أكبر صحيفة مصرية وربما عربية صفحة كاملة كل أسبوع يكتب فيها ما يشاء.

وكذلك فإن الحضور المتتالي لبعض الرموز الدعوية ممن أثاروا جدلاً واضطراباً بفتاواهم، يعود بشكل مباشر إلى نجاحهم في استثمار البث الفضائي والحضور الجيد من خلاله، في حين لم ينجح وربما لم يتحمس آخرون فخسروا الكثير من تأثيرهم الدعوي، كما خسر جمهور الناس إمكانية الاستماع والتواصل مع الرأي الفقهي الآخر.

هذه نفثات ومجرد إشارات للدلالة على أهمية هذه الآليات الإعلامية ولفت نظر العاملين في الحقل الدعوي الإسلامي إلى الالتفات إليها والاهتمام بها لما لها من أثر رهيب ودور بارز على الصعيد الحالي وخلال سنوات ربما تمتد وتطول.. والله المسئول أن ينصر الدين وأهله، وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مقال للأستاذ جمال سلطان ـ (البيان:170) بتصرف يسير.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق