المقال.. حين يكتبه الداعية

ثقافة عامة

تكلمنا فيما سبق عن الكتابة – عموماً - كأسلوب من أساليب الدعوة، ولا شك أن الكتابة ليست صنفا واحداً، ولا نوعا مفردًا، بل هناك الكتاب، وهناك القصة، وهناك المحاضرة، وأيضا هناك المقال.. وهذا هو محور حديثنا في هذه العجالة.

لا شك أن المقالات التي كتبت في الدعوة لا يكاد يأتي عليها الحصر، ولكن النافع منها هو الذي إذا قرأه القارئ أحس أنه ينقله من محيط إلى محيط، ويكشف لقلبه آفاقا روحية جديدة، ويهدي إليه نفسه أو بعضها، ويدعوه في قوة وإيمان إلى الربانية القويمة، أما كل مقال يقرأ فلا تنفتح به بصيرة، أو ينفسح له قلب، أو تهفو نفس قارئه للعمل بما فيه، فمثله لا ينفع الدعوة الاستكثار منه، ولا ينفع المدعوين الاطلاع عليه.

وحتى يبلغ المقال أثره ويؤدي دوره لا بد فيه من أمرين لا يستغني عنهما:
الأول : وضوح الفكرة : حتى لا يتشتت ذهن القارئ، ويسهل عليه استيعاب المقال والوصول إلي المقصود منه، ولا يكفي الفكرة وضوحا أن تكون نابعة من القلب ويخدمها وجدان ديني، مع عاطفة قوية .. بل لابد مع هذا من الأمر الثاني وهو:

وضوح اللفظ : فوضوح الفكرة لا يغني عن وضوح اللفظ لكل من يمكن وصول المقال إليه.

والداعية ينبغي أن يلاحظ أنه يكتب للناس كافة، عالمهم وجاهلهم ومثقفهم وغيره، وهذا يقتضي أن يراعي في مقاله المستوى الذي يألفه جمهور القراء ليفهموا ما يقرؤون أو ما يسمعون، فالمقال الذي يكتب لأساتذة الأدب لا يصلح أن يقرأه جمهور العوام.

والداعية حاله كحال التاجر الذي يعرض بضاعته حيث يراها كل الناس أو أكثرهم فهو يحتال في عرضها، وينسقها تنسيقا يغري الناظر بالوقوف أمامها والشراء منها، فكذلك الداعية صاحب رسالة مكلف بإبلاغها للجميع، ودعوته بضاعته، فلزم أن ينظر كيف يثير أشواق الناس وأذواقهم إليها.

ومن المقرر والمعلوم (كما يقول الأستاذ البهي الخولي في كتابه تذكرة الدعاة) أن الجماهير من حيث الإقبال على القراءة كالطفل الممعود (الذي بمعدته مرض) إذا رأى الطعام أشاح بوجهه، وانقبضت معدته في جوفه، فلا يزال به أبواه يغريانه، ويلاطفانه، ويثيران شهوته، ويحتالان لتحبيب الطعام إليه لعله أن يأخذ منه شيئاً يقيم به أوده.

نعم، قد نرى كثيرين من العامة يقرءون، ولكنهم – يقرءون ما لا يسمن ولا يغني من جوع، يقرءون كتب التسلية، وقصص اللهو الفارغ التي يقطعون بها أوقاتهم ويرتاحون بها من أنفسهم.
ومن هنا نرى الصحفي اللبق، يدرك هذه الحقيقة، ويأتي إلي الجمهور متطامنا خفيف الخطا، فإذا عرض عليه خبرا، عرضه ـ مثلا ـ في قصة قصيرة، أو نكتة لبقة، أو فيما يشبه هذا... فهو يحتال على قارئه ليعطيه ما يشاء من فنه وفكرته، فتروج صحيفته، وتغمر الأسواق، وتسيطر على الأندية وتدخل البيوت، وتستقر مع القراء في المخادع.

على الداعية أن يفهم هذا، وأن يدخل الطفل الممعود ( أو بمعنى أصح “القارئ الممعود) في حسابه، وليس له أن يحتج بأنه لا يستطيع أن يفعل فعل الصحفي، وأن وقار الدعوة وجلال معانيها ليس مما يعرض هذا العرض... أقول ليس له أن يحتج بهذا أو بما يشبهه، فإنه إذا تحرك، وحاول، وجرب، لا يعدم نتيجة طيبة، وثمرة مبشرة بخير كثير، ليس ضروريا أن يتبذل الداعية، ولكن ليس ضروريا أن يتزمت في كتابته أو أن يتعالى بها على جمهور قرائه! وليس من المحتم أن يجري على نمط الفلاسفة، وليس من المحتم أن يهبط إلي درك العامة.

ومما يهون على الداعية مهمته أنه لن يكتب للجمهور في فلسفة تكوين العقيدة، ولا في دور العقل في إنشاء الصلة بالله أو في كشفها، ولا في منهج صلة الإنسان بغير المنظور من حقائق الكون ؛ ولا في نحو هذا مما يدخل في باب الموضوعات الفلسفية والفكرية،إنما سيتحدث إليه عن واقع الحياة اليومية.. وقد قلنا فيما سبق أن واقع الحياة اليومية هو تاريخ الإنسانية الحاضر، وهو مستودع أخطائها وصوابها، فإذا أخذا الداعية مادة حديثه من صميم ما يجري في هذه الحياة، وتحدث عن صوابه وخطئه، وصور كلا في صورته الطبيعية الدارجة، وعالجه بروحه الرباني، ووزنه بميزانه الإلهي، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة.. وسيجد أن كلامه قد غمر الأسواق، وسيطر على الأندية، ودخل البيوت، واستقر مع القراء في المخادع، لأن الحياة تولت حمله إلي كل ذلك ..

وليس عليك من حرج بعد هذا أن تكون قد أجريت في كلامك لفظاً بسيطا، أو عبارة متداولة، أو مثلا سائراً، أو نحو هذا مما يخف وقعه على الأسماع، ويعين على بيان حقيقة المراد...ولأمر ما، كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الثرثارين المتفيهقين والذين يخاطبون الناس بما لا يفهمون، وكان عليه الصلاة والسلام أحيانا يعدل عن لهجته الأصلية ليخاطب وفود القبائل بما يفهمون من اللهجات.. فهل نعتبر؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
ـ تذكرة الدعاة للأستاذ البهي الخولي
ـ هموم داعية للشيخ محمد الغزالي





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق