الإعــلام الحـــر

ثقافة عامة

المحاولات الأمريكية لـ “كسب العقول والقلوب” في الشرق الأوسط بدأت قبل الحرب على العراق، واستمرت حتى اليوم، استخدمت فيها كل الوسائل الإعلامية، وغير الإعلامية، ضخت مؤسسات ضخمة ومراكز أبحاث محترمة، لديها إمكانات مادية هائلة، ملايين الوثائق والمعلومات المضللة.

أسست وكالة الاستخبارات المركزية قنوات تلفزيونية وإذاعات خاصة لتبرير الحرب وترسيخ قناعة لدى الرأي العام بأن هدفها نبيل يتلخص في نشر الحرية والديمقراطية وأسلوب الحياة الأميركية.

وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد أسس بعد أحداث 11أيلول ( سبتمبر) ” مكتب التأثير الاستراتيجي” لتزويد الصحافة بمعلومات مضللة. ولمزيد من التضليل كان المكتب يزود وكالات الأنباء والصحافة المعلومات عبر طرف ثالث. وبقي المكتب ناشطا إلى أن كشفته الصحف فاضطر البنتاغون إلى إغلاقه.

فضيحة أخرى اضطلعت بها قوات الاحتلال الأميركي كشفت عام 2005م، وعرفت بإسم”رشوة الصحافة العراقية” في بعض تفاصيل هذه الفضيحة أن عددا من المحاربين القدامى أسسوا شركة” لنكولن غروب” وحصلوا على مقاولة للإشراف على كتابة مقالات يترجمها إلى العربية مقاول عراقي ثم يدفعها إلى مقاول آخر مهمته العمل على نشرها في صحف جرى الاتفاق معها مسبقا من دون الإشارة إلى أنها إعلان. وبطبيعة الحال كانت صحف أخرى غير مطلعة على الأمر تعيد نشر تلك المقالات باعتبارها من مصادر موثوقة.

كانت تلك المقالات تهتم بالجانب الإنساني للجنود الأميركيين مثل إنقاذ طفل من الموت، أو الاهتمام الطبي بالمصابين، أو توزيع المياه في القرى، أو رعايتهم عمليات مصالحة بين العشائر، خصوصا إذا كانت مختلفة المذهب.

وإذا كان كشف تلك الفضائح تسبب في إغلاق شركات ومؤسسات أنشأتها الإدارة الأميركية، إلا أن هذه الإدارة ما زالت تمارس الدور ذاته بأساليب أخرى ستنكشف لاحقا، مثلما كشفت فضيحة تدريب ضباط سابقين على التحليل وتوزيعهم على المؤسسات الإعلامية باعتبارهم خبراء، بعد تزويدهم معلومات بعضها صحيح لكن معظمها مضلل.

كشفت هذه الفضيحة، منذ يومين، صحيفة ” نيويورك تايمز” التي أفادت أن وزارة الدفاع كانت تنظم لهؤلاء رحلات خاصة إلى العراق ليعودوا إلى نشر ما زودوا به من معلومات في الطريق، من دون الالتفات إلى ما شاهدوه على الأرض في تحليلاتهم.

كانت وزارة الدفاع تضمن ولاء هؤلاء المحللين بطريقتين: الأولى: لأنهم جنود سابقون لا يمكن أن يكونوا ضد المؤسسة التي أمضوا جل حياتهم فيها. والثانية: أن الوزارة كانت تدفع لهم مقابل عملهم، فضلا عما يتقاضونه من الوسائل الإعلامية.

والخطير في الأمر أن مصلحة هؤلاء أصبحت في إطالة أمد الحرب. وأصبحوا ينطلقون في تحليلاتهم من ضرورة إدامتها “لاستئصال الإرهاب”.

فضائح الإعلام الحر كثيرة تعادل في بعض الأحيان جرائم الحرب.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق