الإعـلان الإسـلامي.. المفهـوم والأنواع

ثقافة عامة

قراءة : 308 | طباعة : 37 | إرسال لصديق : 0 | عدد المقيمين : 0

الإعلان اصطلاحاً: وسيلة غير شخصية لتقديم الأفكــار أو السلع أو الخدمات بواسطة جهة معلومة مقابل أجر مدفوع. وهو فن يعتمد على الإغراء، إغراء الأفراد والجماعات المستقبلين سواء منهم الحقيقيون أو المحتملون، كما أن الإعلان عموماً يُعدّ نشاطاً اتصالياً متكامل الأركان، فهو يتكون من رسالة معينة تحمل مضموناً محدداً برموز معينة يصدرها طرف وتستقبلها أطراف أخرى. وتقصد الرسالة الإعلانية تأثيراً معيناً على الفرد المستقبِل.

وتختلف وسائل الإعلان باختلاف وسائل الاتصال من إذاعة وتلفزيون وصحف ومجلات ودوريات ووسائل أخرى متنوعة. والإعلان بصفة عامة هو نشاط اقتصادي تأثيري يجمع بين المنتِج والوسيط والجمهور المستهلك. ومخطئ من يعتقد أن الإعلان نشاط سهل أو اعتباطي، إنما هو فن وصناعة مركبة تحتاج قدرات تقنية وعلمية وفنية حتى يكون الإعلان ناجحاً ويؤدي وظائفه التي من أجلها تم إيجاده.

• رؤية إسلامية للإعلان:

هل هناك رؤية إسلامية للإعلان؟ وهل هناك إعلان إسلامي بهذا المفهوم العام؟

والجواب إيجابي طبعاً: نعم! هناك رؤية إسلامية تأصيلية للإعلان، ويمكن البدء بأحد النصوص النبوية الشريفة؛ فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه مرَّ ذات يوم على صبرة طعام في سوق المدينة فأدخل يده الكريمة فيها فوجد فيها بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» أجابه: أصابته السماء يا رسول الله! فقال له رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غشَّنا فليس منا».


ومن خلال هذا الحديث الشريف يتبين لنا كيف ينظر الإسلام إلى الإعلان، فالرجل البائع كان يعلن عن سلعته بطريـقـة غيـر سليـمة فـيها تمويـه وزيـف وخداع. والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما وجد البلل أسفل السلعة والجافة فوق أنكر على البائع طريقته في الإعلان عن سلعته بحيث أمره أن يجعل المبلل فوق الطعام حتى يطَّلع عليه الناس كلهم ولا ينخدعوا بالمظهر البراق.

وهذه هي الطريقة الأصوب في الإعلان عن سلعة ما. بمعنى آخر: يحظر الإسلام الإعلان عن سلعـة بسـبل ملتـوية فيها غش وخداع.. كما أن الرسـول ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ نهى كل بائع أن يمدح بضاعته أكثر من اللازم بحيث يغدق عليها أوصافاً لا تتوفر عليها في الواقع، وهذا تدليس ينهى عنه الإسلام، بل إن هناك كثيرين ينغمسون في كثرة الحلف والأيْمان قصد بيع بضائعهم، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إياكم وكثرة الحلف في البيع؛ إنه يُنَفِّق ثم يمحق».

والواقع الحالي يُظهر لنا مدى المدح الزائد بل غير اللائق وغير الشرعي الذي يرافق الإعلانات التي نراها اليوم ونشاهدها على شاشات التلفاز وصفحات الجرائد والمجلات وفي المحلات التجارية وغيرها، إعلانات متنوعة تصيب المشاهد بالدوار من فرط كثرتها ومن طرائق إخراجها التي ضاهت تقنيات الإخراج السينمائي وفنيات الإغراء وأشكال الزينة، وهو ما يؤثـر سلباً على المتـلقي.

أمـا الإعلان في حـد ذاتـه فلم يسـبق في علمنا المتواضع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرَّمه هكذا لذاتـه، بل ما نهى عـنـه هـو أن يكون الإعلان عـن السـلعة أو البضاعة وإشهارها بالطرق الملتوية والتحايل والتزييف، وغيره.

• الدواعي:

لكن رُبَّ سائل يقول: وما الداعي إلى وجود هذا الإعلان الإسلامي؟

والجواب يكمن في أن هناك مبررات عديدة لصياغة إعلان إسلامي يحترم الفرد والجماعة، فهناك مبررات شرعية وأخرى دعوية واقتصادية أيضاً. لكن قبل عرض هذه المبررات ينبغي أولاً تحديد مفهوم الإعلان الإسلامي.

إن الإعلان الإسلامي هو نشاط اتصالي غير شخصي وإبداع فني مشروع يعتمد على الوضوح في عرض المنتج مع الإفصاح عن طبيعة وشخصية المنتج حتى يستقبلها المتلقي مرتاح البال، فلا يشوش عليه مدح زائد أو إطراء فاضح. والأهم من هذا وذاك في الإعلان، من المنظور الإسلامي، هو أنه لا يدعو إلى حرام.

كتب الأستاذ أحمد عيساوي يقول: «الإعلان الإسلامي نشاط اقتصادي مشروع يتكيّف وفق صيغ الحكم الشرعي للمكلَّفين؛ فهو حرام في مواضع الحرمة وهو حلال في مواضع الحل، وهو واجب في مواضع الوجوب، وهو مكروه في مواضع الكراهة، ومندوب في مواضع الندب. ثم إن الإعلان الإسلامي نشاط اجتماعي وثقافي وتربوي وتعليمي ينسجم مع واقع وثقافة وقيم ومرجعية الجمهـــور المسلم؛ بحيــث لا يجوز بأي حال من الأحوال الإعلان عن أمر يخالـف معلوماً مـن الديـن بالضـرورة أو شـيئاً منـهياً عـنه أو حتى في دائرة المكروهات..».


إن الدواعي لقيام وجود إعلان إسلامي بحيثياته ومرجعياته الدينية كثيرة يمكن حصرها في المبررات الشرعية التي بإمكانها ضبط عملية الاتصال بين المرسِل والمرسَل إليه من خلال الرسالة الإعلانية والوسيلة الإعلانية أيضاً. وهناك دواعٍ تنموية باعتبار أن هذا الإعلان الإسلامي إذا ما تمت صياغته فسوف يكون لبنة أساسية في بناء صرح الإعلام الإسلامي الذي لم يتكامل بناؤه كلياً إلى اليوم باستثناء قنوات فضائية وبعض الصحف والمجلات ومواقع الإنترنت التي تساهم بشكل فعال في بناء هرم الإعلام الإسلامي، وتؤدي دورها الرسالي والدعوي بغية حماية الأمة الإسلامية من منزلقات الإعلان الغربي الخطير وتأثيره على الجمهور المسلم، وما قنواتهم التلفزيونية إلا خير دليل على ما يقدمونه من تحلل وتفسخ للقيم والأخلاق.


وهناك مبرر هام آخر لوجود الإعلان الإسلامي ألا وهو ضرورة ملء الساحة الإعلامية والإعلانية في الوطن العربي والإسلامي بمادة الإعلان الإسلامي المتكامل صورة وفنية ورسالة وإبداعاً وذوقاً، بحيث يخلِّص الجمهور الإسلامي من مخاطر تبعية الإعلان الغربي والأمريكي، وخير مثال يمكن إيراده في هذا الباب قوله ـ تعالى ـ في سورة الحج: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ..} [الحج: 27 - 28]. إن الأذان بالحج هو في الأصل إعلان عن بداية موسم الحج، ويمكن أن يرافق هذا الإعلان إخبار وإعلام بالمعاملات والإجراءات والفوائد التجارية وتبادل السلع المادية المواكبة لموسم الحج، وهذه من المنافع التي تحدثت عنها الآية الكريمة، ويمكن إضافة الإعلان عن شركات الطيران وأسعارها وخدماتها، وعن البنوك الإسلامية وتعاملاتها المالية، وعن أماكن الإقامة من فنادق وغيرها، وهذه من وظائف الإعلان الإسلامي؛ فمتى يكون لدينا إعلان إسلامي متكامل البناء والتصور؟ سؤال نطرحه على ذوي الاختصاص.


• أنواع الإعــلان الإســـلامي:

ويحـدد أهل الاختصاص أنواع الإعـلان الإســلامي فيما يلي:

1 - الإعلان السلعي: وهو الإعلان الذي يهدف بالأساس إلى تعريف الجمهور المسلم وغيره بالسلع المحلية والوطنية الإسلامية، وطرق استخداماتها، وفوائدها، ومزاياها، بقصد إقناعهم بالإقبال عليها واقتنائها، وهو قسمان:

أ - الإعلان السلعي الخاص: وهو الإعلان الخاص بفئة معينة من جمهور المستهلكين تكون محددة الانتشار؛ كجمهور الأطباء، والمهندسين، والفنيين. ويسمى هذا النوع بالإعلان السلعي الطبقي، أو الإعلان السلعي الخاص.


ب - الإعلان السلعي العام: وهو الإعلان الذي يتوجه إلى فئات كبيرة من المجتمع دون مراعاة لجنسهم، ولمكانتهم، ولمستواهم المالي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي؛ كالإعلان عن السلع الغذائية، والاحتياجات الضرورية؛ كالخدمات العامة للغاز، والمحروقات، والكهرباء، والماء، والهاتف.


2 - الإعلان الدولي (العالمي): وهو الإعلان الذي يتوجه عبر القـنوات الفضائية الكونية مخترقاً الحدود القطرية، معرِّفـاً جمـهور المستهلكين العالميين بالسلع، أو الخدمات، أو التسهيلات، أو المنشآت الإسلامية.


3 - الإعلان الوطني: وهو الإعلان الذي يتوجه بالأساس إلى حدود دائرة وطنية واحدة وفي قطر بعينه، بهدف تعريف المواطـنين الأصليين والمقيـمين معـاً بالـسلع، أو الخـدمات، أو التسـهيلات، أو المنشآت. وهو أكثر أنواع الإعلانات ذيوعاً وانتشاراً.


4 - الإعلان المحلي: وهو الإعلان الذي يتوجه إلى دائرة جغرافية معينة ومحدودة في القطر، وعادة ما يهدف إلى الترويـج للسـلع المحلية، أو يعرض لمنتجــات ذات جهة محلية، أو يعرِّف بخدمات وتسهيلات معروفة في إطار الحيز الجغرافي فقط.


5 - الإعلان الأولي: وهو الإعلان الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى التعريف والترويج معاً للسلــع أو الخدمــات المحليــــة والوطنيــة، بغضِّ النــظر عــن الســلع أو الخدمات المنافسة لها في السوق المحلية. وهدفه الرئيس التعريف والترويج وليس المنافسة.


6 - الإعلان الاختياري: وهو الإعلان الذي يهدف بالأساس إلى إحداث التأثير الفعال في الجمهور المستهلك؛ لتحويل قطاع كبير منهم عن السلع أو الخدمــات أو المنشآت الأخرى المعلن عنها، والمنتشرة بكثافة في السوق؛ ويبقى هدفه الرئيس التأثير والتحويل.


7 - الإعلان التعليمي: على الرغم من أن سائر أنواع الإعلانات تتضمن جوانب تعليمية وتربوية وتثقيفية مهمة عن السلع أو الخدمات أو التسهيلات أو المنشآت؛ فإن الإعلان التعليمي يصمم خصيصاً لتعليم قطاع كبير من الجمهور المستقبِل، وذلك لإفادتهم بطرق الاستخدامات المتنوعة للسلعة، ولتفهيمهم بالنتائج الإيجابية الناتجة عن إقبالهم على السلع أو الخدمات أو التسهيلات التي تقدمها الجهة المعلنة. ويبقى الهدف الرئيس لهذا النوع من الإعلانات هو التعليم وإكساب الخبرات المختلفة للجمهور.


8 - الإعلان الدعائي (الإعلامي): وهو الإعلان الذي يهدف بالأساس إلى تكوين انطباع طيب وإيجابي لدى جمهور المستهلكين، وذلك بهدف كسب ودّهم وميولـــهم نحو ما يعلن عنه من سلع أو خدمات أو تسهيلات أو منشآت، ولمحاولة تكوين رأي عام منسجم ومتعاطف يتفق وعقيدة وتصورات وأفكار وقيم المعلن؛ لتصحيح تصور أو فكرة خاطئة، أو محاولة تثبيت أخرى مكانها. وهذا النوع هو أخطر أنواع الإعلانات إطلاقاً؛ لأنه يمزج الإعلان بالدعاية وأنواعها الكثيرة، ولا سيما الدعاية التأثيرية منها، دون مراعاة لمزايا السلع أو الخدمات أو التسهيلات أو المنشآت، ومدى فائدتها وإيجابياتها.

ومع ذلك يمكن للدعاية الإسلامية استثماره وتسخيره على وجهه البنائي الصحيح، فيتوجه أساساً إلى التعريف بمزايا السلع والخدمات والمنتجات الإسلامية، ويعمل على تشجيع الجمهور المسلم خاصة وغير المسلم عامة؛ للإقبال عليها دون غيرها من المنتجات، والسلع المستوردة. وهو بذلك يؤدي أفضل وظيفة إعلامية ودعائية وإعلانية.

9 - الإعلان التحذيري: ويهدف هذا النوع من الإعلانات بالدرجة الأولى إلى التحذير ولفت الانتباه إلى وجود نوع مزيف أو مغشوش من السلع، أو نوع غير حقيقي يحمل العلامة الفارقة للمؤسسة أو المنشأة، ولكنه مزوَّر وغير صادر عن المؤسسة نفسها؛ وذلك لإيجاد حالة من الانتباه الدائم والحذر تجاه الأنواع المزيفة. وعادة ما يتضمن هذا الإعلان بعداً تعليمياً ودعائياً واضحاً، وذلك بقصد تنبيه الجمهور وتحذيره وكسب ثقته، وتقديم البدائل الإيجابية له. ويمكن لهذا النوع من الإعلانات أن ينتشر ويمتد في الحياة الاقتصادية للمجتمع الإسلامي بعد مرحلة التغيير الشاملة، عندما تستطيع المؤسسات الإسلامية تغطية كافة احتياجات الفرد والمجتمع المسلم. وهذا بعد قيام النظام الاقتصادي الإسلامي العالمي المنشود، وبعد سيادته المطلقة محلياً، وإقليمياً، وعالمياً، وبعد أن يمتد أيضاً في الواقع العملي المعيشي، وبعد أن يمكِّن لتقاليد اقتصادية إسلامية عتيدة، ويؤصل لعلامات تجارية فارقة (ماركات) إسلامية. ويستخدم هذا النوع من الإعلانات - الآن - في بعض المجتمعات الإسلامية عبر مختلف الوسائل الإعلانية والإعلامية والدعائية؛ لتحذير الفرد والمجتمع المسلم من أخطار المخدرات، والتدخـين... إلخ من الانحرافات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسن الأشـرف (البيان:250)





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق