صحافة الأطفال والتنشئة الاجتماعية

ثقافة عامة

تلعب وسائل الإعلام دورا كبيرا في عملية التنشئة للطفل، بما تتضمن من معلومات مقروءة ومرئية ومسموعة؛ إذ يقصد من عرضها وتقديمها للجماهير عامة إحداث تغييرات وتأثيرات متعددة.

وتعرف التنشئة الاجتماعية بأنها عملية تربوية، تسهم فيها وسائط تربوية متعددة على نحو مقصود وغير مقصود، ويتمثل بها الفكر والقيم والمعايير والرموز، ويتعلم ضروب السلوك التي تشيع في الحضارة فيتحول من مجرد كائن بيولوجي إلى إنسان ناضج مؤهل يشغل وضعا أو أوضاعا في الجماعة التي ينتمي إليها.

ويختلف ناتج عملية التطبيع باختلاف الوسائط المختلفة فيها، بعكس ما كان يشيع في الكتابات الأولى، فإن عملية التنشئة الاجتماعية لا تتوقف بعد مرحلة الطفولة وبلوغ الشباب، ولكنها تستمر في مراحل دورة الحياة المختلفة، وإن كانت تسير بمعدلات أبطأ وبتأثيرات أقل وخصوصا مما يحدث في مراحل العمر الأولى، ونتحدث هنا عن مراحل النمو المختلفة للطفل:

مراحل نمو الطفل:
ما زال مفهوم مراحل النمو من أهم القضايا الكبرى، التي لم تحسم بعد في علم نفس النمو، والمراحل عبارة عن أطوار متتالية من النمو يكمل بعضها البعض، ويبني كل منهما على الآخر وفق الترتيب الزمني لكل مرحلة، وهناك تقسيمات عديدة لمراحل النمو عند علماء النفس... إلا أن أغلبهم أخذوا بتقسيم “فيلدمان” لمراحل النمو المختلفة. إذ إن هذا التقسيم بصفة عامة يمثل أساسا مقبولا؛ توفيقي له طابع عملي، يعتمد على المشاهدة والوصف فقط، ويخدم كثيرا من الأهداف العملية.

ونثبت هنا مراحل نمو الطفل عند ” فيلدمان” ، والتي تستطيع دوريات الأطفال ان تلبي احتياجاتهم من خلالها وهي كما يلي:

1- الفترة الأولى من الطفولة: وتمثل فترة الاستئناس وبداية التنشئة الاجتماعية، ويكوِّن فيها الطفل أطراً مرجعية من الوالدين والكبار، وتمتد من السنة الثالثة حتى نهاية السنة الخامسة.

2- الفترة الثانية من الطفولة: وتمثل قدرة الطفل على المشاركة خصوصا مشاركة أنداده، وتبدأ المرحلة الثانية من التنشئة الاجتماعية، وتتسع بيئة الطفل إلى خارج المنزل. وتمتد من السادسة حتى الثانية عشر.

3- فترة المراهقة وتمتد من 13 حتى 18 سنة، وتنقسم بدورها إلى فترتين متمايزتين هما:

أ‌- بداية المراهقة أو الفترة الأولى من المراهقة، وتمثل المرحلة الثالثة من التنشئة الاجتماعية، والتي يبحث فيها المراهق عن هوية جديدة خارج نطاق أسرته ونماذج جديدة للسلوك من بين أفراد الجماعات التي ينتمي إليها.

ب‌- الفترة الثانية من المراهقة، وفيها يستقر المراهق على هويته الجديدة ويدافع عنها وتصبح للشخصية تفردها واستقلالها. ولا شك أن كل مرحلة من هذه المراحل تتطلب احتياجات ومطالب معينة من الدورية الصحفية التي تخاطب جماهير الأطفال في هذه المرحلة. ونتحدث الآن بإيجاز عن أهم احتياجات مراحل الطفولة ودور صحافة الأطفال في تلبية هذه الاحتياجات، وحسب كل مرحلة.

أولا: احتياجات المرحلة الأولى للطفولة: ( من 3-6 سنوات):
مما لا شك فيه أن الطفل في هذه المرحلة الخطيرة من عمره يتطلب احتياجات عديدة، منها نمو الثقة في الذات والآخرين وتكوين المفاهيم الأولية عن بعض حقائق البيئة التي يعيش فيها، واكتساب الضمير ومعايير الصواب والخطأ على الأشياء. ويحتاج الطفل أيضا في هذه المرحلة إلى تكوين الروابط الاجتماعية والانفعالية مع الآخرين خصوصا الأبوة والأخوة، ويتصف الأطفال في هذه المرحلة بحب الاستطلاع والرغبة في البحث والاستكشاف؛ حيث يرغب الغالبية العظمى منهم في لمس الأشياء وشمها وتذوق طعمها وفحص محتوياتها، والتطلع إليها، والاستماع لما يمكن أن تصدره من أصوات وأنغام.

ومن هنا فإنه يلزم مساعدته على تنمية القدرة على الانتباه والإدراك والتذكر، والقدرة على التعبير اللفظي السليم عن النفس أو الغير، واكتساب مفاهيم العدد والوزن والطول والشكل والحجم واللون والمكان والزمان.

ويلاحظ أن الطفل عند بدئه الكلام يستخدم الأسماء أكثر من الأفعال؛ فالفعل أكثر تعقيدا من الاسم، وأن الكلمات التي تدل على المكان (هنا ـ هناك) تسبق الكلمات التي تدل على (أمس ـ اليوم ـ غدا)، أما الكلمات الدالة على المعاني المجددة(العدل ـ الرحمة) فتأتي في مرحلة متأخرة جدا.

والكتابة للأطفال في المرحلة الأولى من مراحل الطفولة تخرج على القواعد والأنماط المألوفة؛ إذ إن الكتابة هنا مزج بين علوم التربية والسلوك والأخلاق، كل ذلك على أن تكون جميعا متفقة مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، مع حاجته إلى الوقوف على الآداب كآداب المائدة.

وقوالب علم التحرير الصحفي المستخدمة في صحف الأطفال يجب أن توضع على أساس جديد، فلا يتقيد بما نعرفه عن أسس فنيه لعلم التحرير الصحفي.

وتهدف مادة التحرير في هذه المرحلة بذر الحب في قلوب الأطفال، ولفت نظرهم إلى العادات الطيبة مثل النظافة، واحترام الكبير، واحترام ملكية الغير.. وكل هذه المواد الصحفية التي تؤكد هذه المعاني وتلك القيم تخرج في شكل قصصي أغلب أبطالها من الحيوانات الأليفة المعروفة في البيئة المحيطة بالطفل، كمثل: العصافير والقطط والبط والأوز والطيور والنباتات، بمعنى أن التحرير يكون أغلبه قصصا مصورة وكلمات قليلة في حجم كبير وخط واضح مشكول الحروف على أن يكون التشكيل ملونا بلون مغاير للون حبر كتابة الكلمات، مع نشر بعض صور للأطفال الممتازين في معاملاتهم لزملائهم أو لتفوقهم في الدراسة أي الإشارة بالمجدين من الأطفال.

ثانيا: احتياجات مرحلة الطفولة الوسطى ( 6: 12 سنة):
يحتاج الأطفال في هذه المرحلة إلى تعليم المهارات الجسمية والحركية مثل الألعاب الرياضية وغيرها، وكذلك المهارات الاجتماعية، وإلى تكوين اتجاه إيجابي نحو التراث أي الثقة في الذات وتقديرها، وإلى تعلم الدور الاجتماعي الذي تناسب مع عمره وجنسه وتكوين الصداقات، وتكوين التصورات الضرورية عن الحياة اليومية واكتساب المهارات المدرسية (التحصيل ـ التفكير ـ التمييز)، ويحتاج أيضا إلى الاكتفاء الذاتي واستقلال أحكامه ومعاييره على الآخرين، وإلى تنمية الاتجاهات الاجتماعية الإيجابية نحو الطوائف والهيئات والمؤسسات الاجتماعية في محيطة وبيئته.

والطفل في هذه المرحلة يعنى بالحقيقة ويهتم بالواقع، ويعزف عن الأمور الخيالية والوجدانية نوعا ما، ويظهر عنده حب السيطرة وغريزة المقاتلة. فنراه يتسلق الأشجار والأسوار ويشترك في الألعاب التي تظهر فيها المنافسة والشجاعة. ومن أجل هذا أطلق على هذا الطور “طور المغامرة والبطولة”. فيقبل الطفل على القصص البوليسية وقصص الحروب والمخاطرات، وأحيانا تهدف هذه القصص أهدافا غير مفيدة وشريرة، كأن تشجع مثلا على التهور أو اللصوصية أو غير ذلك. من أجل ذلك يجب الحذر عند اختيار فكرة القصة؛ فيلزم أن تكون ذات دوافع شريفة وغايات محمودة كقصص صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد وعمر المختار، ومشاهير الصحابة والقادة والعلماء.

والطفل في هذه المرحلة قد اكتسب سهولة في التعبير ودقة في استعمال اللفظ، ويكون قاموسه اللغوي قد وصل إلى مرتبة أعلى، ويمكنه إذ ذاك أن يعطي وقتا أكثر لتذوق الجمال في اللغة؛ خصوصا وأن تذوق الجمال يتمشى مع الطبيعة السيكولوجية لهذه المرحلة....

ويبدأ الطفل في تذوق اللغة وآدابها بروح جديدة عندما يستطيع أن يقرأ لنفسه قصصا تثير خياله، تتضمن أفكارا جذابة عن عوالم جديدة عليه ويتيسر له ذلك ابتداء من الثامنة، ويحدث من آن لآخر أن يتصفحوا بعض الكتب التي تحتوي على نوع من الأدب فوق مستواهم...

ويظهر الأطفال في هذه المرحلة ميلا أقوى إلى عالم الواقع والحقيقة، وينظرون إلى الطبيعة حولهم بشغف واستطلاع. فإذا لم يتمكن من القيام برحلات ـ مثلا ـ نجد أنه يميل أشد الميل إلى قراءة كتب الرحلات بصفة خاصة، وهذه فرصة رائعة لتشجيعه على تذوق اللغة من خلال أدب الرحلات والاكتشافات.

والأطفال في هذا السن يقضون وقتا أطول من أي سن أخرى في القراءة، ويميلون إلى الكتب التي تتصل بالموضوعات المهمة عندهم كالخيل أو الزواحف أو العربات أو القصص العلمية، وفوق ذلك... فهم في حاجة إلى كتابات تدفع بهم وتحركهم إلى المناقشات الجماعية وإلى إثبات الذات مع الآخرين. ويبدأ الطفل في هذه المرحلة باتخاذ القدوة والمثل الأعلى من أشخاص آخرين، ويزداد إحساس الطفل بذاته، ويمعن في طلب إثباتها وينفتح على العالم فيهتم بمشكلاته التي تظهر في المجتمع.

ومن هنا فإن نوعية التحرير الصحفي وأنماطه تختلف وتتغير بحيث يكثر من الأخبار وتقديم مزيد من المعلومات، ومن الممكن أن يتم ذلك من خلال حوار يدور مثلا بين معلم وتلميذ أو غير ذلك.

والحقيقة أنه يفضل أن يترك اختيار أشخاص الأبطال للمسئولين عن تحرير دورية الطفل من الرموز أو الأشخاص، وإن كان يفضل الشخصيات الإنسانية هنا؛ لأن الطفل في هذا السن يكون قد اتضحت شخصيته ويصبح على القائمين عن تحرير صحفهم العمل على تنميتها.

إذاً فالمادة الصحفية هنا تكون خبرا أو قصة فيكون مضمون الخبر مثلا عن أخبار المتفوقين من الأطفال والممتازين منهم والحاصلين على مكافآت وجوائز عالية. وكذلك أخبار الرياضة وأبطالها والجديد من الاختراعات والاكتشافات، على أن يكون الخبر بسيطا بحيث لا يتعدى عشر كلمات، وتتجه الألوان إلى التناسق بدلا من التباين، كما كانت في المرحلة السابقة. وتتجه حروف المتن نحو التصغير نوعا ما، ويقل تشكيل الكلمة وتضع علامات التشكيل على الكلمات الأولى والأخيرة، التي يخشى أن تصنع التباسا في المعنى أو النطق.

وكذلك في نهاية هذه المرحلة فإن الأنماط التحريرية يعتريها شيء من التطور؛ بمعنى أن نبدأ بإدخال عنصر الحديث الصحفي إلى جانب الخبر والقصة لأهميته؛ لأنه يقدم للأطفال من خلاله المعلومات والقدوة والمثل الأعلى على أن يكون المحرر للحديث قادرا على تقديم الشخصية، التي أجرى معها الحديث إلى الأطفال من خلال الكلمات، وذلك يتوقف بداية على نوع الأسئلة وصياغة الإجابة عليها ورسم الجو الذي أجرى فيه الحديث مثل الزمان والمكان والظروف المحيطة لنقل الطفل إلى جو الموضوع.

وخلاصة القول: فإننا لكي نكون ناجحين في عمل صحافة الأطفال، لا بد وأن نكون قادرين على رؤية عالم الأطفال والمراهقين من واقع هذا العالم، لا من خلال واقع الكبار؛ أي نرى الألوان والأشياء والقضايا والمشكلات بعين المراهق أو الطفل من واقع دنياه لا بعيوننا، ومن واقع دنيانا نحن الكبار.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق