تاريخنا المتلفــز

ثقافة عامة

سؤال يفرض نفسه: لماذا الإصرار على تقديم شخصيات تاريخية محددة مرات ومرات؟

أليس في تاريخنا القديم شخصيات أخرى لعبت أدواراً سياسية أو ثقافية أو علمية وكان وجودها سببا في نمو المجتمع الإسلامي، حيث أصافت إليه الكثير، وحققت سبقا فريدا في شتى الميادين التي استوعبت تلك الطاقات الخلاّقة وفسحت لها المجال لتضاعف رصيد هذه الأمة من الأعمال الخالدة؟!.

إن مما تميزت به الحضارة الإسلامية هو أن تلك الشخصيات الناجحة صحبتها زمر متتابعة من المؤرخين العظام الذين آثروا صحبة تلك النماذج الفريدة، وتدوين سيرهم، و نقل أقوالهم، وإثبات أرائهم ومواقفهم من أحداث الحياة من حولهم والتي أكدت التزامهم بما يدعون إليه الناس، وسبقهم في تمثل الأفكار التي اقتنعوا بها، وبذلهم للوقت، وإفراغهم للجهد من أجل إنجاح أهدافهم في خدمة العلم والثقافة، والشواهد، و الآثار التي دونت في عشرات الآلاف من الأوراق التي أصبحت وعاء لذلك المخزون الفريد من التجارب الإنسانية الغنية بالمواقف المسؤولة، وتؤكد شموخ الشخصية الإسلامية وحيويتها، وتفاعلها مع قضايا المجتمع، وجدارتها بأن تكون حاضرة في أذهان الأجيال التي تلتها، لتكون أسوة ومثلا على الالتزام والأمانة واحترام الذات.

وما زالت كتب التراجم قادرة على أن تمد الباحث الجاد، والكاتب الذي لديه شعور عال بالانتماء إلى ذلك الزمن المتدفق، ولديه الرغبة في إنجاز مهمة إعادة تقديم القدوات والرموز التي أثرت في مسيرة المجتمع الإسلامي في الأجيال الجديدة التي لا تشعر بالانتماء إلى ثقافية أمتها؛ لأنها جاهلة بمفردات تلك الثقافة، ومغيبة عن ذلك التراث الفريد القادر على أن يعيد شيئا من التوازن إلى أجيال الألفية الثالثة فيما لو كان هناك مشروع إعلامي وقائي يسلط الضوء على أبرز المواقف الإيجابية التي برع بتقديمها رموز المجتمع الإسلامي في العصور السابقة.

ويأتي كتاب (سير أعلام النبلاء) الذي ألفه الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي كأحد الأمثلة الشاهدة على مدى الحفاوة التي حظي بها علم نقد الرجال في تاريخ المجتمع الإسلامي، وعلى أن التأريخ لسير الأعلام في الحضارة الإسلامية كان علما قائما بذاته، ولم يكن تابعا لعلم من العلوم، وإن نشأ في بادئ الأمر بقصد الوقوف على أمانة راوي الحديث في النقل والحفظ، إلا أنه أصبح بعد ذلك علما مستقلا بذاته، وأصبح هدفا؛ يسعى لتحقيقه أولئك الذين آمنوا بالأدوار النوعية التي قام بها أفراد هذه المجتمعات في خدمة الحضارة والإنسان.

وكتاب سير أعلام النبلاء ترجم للآلاف من الشخصيات القادرة على أن تؤثر في أجيال اليوم كما أثرت في الماضي، فيما لو أعيد تقديمها بقالب عصري توفر له أدوات النجاح المطلوبة من النص الجيد، والحوار السلس البعيد عن التكلف والتصنع الذي غدا الأسلوب السائد في أغلب المسلسلات التاريخية.

فأنت ترى اللغة العربية التي ينطق بها الممثلون غاية في التكلف خاصة فيما يختص بالأداء الحركي والانفعالي المصاحب للكلمة المنطوقة، وهذا ـ في اعتقادي الخاص ـ هو أحد الأسباب الكبرى لعزوف الشباب من الجنسين عن متابعة المسلسلات التاريخية، فالاحتقان في الأداء، والمبالغة في إظهار المشاعر والتصنع في الحركات والإيماءات، والإشارات المصاحبة لها تكاد تكون في معظمها جرعات إضافية زائدة لا علاقة لها بالحدث الذي تزعم تجسيده أمام الجمهور.

بل إن من آثار الجنوح إلى التكلف والمبالغة في أداء الممثلين للمسلسلات التاريخية أن المشاهد البسيط انطبعت في مخيلته صورة غريبة عن واقع المجتمعات في تلك القرون، وفَهِم ـ نتيجة للأداء المفتعل الذي رآه على الشاشة ـ أن العنف كان هو الخيار المفضل لأغلب الشخصيات التي أثرت في التاريخ الإسلامي مما أفرز حالة من الشعور بالغربة وعدم القدرة على التواصل مع تلك القرون الخالدة.

ضعف في الرؤية وقصور في الفهم
لقد صورت الأحداث التاريخية وكأنها نتاج خصومات وصراعات لا تنتهي بدءاً من الخصومة والتنازع على كراسي الحكم، ومرورا بالصراعات المذهبية، والانتماءات الفكرية وانتهاء بالصراع تداخل الأسرة الواحدة حيث يغدو التشنج والنبرة الصوتية الحادة والغضب الشديد أدوات لنقل الآراء والأفكار مما جعلها مخالفة للصورة الطبيعية الشفافة والجذابة التي صبغت كثيرا من تفاصيل الحياة الاجتماعية بصبغة التعاون والتواصل الإيجابي والمشاركة الفعلية!!

غير أن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه كتاب المسلسلات التاريخية هو محدودية الدور الذي تؤديه الشخصية التاريخية التي يتناولها العرض التلفزيوني، إذ أنها تقدم عادة في إطار درامي شديد الجدية، مما يفقد العمل المعروض عفويته وتلقائيته وانسيابيته التي كان من المفترض أن تكون أول الأدوات المعتمدة في تشكيل العمل الدرامي وتحديد هويته الموضوعية والفنية في آن واحد.

لقد ادعى أصحاب تلك النصوص التاريخية المجتزأة من سياقها الطبيعي للأحداث أنهم ومن خلال العرض الدرامي قدموا مادة سهلة الهضم، ومقبولة لدى جمهور المشاهدين، والحقيقة أن تلك المادة لم تكن سهلة الهضم على الإطلاق، بل إنها حين قدمت للمشاهد فقدت معظم أجزاء نسيجها العضوي وأصبحت شيئا هلاميّا لا يمكن الاعتماد عليه في قراءة أعماق الشخصية التي تدور حولها الأحداث التي قدمت بصورة غير واقعية وأقرب إلى أن تكون كتابات من نسج خيال كاتب معتل المزاج منها إلى محاكاة فنية تجسد الماضي على طبق غني بأصناف الفوائد والمتع الروحية والمعرفية.

واللافت حقا إصرار الإعلاميين المشتغلين بهذا الحقل المهم على تصوير أعمال أعلام هذه الأمة على أنها شيء يدخل في إطار الخوارق ويفوق في حجمه ومقداره طاقة الفرد العادي، كما يتم تصوير تلك الشخصيات التي تدور حولها الأحداث التاريخية على أنها مثل أعلى مجرد من العيوب ومنزه عن الخطأ في القول والفعل مما يؤثر على مصداقية العمل من جهة، ويشعر المشاهد بالإحباط وعدم القدرة على مجاراة تلك الشخصية الكاملة التي تقدم وكأنها ليست من جنس البشر وإنما من صنف الملائكة من جهة أخرى.

وهي مبالغة أفسدت بريق العمل ا لفني، وأطفأت لدى المشاهد الحماس في تقليد ومحاكاة المشاهد والمواقف التي أدتها تلك الشخصيات البارزة، ولست أرى خطيئة للأعمال التاريخية أكبر من هذه الخطيئة.

ما يضاعف من حجم الهوة بين المشاهد المتلفزة والواقع هو تقديم شخصية البطل بصورة جامدة توحي بالصدمة لدى المشاهد الذي تختفي من أمامه أية صور باسمة أو مرحة لشخصية البطل الذي يصور متجهما طيلة حلقات المسلسل دون منطق وجيه أو سبب مقنع لذلك القالب الجاف الذي يظهر به طيلة الوقت.

وكأن أبطال تلك المسلسلات قد قاطعوا الحياة وآثروا العيش في صومعة العلم، حيث تختفي الابتسامة وتنعدم القدرة على التجاوب مع الفكاهة والظرف، ويحضر الوجوم والصمت، وتصبح حركات البطل بطيئة ثقيلة يتحرك وكأنه يجرُّ أحمالاً من الحزن والقلق والهموم التي لا نهاية لها!! حتى انطبع في أذهان كثير من المشاهدين أن هذه الصورة التي يرونها هي الأنموذج الصحيح لرجال الإسلام المخلصين الذين سجلوا أروع مواقف التضحية والإيمان بالهدف والغاية!!

فليس الدين مصدرا للكآبة والتجهم، كما أنه ليس خصما للحياة وإنما يدعو للتصالح معها، والاستمتاع بمباهجها على النحو الذي عرفه الأولون، وتمثلوه بشكل صحيح.

لقد أخفقت المسلسلات التاريخية في نقل صورة أمينة للرموز الذين تركوا بصمات خالدة لن ينساها الزمن يوما من الأيام.

ـــــــــــــــــــ





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق