علاقة اضطراب الوسواس القهري باضطرابات الشخصية ::

الصحة والغذاء والطب

علاقة اضطراب الوسواس القهري باضطرابات الشخصية ::

أ.د وائل أبو هندي

منَ المهم بدايةً هنا أن أبينَ الفرقَ بين مفهوم اضطراب الشخصية في الطب النفسي وبينَ مفهوم الاضطرابات الأخرى كاضطراب الاكتئاب أو الوسواس القهري مثلاً، فمعنى اضطراب الشخصية هوَ أنه اضطرابٌ مُمْتدٌّ قد يستوعبُ العمرِ مع المريض، ولا تستطيعُ أن تحددَ لهُ بدايةً ونهايةً مثلما هوَ الحالُ في معظم إن لم يكن كل الاضطرابات النفسية الأخرى فاضطراب الشخصية إذن هوَ أسلوبُ حياةٍ يبدأُ مع الشخص منذُ سنين مراهقته أي من قبل أن يدخل في مرحلة النضج ويتميزُ بكونهِ أسلوبٌ ثابتٌ يفتقدُ المرونةَ ويظهرُ في معظم إن لم يكن كل أفكار الشخص ومبادئه ومشاعره ويؤثرُ بالطبع على العلاقات البين شخصية للإنسان وهو يسببُ قدرًا كبيرًا من المعاناة لا للشخص وحده بل للمحيطين به أيضًا وهناكَ بالطبع أنواعٌ عديدةٌ من اضطرابات الشخصية تم تقسيمها إلى ثلاثة مجموعات حسب نوعية الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي تتشابه في كل مجموعة منها.

وعندما وضع الأمريكيون تصنيفهم التشخيصيَّ الإحصائيَّ الثالث جعلوا تشخيص اضطراب الشخصية على محورٍ مستقل عن تشخيص الاضطرابات النفسية الأخرى التي يفترضُ فيها أنها عابرةٌ أو أنها تطرأُ على حياة الشخص بعد فترة من الحياة بصورة طبيعية بينما الأمر مختلف في حالة اضطرابات الشخصية لأنها كما قلتُ تبدأُ في نهاية المراهقة أو مبكرًا في بداية مرحلة الرشد،

**ومعنى ذلك أن الشخص يمكنُ أن يأخذَ تشخيصًا على المحور الأول من محاور التشخيص مثل اضطراب الوسواس القهري

** ويأخذُ أيضًا تشخيصًا على المحور الثاني وهوَ اضطرابُ شخصيةٍ أيا كان نوعهُ ومن الملاحظات التي وجدها الباحثون في الطب النفسي كما وجدها الأطباءُ النفسيون أن نسبةً كبيرةً من مرضى اضطراب الوسواس القهري يأخذون تشخيصًا على المحور الثاني أي تشخيص اضطراب شخصيةٍ؛

والحقيقةُ أن هذا الموقف متكررٌ دائمًا مع معظم اضطرابات القلق الأخرى كنوبات الهلع مثلاً لكن نسبةَ وجود اضطراب شخصية في مريض الوسواس القهري كانت تظهرُ دائمًا أعلى من غيرها فقد بلغت معدلات انتشار اضطرابات الشخصية في مرضى اضطراب الوسواس القهري ما بين 33 %و87 % وهذه نسبةٌ كبيرةٌ بالطبع خاصةً إذا عرفنا أن هذه النتائجُ متكررةٌ في الدراسات المختلفة بغض النظر عن نوعية التشخيص وعن نوعية الأدوات أو القياسات النفسية المستخدمة فيه (Rasmussen Tsuang, 1986) و(Joffe et al.,1988) و(Mavissakalian et al.,1990)a و(Baer,et al.,1992) و(Black ,et al.,1993) و(Thomsen Mikkelsen , 1993) وهيَ بالطبع أكثرُ ظهورًا في نزلاء المستشفيات النفسية(Bejerot et al.,1998) من مرضى اضطراب الوسواس القهري عنها في مرضى الوسواس القهري الذين لا تصل حالاتهم إلى الشدة التي تستدعي دخول المستشفى.

وجدتْ كلُّ أنواع اضطرابات الشخصية في مرضى اضطراب الوسواس القهري لكنَّ أكثرَ الأنواع وجودًا هي تلك الموجودةُ في المجموعة الثالثةِ من اضطرابات الشخصية Cluster C ، وتسمى هذه المجموعة (Black ,et al.,1993)و(Mavissakalian et al.,1990)b و(Ravizza et al.,1995)و (Bejerot et al.,1998) من اضطرابات الشخصية بالمجموعة القلقة أو الخَوَّافَةAnxious or Fearful Group

وتشملُ اضطراب الشخصية القسرية Compulsive Personality Disorder
واضطراب الشخصية الاعتمادية Dependent Personality Disorder
وكذلك اضطراب الشخصية التجَـنُّبية Avoidant Personality Disorder ،

كما كان هناكَ من المجموعة الأولى Cluster A من اضطرابات الشخصية اضطراب الشخصية الزورانية (البارانويدية) Paranoid Personality Disorder
ووجدَ ذلك الاضطراب في نسبة لا يستهانُ بها (Bejerot et al.,1998)، كما وجدَ أيضًا من المجموعة الأولى Cluster A من اضطرابات الشخصية النوع المسمى باضطراب الشخصية الفصامية النوع Schizotypal Personality Disorder والذي تبينُ الدراساتُ أن وجودهُ مع اضطراب الوسواس القهري يجعلُ المآل المرضيَّ للوسواس أسوأ من كل الأنواع، وكما بينت في مقال الوسواس القهري والشخصية القسرية فإن العلاقةَ التي كانت تفترضُ قديمًا بين اضطراب الشخصية القسرية واضطراب الوسواس القهري لم تستطع الثبات أمامَ العديد من الأبحاث والدراسات العلمية الحديثة.

أما عن معنى كثرةِ وجود اضطراب شخصيةٍ مع اضطراب الوسواس القهري فهناك أربعةُ احتمالات لكل منهم وجاهتهُ

فأما الأول فهوَ أن اضطراب الوسواس القهري على المحور التشخيصي الأول يهيئُ الشخص للإصابة باضطراب شخصية على المحور التشخيصي الثاني، ولابد أن نسترجعَ هنا أن كثيرا من حالات اضطراب الوسواس القهري تبدأُ في الطفولة ولذلك يمكنُ أن تؤثر في تكوين الشخصية.

وأما الاحتمال الثاني فهوَ عكسُ الاحتمال الأول أي أن وجود اضطراب شخصية يهيئُ الشخص للإصابة باضطراب الوسواس القهري، والحقيقةُ أن وجود اضطراب شخصيةٍ يهيئُ الشخص للإصابة بالعديد من الاضطرابات النفسية خاصةً من مجموعةِ العصاب القديمة أي ما يسمى اليوم بمجموعة اضطرابات القلق Anxiety Disorders ومنها الوسواس القهري والاضطرابات شبه الجسدية Somatoform Disorders حسب التسمية الأمريكية الجديدة.

وأما الاحتمال الثالث فهوَ أن عاملاً بيئيـًّا أو حيويًّـا مشتركًا يهيئُ الشخص للإصابة بكلٍّ من اضطراب الوسواس القهري واضطراب الشخصية والحقيقةُ أن افتراضًا كهذا يصعبُ إثباتهُ في الوقت الحاضر على الأقل فليس من السهل مثلاً إثباتُ أن تكونَ طريقةٌ معينةٌ في التربية أو سمةٌ معينةٌ من سمات الشخصية هي العامل المشترك الذي يهيئُ الشخص للإصابة بكلٍّ من الاضطرابين.

وأما الاحتمالُ الرابعُ فهوَ أن وجودَ اضطراب الوسواس القهري على المحور التشخيصي الأول هو الذي يتسببُ في تشخيص اضطراب الشخصية على المحور الثاني بمعنى أن القياسات النفسية المستخدمة أو طرق المقابلة النفسية التي نشخصُ على أساسها لا تفرقُ بنسبة مائة في المائة بينَ الأعراض التي هيَ أعراض اضطراب نفسي على المحور التشخيصي الأول وبين ما هيَ أعراضُ أو سماتُ اضطراب شخصية على المحور الثاني، ولعلني أسوقُ الأسبابَ لميلي الشخصي لهذا الرأي:

-1- مثلاً إذا نظرنا إلى عدد من القواعد الوصفية لتشخيص اضطراب الشخصية القسرية كالتردد في اتخاذ القرارات والالتزام بالدقة الشديدة وعدم القدرة على التخلص من الحاجيات القديمة كل هذه الصفات يمكنُ أن تنتجَ من عدم القدرة على الشعور بالتأكد أو الثقة Inability to Feel Certain ،

أي الشعور بالشك وهذا عرضٌ مركزيٌ وجوهريٌّ من الأعراض التي يشخصُ على أساسها اضطراب الوسواس القهري وهو كذلك منَ العلامات الموجودة في اضطراب الشخصية التجَـنُّـبية واضطراب الشخصية الزورانية (البارانويدية).

-2- ومن ناحية أخرى وجدت مجموعةٌ من الباحثينَ (Baer,et al.,1992) أن المرضى الذين يعانونَ من اضطراب وسواسٍ قهريٍّ واضطراب شخصيةٍ في نفس الوقت كثيرً ما يتصفونَ بعدةِ صفاتٍ منها الحساسيةُ النفسيةُ المفرطةُ وعدم الثبات الانفعالي واضطراب العلاقات بين الأشخاص، وكذلك عدم الكفاءَةِ الوظيفية إضافةً إلى الدقةِ المفرطةِ والتردد الشديد وذلك بغض النظر عن نوع اضطراب الشخصية الموجود لديهم.

-3- ثمَّ إذا كانَ وجودُ اضطراب شخصية مصاحبًا لاضطراب الوسواس القهري يكادُ يكونُ هو القاعدةُ بل أن بعضهم يقولُ (Rasmussen Tsuang,1986) و(Janike et al.,1986) و(Baer etal.,1990) و(Mavissakalian et al.,1990)a و(Mavissakalian et al.,1990)b و(Ricciardi,et al.,1992) و(Thomsen Mikkelsen , 1993) و(Stein et al.,1994)

أن وجودَ اضطرابٍ شخصيةٍ “واحدٍ على الأقل” هو القاعدةُ وليسَ الاستثناء وأنا أستعملُ هذا التعليقَ نفسهُ لأدلل على الاتجاه المعاكس لما يدلل عليه هذا الكلام، فالنتائجُ الأمريكيةُ تقولُ أن التصاحبَ بينَ اضطراب الشخصية واضطراب الوسواس القهري يكادُ يقاربُ القاعدةَ، وأنا أقولُ أن هذا دليلٌ على قصور طرق التشخيص الوصفية التي يشخص بها معظم العالم الأمريكي اليوم.

-4- ثمَّ إذا رأينا دراساتٍ علميةٍ تجرى لإثبات أن علامات اضطرابات الشخصيةِ المصاحبة لاضطراب الوسواس القهري تتحسنُ بعد فترةٍ من العلاج بعقار الكلوميبرامين (Ricciardi et al.,1992) أو عقاقير علاج الوسوسةِ بوجهٍ عام، رغم أننا نعرفُ أن علامات اضطراب الشخصية لا تتحسنُ بالعَقَّاقير فالحقيقةُ التي تواجهنا هيَ حسبَ رأيي المتواضع هيَ أن الاحتمال الرابع هو أكثرُ الاحتمالات وجاهةً لأن تغيرَ الشخصية بالدواء ما زلتُ لا أميلُ إلى تصديقه!

وأما عن تأثيرِ وجود اضطراب شخصيةٍ مع اضطراب الوسواس القهري فإن ما يبدو للوهلة الأولي وما هوَ واضحٌ هوَ أن وجودَ اضطراب الشخصيةِ إن كانَ موجودًا مع اضطراب الوسواس القهري فهو سبيلٌ إلى سوءِ المآل، وهذا ما تؤيدُهُ الدراساتُ المذكورة في الفقرة السابقة، لأن وجودَ اضطراب الشخصية مع أيٍّ من الاضطرابات النفسية يؤدي إلى العديد من المشاكل التي تتكرر في علاقات المريض مع غيره من الأشخاص،

كما أنها تؤثر بالسلب على علاقته بطبيبه النفسي وهذا بالإضافة إلى الكروب الناتجة من تدهور علاقاته بالآخرين لابد تكونُ من نتيجته سوء مآل اضطراب الوسواس القهري، أما ما يبدو غريبًا في هذا السياق فهوَ أن يقالَ أن وجودَ اضطراب الوسواس القهري مع اضطراب الشخصية يجعلُ من اضطراب الشخصية اضطرابًا قابلاً للتحسن بالعقاقير (Ricciardi,et al.,1992) وهذا أمرٌ غيرُ متعارفٍ عليه بين الأطباء النفسانيين، ولكنَّ الذي يمكنُ أن يكونَ منطقيًّا هوَ أن ظهور أعراض الوسواس القهري على مريضٍ باضطراب الشخصية يمكنُ أن يكونَ سببًا في لجوئه إلى الطبيب مما يجعل فرصتهُ في التحسن أكبر.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق