إيديولوجيا القتل

الصحة والغذاء والطب

إيديولوجيا القتل
د. احمد برقاوي / من محاضرة غير مكتوبة ألقيت في مرمريتا
ما ساعرض له هنا ينطوي على قصص كثيرة عن صنوف القتل، لكنني لن اتحدث عنها بحد ذاتها، بل سأتحدث عن تلك الجرائم التي تقف وراءها إيديولوجيا القتل، وعن ذلك السلوك المقاوم في مواجهة القتل المؤسس إيديولوجياً. في محاولة لابراز شكل من أشكال وعي تلك العلاقة التي تقوم الآن في عالمنا بين القاتل والمقتول، وهو شكل من أشكال الوعي الذي يجري في أرض فلسطين ولبنان والعراق، إنه بالضبط هذا الصراع المستشري بين القتل المؤسس إيديولوجياً وبين المقاومة بوصفها دفاعاً عن النفس.
سأطرح أمامكم السؤال التالي: هل قتل الإنسان أو النزعة الاعتدائية لدى الإنسان هي نزعة مؤصلة في طببيعته،.. هل هي جزء من جبلته، أم أنها أمر طارئ؟ إذ إن ما نراه أمامنا من حالات القتل يجعلنا نظن أحياناً، ولوللحظة، أن العدوان جزء أصيل في بنية الذات البشرية. وأنتم على دراية أن فرويد قد قال بأن هنالك غريزة اسمها غريزة العدوان، وقبله تحدث هوبس عن الطبيعة الذئبية للإنسان، وقالت العرب قديماً أن “الإنسان عدو الإنسان” . ويحضرني هنا بيت من الشعر يقول فيه أحدهم: (عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطير).
ترى ما الذي يجعل الإنسان يستأنس بصوت الذئب ويخاف من صوت الإنسان، مع أن الحالة الطبيعية تقول بأن يستأنس المرء بصوت أخيه الإنسان؟ ذلك لأنه يعرف كل ردود فعل الذئب،.. ويعرف كيف يمكن أن يواجه سلوك الذئب الذي إذا كان جائعاً سيهجم على ضحيته، وإن كان شبعاناً فسيمر مرور الكرام من أمام الإنسان من دون أن يلتفت إليه.، لكن من ذا الذي يستطيع أن يتوقّع ما سيكون عليه سلوك الإنسان، فهو قد يؤهل بغيره،.. ثم يطعنه بخنجر ما، أو قد يسرقه، ..باختصار،.. إنه يخاف منه لأنه لا يدري كيف سيكون سلوكه. غير أن هذه الحالة مختلفة كل الاختلاف عن القتل من أجل القتل، أو بالمقابل عن القتل دفاعاً عن النفس .
لكن، ما هي القيمة التي تتفوق على قيمة الانسان ليقتل او يُقتل من أجلها ؟ ما هي إيديولوجيا القتل؟ ما هي تلك القيمة التي تجعل لدى المرء دافعاً مصاغاً صياغة إيديولوجية يجعله في حالة القتل؟
عندما نتحدث عن هذا الجانب المأساوي التراجيدي في حياة البشر، سنجد أن إيديولوجيا القتل هي بذاتها ايديولوجيتان: ايديولوجيا ظاهرة وأخرى خفية، أما إيديولوجيا القتل الظاهرة فلا تقول للإنسان اذهب واقتل من أجل أن تسلب الآخر أرضه، لا تقول له اقتل من أجل أن تحتل بلداً من البلدان، بل تقول له: قاتل من أجل كرامة الأمة أو الدولة. وهذا نقيض الايديولوجيا الخفية التي تقول اقتل من أجل أن تعود إلى ندائك الإلهي الأول، خذوا الإيديولوجيا الصهيونية على سبيل المثال،.. إنها إيديولوجيا قتل بامتياز، تأسست على فكرة نفي الآخر بالمطلق،.. الآخر الذي يعيش على أرضه عبر آلاف السنين، ويمتلك هويته، ويشعر بانتمائه للآخر الذي هو نحن.
الصهيونية في حقيقتها ايديولوجيا استعمارية استيطانية إجلائية، وهي تربط عقيدتها المستبدة بجذر ديني خطابه الدائم: اقتل لأن هنالك وعداً إلهياً بأن أرض فلسطين لك، ولا وجود لك على هذه الأرض إلا بنفي الآخر الفلسطيني. ولذلك، فالتعايش مع هذه الايديولوجيا وتطبيقاتها الدموية مسألة خارجة عن سنن الحياة الطبيعة، لأن فكرة المصالحة مع إيديولوجيا القتل مستحيلة، لاسيما عندما تتعزز هذه الإيديولوجيا بوظيفة أخرى تملي على أصحابها أن يمارسوا من خلالها قتل الشعوب تحت عنوان قيمي يخفي نهماً شرساً إلى الثروات والمغانم، ويجعل اضطهاد القتيل وتدميره وجهاً لرسالة ” انسانية”،.. فقتلة العراق لم يقولوا لجنودهم: اذهبوا واقتلوا من أجل النفط في العراق ولا من أجل تمزيق هذا البلد، بل اذهبوا من أجل القضاء على هذا الديكتاتور لرفع راية الديمقراطية عالياً، إذن،.. في إيديولوجيا القتل هنالك خطاب معلن وآخر خفي، المشكلة حين تنطلي هذه الأكذوبة ا الإيديولوجية على البشر، وحين تنطلي على القاتل والقتيل بالكيفية ذاتها،.. سيما أن إيديولوجيا القتل تتزين بخطابات الشرف والكرامة، أقول “تتزين”، لكن،.. لا الشرف ولا الكرامة يمكن أن تشكلا أساس إيديولوجيا القتل لأنها تقوم على نفي الآخر. إنها إيديولوجيا الأقوياء في مواجهةالضعفاء. بالمناسبة، الحروب الصليبية هي في حقيقتها وأساسها حروب مجتمعات غزو وسلب لما هو خارج حدودها انطلاقاً من ايديولوجيا زائفة تقول لأصحابها اقتلوا من أجل المسيح، تصوروا مدى ذرائعية من هم وراء هذه الغزوات ،.. فالمسيح الفادي، وهذا أحد أسمائه، يتحول في إيديولوجيا القتل إلى دافع للقتل. ما من أحد يقول للآخرين موتوا من أجل أسباب وضيعة، إذ يجب أن يكون الموت في سبيل أهداف نبيلة، فالإنسان يرى في الفكرة النبيلة ما هو أسمى من وجوده، فيقاتل من أجل تحقيقها.
لكن الحقيقي في إيديولوجيا القتل أن القتال يجري عملياً من أجل أهداف وضيعة جداً، في حين يقتنع الإنسان أنه يقاتل من أجل مهمة نبيلة، لدينا مثلاً حالات القتل من أجل شرف المرأة كما هو الأمر في بعض المجتمعات التقليدية، في سورية مثلاً أو الأردن، فالمرأة ما إن تحب أن تتزوج شخصاً من غير دينها أو تتزوج أنفاً عن أهلها، يمكن أن تقتل، القاتل هنا يعتقد اعتقاداً جازماً أنه قد قتل من أجل قيمة كبيرة ونبيلة هي قيمة شرف المرأة لأن عالم قيمه محدود إلى حد كبير. لكن يظل هذا الفعل عملاً فردياً، وما يهمنا هنا إيديولوجيا القتل بوصفها إيديولوجيا الحرب العدوانية، حرب شعب ضد شعب آخرباسم المدنية، باسم التحديث والازدهار، تخاض هذه الحروب مع أن قتل الإنسان فعلة تولّد الحزن والبؤس والشقاء. إذن.. كيف يمكن لإنسان أن يتحوّل إلى قاتل ومن أجل أهداف وضيعة؟ هذا سؤال مهم.
في القصة الدينية أن إبراهيم قرّر أن يذبح ابنه اسماعيل امتثالاً للوعد الذي قطعه للأله،.. أخذ إبراهيم ابنه إلى أسفل الجبل، وشحذ سكينه وهمّ أن يذبحه، تقول الرواية الدينية أن إبراهيم قد حزّ رقبة ابنه إسماعيل، فوجد أنها سوّرت بصفيح من النحاس (وهذه إشارة تنطوي على دلالات)، لكن إسماعيل، الذي كان عالي التربية، قال لأبيه: كبني على وجهي حتى لا تراني فتحزن، واشحذ شفرتك شحذاً قوياً حتى لا أتألم، وهكذا فعل. كبّه على وجهه وحزّ السكين أيضاً، لكن السكين لم تفعل شيئاً، ثم قال له: انزع يا أبت القميص عني حتى لا تسقط قطرات من دمي على قميصي فتحزن أمي. المهمّ في هذه الصورة التراجيدية أن أباً يقتل ابنه، هذا طبعاً شيء خارج عن حدود العقل والطبيعة الانسانيين، لكن بما أن ابراهيم تقي يمتثل لأوامر الإله، فإن الله قد فدى اسماعيل بالكبش، .. فكان عيد الأضحى. لكن دلالة القصة، من وجهة النظر الدنيوية وليس الدينية، أن الله نفسه قد غيّر أوامره بالنسبة لإسماعيل لأن الله، الذي يحيي ويميت، لا يطيق أن يرى طفلاً يُذبح، الإله نفسه فدى الطفل. المهم أن دلالة القصة تنطوي على هذه القيمة الكبرى للنفس البشرية التي جرى ترميزها في قصة إسماعيل.
الآن عندما نرى حوادث نفي الآخر على النحو الفاجع في فلسطين، في لبنان، في العراق، ندرك مدى الهمجية التي وصل إليها اولئك المسلحون بإيديولوجيا القتل.
لآن، في مقابل هذه الإيديولوجيا هناك ما سميته فلسفة المقاومة، لماذا قلنا إيديولوجيا القتل مقابل فلسفة المقاومة؟ المقاومة فعل عار من الأكاذيب، أما إيديولوجيا القتل ففعل يستند إلى الأكاذيب. فلسفة المقاومة تقوم على فكرة التضحية من أجل المجموع، لذلك هي غير قابلة لأن تتصالح مع الأكاذيب. أمامي على سبيل المثال شخصيتان: غورو ويوسف العظمة، غورو يمثل رمزاً فاقعاً للقاتل المسلح بإيديولوجيا القتل، والقادم من خلف البحار لتنفيذ مهمة استعمارية هي احتلال الشام. يأتي غورو ويحتل لبنان ثم دمشق، أما الخانع فيرضى باحتلال دمشق، .. الخانع وافق على إنذار غورو، قال له: كل ما تريده سوف أنفذه لك. فعل غورو هو فعل عدواني بامتياز، بينما القبول بالفعل العدواني هو فعل خانع بامتياز. يوسف العظمة رافض للفعلين معاً لأنه صاحب فعل مقاوم بامتياز، إذ لا معنى لحياته ولا قيمة لها إلا بوصفها حياة حرة كريمة عزيزة ، وكان أمام ثلاثة مواقف: موقف من المعتدي، وموقف القابل بالاعتداء لأسباب عديدة، وموقف الرافض للاعتداء، الأول هوموقف إيديولوجيا القتل. والثاني موقف الخنوع. أما الأخير فموقف فلسفة المقاومة.
ليس بالضرورة أن يكتب الإنسان نصاً عنوانه فلسفة المقاومة ليفهمنا ما هي فلسفة المقاومة، لأنها فعل يكتب في تفاصيل الواقع، من هنا قرر يوسف العظمة أن فكرة العيش في وطن مستعمر من قبل غورو مستحيلة،.. أما أن يكون وزيراً للدفاع في بلد مستقل فهو الشيء الذي يستحق الحياة .
لذلك كان بوسع يوسف العظمة أن يذهب بكل اعتزاز لملاقاة الغزوالفرنسي،.. لا ليقتله غورو، بل ليدفع عن نفسه وشعبه شبهة الخنوع ، فضحى بحياته من أجل الفكرة السامية التي هي فكرة الوطن الحر الكريم. وهذا معنى القول أن المقاومة فلسفة في الحياة، أما غورو، بوصفه رمزاً لإيديولوجيا القتل، فقد ضحّى بالآخر، وهذا الآخربالنسبة له هو آخران: سوري وفرنسي يقتتلان، ألم نقل أن القتل هو قاتل ومقتول، وكل منهما وسيلة لاقيمة كبيرة لها امام الغاية، ففي إيديولوجيا القتل لا قيمة للإنسان،.. لا للقاتل ولا للمقتول، ذلك لأنها تسبطن نزعة عدمية باتجاه فكرة الإنسان.
من جهة أخرى، المقاوم لم يطلب من الآخر أن يأتي ليقتله، لكن المعتدي هو آت لممارسة فعل القتل عليه، المقاوم يدافع بتلقائية عن معنى وجوده،وعن حريته وكرامته، وهو بذلك يمارس أبسط حقوقه في الحياة .المقاومة هي دفاع عن وجود لا قيمة له إلا بوصفه وجوداً أرتضيه أنا، وليس وجوداً يفرضه الآخر عليّ، هذا يعني أن المقاومة، أي مقاومة، هي فعل في ممارسة الحرية، ومن أجلها، أما فعل الاعتداء فهو فعل سالب للحرية،.. وسالب لأهم معنى من معاني الوجود. المقاومة نداء داخلي وليس فعلاً خارجياً. إذ من الذي دفع القسام ليذهب إلى فلسطين كي يقاوم الإنكليز؟ لا أحد. لم يكلفه أحد بفعل ذلك، بل قرر كمناصر أن يذهب ويقاتل مستجيباً لندائه الداخلي. ، لم يكن الهدف بالنسبة إليه مزوراً أو ملتبساً. بل كان واضحاً: المقاومة والتحرير. ولذلك لم يكن قاتلاً، بل مضحياً لأن المفهوم الدال على فعل المقاومة هو الفداء، وهومفهوم متصل بمعنى الوطن والأمة والكرامة، وحاضر في السلوك ومتعين في فعل هو من طبيعته، أي متعين في المقاومة.
في المقاومة بعد أخلاقي سامِ، فيما في إيديولوجيا القتل بعد أخلاقي منحط دنيء.
في المقاومة يتعين البعد الأخلاقي في مفهوم الزهد، وعندما أقول الزهد اقصد أن المقاوم لا يطلب لنفسه شيئاً، فهولا يريد أن يعيش في دعة وترف، لماذا؟ لأن مفاهيمه أخلاقية سامية، ولذلك هو ناسك زاهد بالحياة المبتذلة، وهو غيري، وايثاري، يدافع عن وجودي أنا في دفاعه عن وجوده، إنه يموت من أجلي. من هنا تبدو المقاومة فعلاً خلاصياً مطلقاً، هدفها تخليص العالم من شرور أخلاق الغريزة وإيديولوجيا القتل، ما هو جميل في فعل المقاومة وفلسفة المقاومة أنها تقدّم لنا نمطاً جديداً لفن الجسد وعلاقته بالحياة، المقاوم لا فصل في يقينه بين الجسد والروح، لماذا؟ لأن ذروة فلسفة المقاوم هي تضحيته بالجسد، كأنما لذة الجسد الزاهد بالحياة لا تقوم إلا بفعل المقاومة، من هنا لا يفهم الغربي فكرة انفجار الجسد الزاهد بالحياة، فمرة يقول هذا انتحار، ومرة يقول إرهاب، لأن ثقافته لا تنطوي على هذا المعنى، معنى الفداء، فأنا بالنسبة له إرهابي أو مجرد منتحر، ففكرة الفداء هذا لا يفهمها الغربي وهوغير قادر أن يتفهم ما معنى أن يضحي الإنسان بجسده، إنه يريد موتنا ويخاف من طريقتنا في تحويل هذا الموت إلى حياة، لذلك يريد أن نموت على هواه وليس على هوانا، يريد أن يختار لنا طريقة الموت.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق