الدراسات العلميه في التحليل النفسي

الصحة والغذاء والطب

ولد سيجموند فرويد في عام 1856 من أبوين يهوديين في مدينة فرايبرج بمورافيا التي تعرف الآن بتشيكوسلوفاكيا وفي سن الرابعة انتقل مع أسرته إلى مدينة فيينا حيث نشأ ودرس الطب في جامعتها وقد اهتم فرويد اهتماما خاصا بالأبحاث الفسيولوجية والتشريحية المتعلقة بالجهاز العصبي واشتغل وهو ما يزال طالب في معمل إرنست بروك الفسيولوجي وقام بعدة أبحاث في تشريح الجهاز العصبي وفي عام 1881 حصل على الدكتوراه في الطب وعين مساعدا لإرنست بروك في معمله وفي عام 1882 اشتغل طبيبا في المستشفي الرئيسي بفيينا ونشر بعض الأبحاث الهامة في تشريح الجهاز العصبي وفي الأمراض العصبية مما لفت إليه الأنظار وفي عام 1885 عين محاضرا في علم أمراض الجهاز العصبي ونشأت في تلك الفترة صداقة بين فرويد وجوزيف بروير أحد أطباء فيينا المشهورين وقد تأثر فرويد به تأثرا كبيرا وقد كان بروير يستخدم الإيحاء التنويمي في معالجة مرضاه واكتشف أثناء علاجه لفتاة مصابة بالهيستيريا أن المريضة ذكرت أثناء نومها حوادث ماضية لم تستطع أن تتذكرها أثناء اليقظة ، ورأى بروير أن ذكر المريضة لهذه الحوادث والتجارب الشخصية القديمة كان له أثر في شفاء المريضة وقد سمي بروير فيما بعد هذه الطريقة في علاجه بطريقة التفريغ وذكر بروير لفرويد قصة علاجه لتلك الفتاة فأعجب فرويد بطرافتها ونجاحها ولكنه لم يعلق عليها أهمية كبيرة في هذا الوقت وفي عام 1885 رحل فرويد إلى باريس للدراسة في جامعة سالبترير حيث كان شاركو يقوم بأبحاثه في الهيسيريا وشاهد فرويد
بنفسه بعض هذه الأبحاث التي أثبتت إمكان إحداث أعراض الهستيريا بالإيحاء التنويمي ، وإمكان إزالتها بالإيحاء أيضا وقد أكدت هذه التجارب التشابه التام بين الهستيريا التي تحدث عن الإيحاء وبين الهستيريا التي تشاهد بين المرضى ، ثم عاد فرويد إلى فيننا عام 1886 واشتغل طبيبا خاصا مع استمراره في وظيفته التدريسية ، وأخذ فرويد في تطبيق ما تعلمه من شاركو ، وحاول إقناع أطباء فيننا بإمكانه إحداث الهستيريا بالإيحاء التنويمي ، فقوبل بمعارضة شديدة غير أن فرويد استمر في مواصلة بحثه العلمي كطبيب خاص يعالج مرضاه بواسطة الإيحاء التنويمي ولم يلبث فرويد طويلا حتى اتضحت له بعض العيوب في فنه التنويمي ، إذ تبين له أنه لا يستطيع أن ينوم بعض مرضاه وقد جعله هذا يشعر بأنه لا زال في حاجة إلى تحسين فنه التنويمي فسافر في عام 1889 إلى مدينة نانسي بفرنسا وقضي فيها عدة أسابيع في اتصال بالطبيبين لييبولت وبرنهايم .
ولم عاد فرويد بعد ذلك إلى فيينا جدد اتصاله ببروير واشتركا معا في مواصلة البحث العلمي في أسباب الهيستيريا وطرق علاجها وقد نشرا معا في عام 1893 بحثا في( العوامل النفسية للهستريا ) وفي عام 1895 نشرا كتاب ( دراسات في الهستريا ) ويعتبر هذا الكتاب الأخير نقطة تحول هامة في تاريخ علاج الأمراض النفسية والعقلية الشعورية وبين الحالات العقلية الاشعورية ، وذهبا إلى أن الأعراض الهسترية تنشأ عن كبت الميول والرغبات فتتحول تحت تأثير هذا الكبت عن طريقها الطبيعي وتتخذ لها منفذا عن طرق شاذة غير طبيعية هي الأعراض الهسترية ، وشرح المؤلفان طريقة التفريغ وبينا قيمتها العلاجية في شفاء الهستريا وتتلخص هذه الطريقة في حث المريض أثناء النوم المغناطيسي على تذكر الحوادث والخبرات الشخصية الماضية وعلى التنفيس عن العواطف والانفعالات المكبوتة ولذلك سميت هذه الطريقة في العلاج بطريقة التفريغ ويرجع الفضل فيما جاء في الكتاب من آراء جديدة إلى بروير كما اعترف بذلك فرويد نفسه وقد ساعدت ملاحظات فرويد وتجاربه العديدة على تأييد آراء بروير وإثبات صحتها .

ثم أخذت آراء فرويد تختلف عن آراء بروير فدب بينهما الخلاف وانقطعت بينهما الصلة وحدث أول خلاف بينهما حينما حاولا تفسير العوامل النفسية المسببة للهيستريا بانقطاع الصلة بين حالات النفس الشعورية وفسر الأعراض الهسترية بحالات شبه تنويمية ينفذ أثرها إلى الشعور أما فرويد فقد كان يرى أن الانحلال العقلي يحدث نتيجة صراع الميول وتصادم الرغبات واعتبر الأعراض الهسترية أعراضا دفاعية نشأت تحت ضغط الدوافع المكبوتة في اللاشعور والتي تحاول التنفيس عن نفسها بشتى الطرق ولما كان ظهور هذه الدوافع المكبوتة في الشعور أمر غير مقبول للنفس فإنها تحاول التنفيس عن نفسها بطرق غير طبيعية هي الأعراض الهسترية وحدث الخلاف الثاني بين فرويد وبروير حينما أخذ يعتبر الغريزة الجنسية السبب الأول في حدوث الهستريا ولم يوافق بروير على هذا الرأي وعارض فرويد فيه كما عارض في ذلك جمهور الأطباء في عصره ، ومنذ ذلك الوقت أخذ فرويد يواصل أبحاثه منفرد في عزم لا يلين وفي ثبات لم تزعزعه هجمات خصمه وبدأت تكشف له ملاحظاته وأبحاثه عن الدور الذي تلعبه الغريزة الجنسية في مرض الهستريا وقد دفعه ذلك إلى توسيع دائرة بحثه فأخذ يدرس الأنواع الأخرى من الأمراض العصابية ويبحث عن علاقة الغريزة الجنسية بها وقد أدت أبحاثه إلى اقتناعه بأن اضطراب الغريزة الجنسية هي العلة الرئيسية في جميع هذه الأمراض ، وكان فرويد حتى الآن يستخدم طريقة التفريغ أثناء التنويم وهي الطريقة التي اكتشفها بروير ثم أخذ فرويد يفطن إلى ما في التنويم من عيوب فرأى أن بعض المرضي لا يمكن تنويمهم كما رأي أيضا أن الشفاء الذي ينتج عن التنويم كان مقصورا فقط على إزالة الأعراض المرضية ولم يتناول العلل الرئيسية التي تنتج عنها هذه الأمراض كما أن الشفاء كان وقتيا فقط لا يلبث أن يزول أثره بعد فترة طويلة أو قصيرة فتعود الأعراض نفسها أو غيرها إلى الظهور مرة أخرى ورأي فرويد أيضا أن نجاح العلاج يتوقف على استمرار العلاقة بين المريض وطبيبه ودعاه ذلك إلى أن يفطن إلى أهمية الدور الذي تلعبه الرابطة الإنسانية في العالم ولم تكن الرابطة الإنسانية تظهر بوضوح أثناء التنويم المغناطيسي ، لكل هذه الاعتبارات رأي فرويد أن يعدل عن استخدام التنويم وبدأ يحث مرضاه عن طريق الإيحاء وهم في حالة اليقظة على تذكر الحوادث والتجارب الشخصية الماضية ثم ظهرت لفرويد فيما بعد عيوب هذه الطريقة أيضا فقد وجد أنه لا يستطيع دائما باستخدام الإيحاء وحده دفع مرضاه إلى تذكر الحوادث والتجارب الشخصية الماضية التي سببت مرضهم هذا فضلا عما في هذه الطريقة من مشقة وإرهاق لكل من الطبيب والمريض فرأي فرويد أن يعدل عن هذه الطريقة وبدأ يطلب فقط من مرضاه أن يطلقوا العنان لأفكارهم تسترسل من طلقاء نفسها دون قيد أو شرط وطلب منهم أن يفوهوا بكل ما يخطر ببالهم أثناء ذلك من أفكار وذكريات ومشاعر دون إخفاء أي شيء عنه مهما كان تافها أو معيبا أو مؤلما وتعرف هذه الطريقة التي ابتكرها فرويد بطريقة التداعي الحر وباستخدام التداعي الحر بدأت تنكشف أمام فرويد حقائق هامة لم يكن من المستطاع الإهتداء إليها من قبل حينما كان العلاج يتم فقط أثناء التنويم ابتدأت تتضح لفرويد الأسباب التي تجعل تذكر بعض الحوادث والتجارب الشخصية الماضية أمرا صعبا فقد رأي أن معظم هذه التجارب مؤلم أو مشين للنفس وهكذا با لفرويد أن سبب نسيانها هو كونها مؤلمة أو مشينة ولهذا السب كانت إعادتها إلى الذاكرة أمرا شاقا يحتاج إلى مجهود كبير للتغلب على المقاومة الشديدة التي كانت دائما تقف ضد ظهور هذه الذكريات في الشعور ومن هذه الملاحظات كون فرويد نظريته في الكبت التي قال عنها أنها الحجر الأساسي الذي يعتمد عليه جميع بناء التحليل النفسي وأهم جزء فيه وذهب فرويد إلى أن الكبت يحدث في الأصل عن الصراع بين رغبتين متضادتين وذكر نوعين من الصراع بين الرغبات ويحدث أحدهما في دائرة الشعور وينتهي بحكم النفس في صالح إحدى الرغبتين والتخلي عن الأخرى وهذا هو الحل السليم للصراع والذي يقع بين الرغبات المتضادة ولا ينتج عنه ضرر للنفس وإنما يقع الضرر من النوع
الثاني من الصراع الذي تلجأ فيه النفس بمجرد حدوث الصراع إلى صد إحدى الرغبتين عن الشعور وكبتها دون إعمال الفكر في هذا الصراع وإصدار حكمها فيه وينتج عن ذلك أن تنتج الرغبة المكبوتة حياة جديدة شاذة في اللاشعور وتبقي هناك محتفظة بطاقتها الحيوية وتظل تبحث عن مخرج لانطلاق طاقتها المحبوسة فتجده في الأعراض المرضية التي تنتاب العصابيين وعلى ضوء هذا التفكير رأي فرويد أن مهمة الطبيب النفسي ليست هي دفع المريض إلى التفريغ والتفيس عن الرغبات المكبوتة كما كان يفعل فرويد وبروير من قبل بل هي الكشف عن الرغبات المكبوتة لإعادتها مرة أخري لدائرة الشعور لكي يواجه المريض هذا الصراع الذي فشل في حله سابقا فيعمل الآن على حله بإصدار حكمه فيه تحت إرشاد الطبيب النفسي وتشجيعه هي إحلال الحكم الفعلي محل الكبت اللاشعوري ومنذ ذلك الوقت أخذ فرويد يسمس طريقته في العلاج بالتحليل النفسي ، قضى فرويد عشر سنوات 1896 ـــ 1906 منذ انفصال بروير عنه يعمل منفردا في جميه ملاحظاته ومواصلة أبحاثه وتكوين نظرياته في وقت حرمته المجتمعات العلمية كل تشجيع وتأييد ثم بدأت الأمور تتبدل ابتداء من عام 1902 حينما التف حوله لأول مرة نفر قليل من شباب الأطباء المعجبين بنظريته الجديدة بقصد تعلم مبادئها واكتساب الخبرة فيها ثم أخذ عددهم يزداد رويدا رويدا وبدأ ينضم إليهم أفراد من غير الأطباء من أهل الأدب والفنون ثم أخذت المعرفة بالنظرية الجديدة تنتشر بين الأطباء تنتشر في كثير من البلاد خاصة في سويسرا حيث اكتسبت الحركة الجديدة صداقة بلولر المشرف على معهد الأمراض العقلية بالمستشفي العام بمدينة زيوريخ ويونج أحد مساعدي بلولر وفي عام 1908 عقد أول مؤتمر للتحليل النفسي بمدينة زيوريخ بدعوة من يونج حيث تقرر إصدار مجلة للتحليل النفسي تحت إدارة فرويد وبلولر وأسندت رئاسة التحرير إلى يونج وكان ذلك بدء صفحة جديدة في تاريخ حركة التحليل النفسي وفي عام 1909 دعت جامعة كلارك بالولايات المتحدة الأمريكية فرويد ويونج للاشتراك في احتفال الجامعة بمناسبة مرور عشرين عام على تأسيسها فاستقبل فرويد وزميله في أرض الدنيا الجديدة استقبالا رائعا وقوبلت محاضرات فرويد الخمس والمحاضرتان اللتان ألقاهما يونج بجامعة كلارك مقدمة حسنة .
وفي عام 1910 عقد المؤتمر الثاني للتحليل النفسي في مدينة نورمبرج حيث تم تأليف ( جمعية التحليل النفسي الدولية ) وتقرر في ذلك المؤتمر إصدار نشرة دورية تكون رابطة الاتصال بين الجمعية الرئيسية وبين فروعها الأخرى في برلين برئاسة أبرهام وفي زيوريخ برئاسة يونج وفي نيويورك برئاسة ألفريد أدلر وبعد ذلك أصدر أدلر واشتيكل مجلة ثانية للتحليل النفسي في فيينا ثم توالت بعد ذلك مؤتمرات التحليل النفسي وتكونت لها فروع في معظم الأقطار الغربية وأخذت تعاليم التحليل النفسي في الانتشار وبدأت تجلب إليها كثيرا من الأصدقاء والأتباع لا من رجال الطب فقط بل من رجال العلوم والفنون المختلفة أيضا .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق