مدارس التنمية الذاتية

التنمية البشرية وتطوير الذات

مدارس التنمية الذاتية

د.شريف عرفة

منذ بدء الخليقة,والإنسان يحاول دائما أن يطور من نفسه وقدراته كي يحظى بحياة أفضل.

دائما كانت هناك صعوبات..باختلاف العصور والأزمنة اختلفت طبيعة هذه الصعوبات, لكن ظل الإنسان في حاجة لتطوير نفسه دائما كي يستطيع مواجهة الحياة.

هناك الكثير من الناس يقولون:

- نريد أن نتعلم التنمية الذاتية، فمن أين نبدأ؟

في حقيقة الأمر,إجابة هذا السؤال ليست بسيطة..

لا يوجد علم اسمه (التنمية الذاتية)..بل هناك مدارس متعددة ووجهات نظر مختلفة، يمكنك الانتماء لأي مدرسة تقنعك منها, أو تطّلع عليها جميعا.

ما مدارس التنمية الذاتية؟

تعالوا نطّلع على بعض هذه المدارس كي نتعرف عليها معا.

الخرافة

في عصور الجهل والبدائية.. وقبل ظهور الدين.. اعتمد البدائيون على ساحر القبيلة كي يحقق لهم أحلامهم.

فسبب الفشل أو الضرر دائما هو الأرواح الشريرة أو المس أو السحر..هناك عمل معمول لك ولابد لنا أن نفكه.. “عمل على ظهر الجمل, عشان يتفك وترتاح لازم تصطاد التمساح!” وما إلى ذلك من كلام فارغ..

من الغريب أنه في عصرنا الحديث, مازال البعض يعتمدون على هذه الخرافات (في كل الأديان تعتبر كفرا صريحا) لأن البعض لا يريدون تحمل مسئولية حياتهم, بل يعلقون فشلهم على قوى شريرة تطاردهم ولا يد لهم فيها.

فسبب النجاح هو الحجاب أو التعويذة أو العمل المتقن الذي سيقوم به الدجال..هذه الأفكار مازالت موجودة في هذا العصر للأسف.. وبالطبع لن تفيد.

طبعا هذه ليست مدرسة من مدارس التنمية الذاتية ولا حاجة..لكنها بداية حاول من خلالها الإنسان البدائي أن يحل مشاكله.. وهي طريقة فاشلة طبعا كما تلاحظ.. ومن الكفر والجهل أن نلجأ لها في عصرنا هذا.

نجاح شخصي:

لا علاقة للسحر بالموضوع.. هناك أناس ناجحون في الحياة.. فلماذا لا نعرف منهم كيف نجحوا؟

هذه المدرسة فعالة إلى حد كبير.. هناك بعض الناجحين يعلمون الناس طريقة نجاحهم..

خذ عندك مثلا:

“فرناندو بارادو”
هذا الرجل سقطت طائرته في وسط جبال الأنديز عام 1972..وظل تائها هناك لعدة شهور.. لكن ظل عنده الحماس والمثابرة وشجع من معه كي يتحملوا الظروف القاسية ويحاربوا من أجل البقاء..كانت درجة الحرارة تصل إلى 40تحت الصفر وقد انتهى الطعام.. استطاع أن ينجو ويحكي قصته, ويصبح من أشهر متحدثي التحفيز في العالم.

له مؤلفات ومحاضرات عديدة,وينظم رحلات سنوية للناس إلى جبال الأنديز كي يعيشوا معه تفاصيل التجربة ويتعلموا منها.

لا يزال هذا الرجل حيا ويمارس عمله حتى يومنا هذا.

هناك أمثلة أخرى طبعا..

ستجد كتابا عن كيفية أن تصبح مليونيرا,للملياردير الأمريكي “دونالد ترامب”، وكتابا عن التواصل الناجح للمذيع الشهير “لاري كينج”..

هل فهمتم ما أقصد؟ أنا نجحت, وجئت لكم كي أحكي لكم كيف فعلت هذا..

بعض الناس انتقدوا هذا الأسلوب..فأحيانا ,بعض الناجحين قد لا يعرفون السبب الحقيقي لنجاحهم.. وربما طريقتهم لا تنفع معك..

علم النفس

إنه ذلك العلم الرصين الذي تخصص في سبر أغوار النفس الإنسانية..

إذا اعتبرنا أن الإنسان جهاز كمبيوتر ,فإن مهمة الطبيب البشري هي أن يصلح (الهارد وير) الخاص بالجهاز.. يعني سلك محروق.. باد سيكتور.. الماذر بورد تتغير.. وهكذا..

أما العالم النفسي PSYCHOLOGIST فهو مسئول عن (السوفت وير).. سيكلمك ويعيد ترتيب أفكارك ويحل المشاكل الموجودة في عقلك.. هيظبط الـsittings يعني بتاعة النظام.

ظهر علم النفس أساسا لحل الاضطرابات العقلية والسلوكية، لعلاج المريض والوصول به إلى حالة أفضل.

ظهرت مدارس كثيرة جدا في علم النفس..وظهر أطباء نفسيون ومحللون نفسيون,تخصصت كتاباتهم في الارتقاء بحياة الإنسان العادي (وليس للمرضى).

من أشهر الكتاب الذين لهم خلفية أكاديمية في علم النفس:

د.”فيليب ماكجرو”
صاحب البرنامج الشهير د.”فيل”.

“جيل لندفيلد”..
صاحبة السلسلة الشهيرة في تطوير الشخصية.

“جون جراي”..
مؤلف الرجال من المريخ والنساء من الزهرة.

علم الإدارة

ظهر علم آخر رصين وهو علم الإدارة.

هذا العلم يدرس الخطوات ويضع القواعد اللازمة لنجاح أي مؤسسة.

من درس هذا العلم يعرف جيدا أنه مهم في أي نجاح.. لو أسست مشروعا ستحتاجه.. لو أردت تنظيم حياتك ستحتاجه.. هو علم التنظيم والترتيب لو صح التعبير.

هذا العلم يتعامل مع العامل البشري..كيف تحفز موظفيك وتزيد الإنتاج؟ كي تزيد الرضا الوظيفي لموظفيك؟ كيف تدير فريق العمل؟ كيف تفوض للمسئوليات؟ كيف تنظم وقتك؟ ما مهارات التفاوض؟
كلها أسئلة لها إجابات في علوم الإدارة..هي مدرسة رصينة في التنمية الذاتية لو أردتم رأيي.

ومنها ظهر إداريون لهم دراسات مهمة في التنمية الذاتية..ماذا لو طبقت قواعد مماثلة في حياتك الخاصة؟

ظهر “ستيفن كوفي” وتحفته “العادات السبع للناس الأكثر فعالية”.
وجاء “جاك ويلش” و كتابه (الفوز) و”جون سبنسر” و كتاباته ... إلخ

في الجامعات الأجنبية ستجد دورات تسمى soft skills.. وهي مبنية غالبا على علم الإدارة.

حركة العصر الجديد

ظهرت حركة اسمها NEW AGE ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية في الخمسينيات..

هذه الحركة الفكرية اعتبرت ثورة على العالم المادي الذي يعيشه الغرب.. راحوا يدعون إلى أفكار تهتم بطبيعة الإنسان والقدرة على صنع حياته وضرورة العودة إلى الطبيعة......

من فرع هذه المدرسة مثلا:

1- أفكار فلسفات جنوب شرق آسيا:

العلاج بالطاقة ومراكز الطاقة في الجسم (الشكرات)و مبدأ الكارما (مبدأ أخلاقي بوذي) و اليوجا والعلاج بالريكي (و هو الرقية الشرعية للهندوس!).....إلخ

هذا الفرع لا أستريح له بشكل كامل..لأن مسألة مثل العلاج بالطاقة لا يوجد لها إثبات علمي وإلاّ لدرسناها في كليات الطب.. لكن يبدو أنها نوع من العلاج الشعبي في هذه الثقافات.

إحدى مشكلات هذه الحركة أنها أهملت الجانب العلمي بمعناه الحقيقي، وفتحت هذه الحركة الباب لخروج بعض الأفكار الأخرى التي لا تعتبر علمية بشكل كامل,إلا أنها تسمي نفسها علما.

2- أفكار اتخذت شكلا علميا:

أ- طريقة “سيلفا” للتحكم العقلي

اخترعها “جوزيه سيلفا”ولاقت رواجا كبيرا..وهي تعتمد كثيرا على فكرة التنويم الإيحائي والتحكم في موجات العقل للوصول لحالة من الصفاء الذهني..كي تصبح أكثر تحكما في عقلك ومن ثم في حياتك..مشكلة هذا الرجل أنه زعم أن هذه الطريقة يمكنك من خلالها أن تكلم الموتى !! و هو كلام فارغ طبعا أفقد هذه الطريقة مصداقيتها تماما..

توفي هذا الرجل مليونيرا وقد لاقت كتبه وبرامجه التدريبية رواجا كبيرا وقتها.

ب- البرمجة اللغوية العصبية

NLP هي اختصار Neuro-linguistic programming.

وهي المدرسة الأشهر عندنا في العالم العربي لسبب ما..

مبنية على “خلطة”من التقنيات السابقة والتنويم الإيحائي وراح مبتكروها (د.”جون جريندر” و”ريتشارد باندلر”)يدرّسونها في مراكز خاصة بشهادات معتمدة منهم..ويبدو أنها كانت وبالا عليهم,لأنهم انفصلوا وراحوا يقاضون بعضهم البعض..والسبب هو حقوق الملكية الخاصة بالبرمجة اللغوية العصبية.

د.”جريدندر”و “كارمن بوستيك”(مستشارة الرئيس “بوش”) قاما معا بإنشاء تقنية جديدة أسمياها (الكود الجديد للبرمجة اللغوية العصبية) وقد درستها على أيديهم.

هذه التقنيات مهمة وجيدة في كثير من الأحيان..لكن من الخطأ ,أن نقول إنها (علوم)، فالعلم يحتاج إلى نظريات- تجارب موثقة- إحصائيات...و من جهات علمية أكاديمية معترف بها عالميا,و ليس من أفراد..وهذا ليس متوفرا بشكل كامل في التقنيات السابقة.

كما أن بعضا منهم تجاوزوا وقالوا إنهم (ألّفوا علما)دون أن يعرفوا فداحة ما يقولون..هم لا يعرفون معنى العلم ولم يدخلوا كلية علمية أصلا كي يعرفوا ما الذي تعنيه كلمة علم..

مثل (التكيف الترابطي العصبي) لـ”أنتوني روبنز”.. هو جيد و لكنه ليس علما.. عيب الكلام ده..
هو متحدث تحفيزي جميل.. لكن تقنيته البسيطة لا يصح أن نقول إنها “علم” كامل مثل الطب والهندسة مثلا!
والكلام ينطبق على باقي البرامج التدريبية أيضا.. فانتبهوا لهذه النقطة.

علم النفس الإيجابي

في ليلة الكريسماس عام 1997جلس بعض علماء النفس معا,وقد تركوا العالم كله يحتفل خلفهم..اجتمعوا لأن هناك شيئا مهما كان يشغل بالهم جميعا,و أرادوا أن يدرسوه معا لأنه لا يحتمل التأجيل بالنسبة لهم.

لاحظوا أن علم النفس كان يهتم في كل العقود الماضية,بدراسة الاضطرابات النفسية؛ لذلك كانت الأبحاث مركزة على الحالات المرضية لمعرفة أعراض الأمراض وأسبابها وتطور علاجها..
لكن أحدا لم يدرس الحالات المتفوقة نفسيا، أي السعداء والناجحين!

لماذا لا ندرس التركيبة النفسية للأشخاص السعداء والناجحين, ونطبقها على الإنسان العادي..

وضعوا أسسا علمية صارمة..و قسموا المهام فيما بينهم بشكل علمي منظم رائع..راح كل منهم يدرس ويبحث في اتجاه معين..ثم راحوا يجتمعون ويقارنون نتائج تجاربهم كي يصلوا لاستنتاجات جديدة..

مدرسة جديدة.. ظهرت بقوة مع بدايات هذا القرن.. فرع جديد من فروع علم النفس.
لو قرأت كتبهم فستجد التجارب والإحصائيات والجامعات العريقة المشاركة في الأبحاث..
مدرسة (العصر الجديد) التي تكلمنا عنها ليست علوما.. لكن علم النفس الإيجابي.. يعتبر علما أكاديميا محترما.

الخلاصة

هذه هي بعض مدارس التنمية الذاتية..
إذ يمكننا أن نعتبر أن الدين أعظم مدرسة للتنمية الذاتية على اعتبار أنه ينظم حياتنا ويطورها ويمكننا الاقتداء بالأنبياء كنموذج حي للنجاح والإيمان بالله..و هذه المدرسة لها رواد من علماء الدين المجددين ,الذين يتكلمون عن الدين على اعتبار أنه (أسلوب حياة) يكفل السعادة و النجاح لصاحبه.
هذه أهم مدارس التنمية الذاتية..بعضها تعتبر علوما والبعض الآخر آراء شخصية والبعض الآخر نظريات,و بعضها الآخر مجرد نصب..الفكرة هي أن تعرف الفرق جيدا بين ما هو علم ,و ما هو نصب.

لو أردت أن تدرس التنمية الذاتية, ادرس أحد هذه الأشياء واطلع على الباقي..
و الأهم هو أن تطبق ما تعلمته في حياتك الشخصية، فالعلم دون تطبيق,لا قيمة له ومضيعة للوقت.
أليس كذلك؟





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق