احذري اضطرابات ما بعد الولادة

الصحة والغذاء والطب

على الرغم من أن الولادة عملية فسيولوجية طبيعية تحدث في كل الكائنات في كل لحظة، ألا أنها تغيير هائل في التوازن البيولوجي والنفسي والاجتماعي، وأحيانًا يكون هذا التغيير أشبه بالزلزال في حياة المرأة إذا لم يسبقه ويواكبه ويتبعه رعاية صحية، ونفسية، واجتماعية كافية، وتختلف درجات تأثير الولادة على توازن المرأة من حالة لأخرى، فعلى حين نرى بعض النساء يجتزن هذا الأمر بشكل هادئ وبسيط بما يعطى الانطباع أن الولادة هي فعلاً حدث فسيولوجي طبيعي، نجد في حالات أخرى مظاهر أزمة حقيقية تسبق، أو تصاحب أو تتبع الولادة.
وهناك أهمية قصوى لمعرفة حدود ونوعية اضطرابات ما بعد الولادة بواسطة الأطباء، وحتى الناس العاديين، حيث إن بعض هذه الاضطرابات لا تحتاج سوى طمأنة المريضة في حين تحتاج اضطرابات أخرى إلى دخول المريضة المستشفى .
مظاهر تلك الاضطرابات يستعرضها د. محمد مهدى - استشاري الطب النفسي:
**كآبة ما بعد الولادة: ***
وهى تعتبر حالة مرضية، حيث إنها تحدث في حوالي 50% من النساء بعد الولادة ، وتبدأ بعد الولادة بأيام قلائل، وتستمر لعدة أيام، وتتميز بحالة من الكآبة واعتلال المزاج، وسرعة البكاء، والشعور بالتعب، والقلق، وسرعة الاستثارة والرغبة في الاعتماد على الآخرين، ومع مرور الوقت تقل حدة الأعراض، وتعود الأم إلى حالتها الطبيعية، وتعزى هذه الحالة إلى التغيرات الهرمونية السريعة، وضغوط الولادة، ووعى المرأة بزيادة المسئوليات التي تتطلبها أمومتها الجديدة، ولا تتطلب هذه الحالة سوى طمأنة الأم، ودعمها نفسيا، واجتماعيا حتى تجتاز هذه المشاعر.
**ذهان ما بعد الولادة:***
كانت طالبة في كلية الحقوق، وعرفت مهندسا، وأصرت على الزواج منه رغم معارضة أهلها لهذا الزواج نظرا لوجود بعض الفوارق الاجتماعية، ونظرا لسمعة هذا الشخص غير الطيبة، فقد أصيبت هذه الفتاة بنوبة من الاكتئاب خلال فترة الخطوبة أرجعها أهلها إلى المشاكل التي صاحبت تلك الخطوبة المتنازع عليها، واستمرت هذه الحالة حوالي شهرين، وانتهت مع استخدام مع بعض العلاجيات الشعبية.
وحين تزوجت تلك الفتاة وجدت معاملة سيئة جدا من زوجها الذي فضلته على أهلها، فكان يتركها طول الوقت، تجلس وحدها تبكى سوء حظها، وحين يحضر لا يفعل أي شيء سوى إهمالها أو إهانتها، وفى ذات الوقت لم يكن أحد من أهلها يزورها نظرا لاضطراب العلاقة بينهم وبين زوجها، وحين حدث الحمل كانت تعانى من قيء مستمر، وعدم القدرة على القيام بواجباتها المنزلية، وفقدت شهيتها، وأصابها أرق مستمر، وتدهورت صحتها تدهورا شديدا، وحين طلبت من زوجها أن يسمح لأمها أن تأتى لتقيم معها بعض الوقت حتى تتحسن حالتها رفض ذلك بشدة، فتحملت تلك الأوضاع كارهة، حتى أتمت الحمل، ووضعت الطفل.

ولاحظت حماتها أنها بعد الولادة بحوالي أسبوعين أصبحت في حالة غريبة فهي كثيرة الشرود والسرحان، تجلس لفترات طويلة دون حركة، ثم تصبح بعد ذلك شديدة القلق وعصبية دون مبرر واضح، وانقطعت عن تناول الطعام، وصارت لا تنام ليلا، أو نهارا، وأحيانا تبكى، وأحيانا تصرخ، لم يكن بجوارها في تلك الظروف غير حماتها، حيث إن زوجها كان مصرا على منع أهلها من زيارتها، وقد حاول زوجها مساعدتها بإحضار بعض المعالجين الشعبيين ولكن حالتها كانت تزداد سوءا حتى لقد لاحظوا أنها تنظر إلى طفلها بغضب وتلقيه عن يدها بعنف، وعندئذ أخذت حماتها الطفل منها لتحميه من هذه الأم المضطربة، وفى يوم من الأيام كانت حماتها تريد أن تذهب إلى السوق لتشترى بعض حاجات البيت، فتركت الطفل في حجرة مجاورة للأم، وحين عادت من السوق وجدت الأم قد أخذت الطفل إلى المطبخ وذبحته بالسكين.
أعتذر للقارئ إن كان هذا الحدث قد روعه، فهذه حالة حقيقية عايشتها بنفسي واستقبلتها في المستشفى، وهى بين الحياة والموت، فقد قبضوا عليها بعد الحادث، وأودعوها السجن عدة أيام للتحقيق معها، وفى هذه الأيام كان الجميع يشمئز منها لبشاعة فعلتها، فما من أحد يحتمل أن يرى أحدا قتل طفلا بريئا لذلك كانت تشعر بالنبذ والاشمئزاز من زميلاتها في السجن، ومن كثير من المشرفات على العنبر.
كذلك انقطعت عن الطعام والشراب (أو ربما قطعوه عنها ظنًا منهم أنها مجرمة فعلت ذلك بقصد)، وظلت على ذلك حتى أصبحت في حالة سيئة فنقلوها إلى المستشفى، واستدعت الكثير من العلاجات العضوية والنفسية حتى تحسنت حالتها.

هذه الحالة نموذج لذهان ما بعد الولادة، ذلك الاضطراب الذي يستوجب الانتباه له من أطباء النساء والتوليد، وأطباء الأسرة، والأطباء النفسيين، بل والمحيطين بالمريضة نظرًا لخطورة هذه الحالة.

ويتوقف حدوث هذا الاضطراب في السنة الأولى بعد حوالي أسبوعين لثلاثة بعد الولادة، والوقت الأكثر توقعا هو ثمانية أسابيع بعد الولادة، ويعتقد أن هذا الاضطراب يحدث نتيجة للعوامل التالية منفردة أو مجتمعة :
**ضغط عملية الولادة***
فلا شك أن الولادة ضغط نفسي ليس فقط نتيجة آلام الولادة وصعوبتها، بل إن الأم تقضى شهور الحمل في معاناة، ثم تصل إلى لحظة الولادة، حيث تعانى بشدة حتى تلد، وهى تكون قد قضت عدة ليال لا نوم ولا راحة، ثم تفاجأ أن هناك طفلاً بجانبها يحتاج للرعاية والسهر، وأن احتياجاته لا تنتهي، ويزيد من هذه الضغوط أن تكون الولادة غير طبيعية مثل: الولادة القيصرية، أو الولادة المتعثرة إلخ.
**التغيرات الهرمونية السريعة: ***
حيث يحدث انخفاض سريع لمستوى الاستروجين والبروجيستيرون بعد الولادة مما يخل بالتوازن البيولوجي لبعض الوقت.
**عوامل نفسية اجتماعية :***
كأن تكون المرأة تعيش في علاقة مضطربة مع الزوج أو أسرته، أو تعيش ضغوطا في العمل، أو تعانى من اضطرابات نفسية سابقة، ولم يتم علاجها بنجاح، وأحيانا تكون الأم رافضة للحمل، وبالتالي للطفل، حيث إنها لا ترغب أن تكون أما، وذلك بسبب مشاكل نفسية لديها، أو لارتباطها بزوج لا ترتاح إليه، أو بسبب قلقها من مسئولية الأمومة، وقد وجد من الأبحاث أن الخلافات الزوجية في فترة الحمل تزيد من احتمال حدوث ذهان ما بعد الولادة.
**بعض العوامل البيولوجية: ***
مثل تسمم الحمل، أو تعاطى بعض الأدوية، ويسبق حدوث هذا المرض بعض الأعراض الاستهلالية مثل: الأرق، وعدم الاستقرار والتململ، وسرعة الاستثارة، وعدم القدرة على التركيز، ثم يبدأ بعد ذلك ظهور الأعراض مثل: الاكتئاب الشديد “وأحيانا الهوس” الاضطرابات المعرفية “عدم التركيز، اضطراب الإدراك، اضطراب الذاكرة، اضطراب التفكير، ظهور بعض الضلالات “كأن تعتقد أنها مازالت عذراء، وأنها لم تلد، وأن هذا الطفل ليس ابنها، أو أنه شيطان، وأحيانا الهلاوس “كأن تسمع صوتا يقول لها يجب أن تقتلي نفسك، أو يجب أن تقتلي طفلك، لتريحيه من عناء الحياة”، واضطراب في الحركة ، وكثيراً ما يصاحب هذه الأعراض تشوش في الوعي، وشكوك ووساوس حول سلامة الطفل وصحته.

وحين يتم تشخيص هذه الحالة فيجب أن يؤخذ الأمر بجدية شديدة، حيث إنها أحد الطوارئ النفسية، وإذا وجد أن الحالة الصحية أو النفسية متدهورة، أو أن المريضة لديها ميول انتحارية، أو ميول لإيذاء طفلها، فإنه من الضروري إيداع هذه المريضة أحد المستشفيات النفسية، على أن يقوم أحد الأقارب برعاية الطفل، ويسمح للأم برؤية الطفل من وقت لآخر، ويكون ذلك تحت مراقبة تامة حتى لا تجد الفرصة لإيذاء طفلها، ويتم علاج هذه الحالات بنجاح بواسطة مضادات الاكتئاب والليثيوم، وأحيانا يضاف إلى ذلك مضادات الذهان، وفى الحالات الشديدة تستخدم جلسات تنظيم إيقاع المخ.
وبعد زوال الأعراض الحادة يتم مساعدة المريضة بواسطة العلاج النفسي، حيث تستكشف مشكلاتها النفسية ومشكلاتها الاجتماعية، ويتم دعمها نفسيا، ومساعدتها على تقبل دورها الجديد كأم.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق