الأمومة الصناعية.. تنهزم

الصحة والغذاء والطب

ماذا لو التقت أمَّان فى مكان واحد.. وكان لكل منهما طفل رضيع، وإحداهما ترضع صغيرها طبيعيًا، بينما تستخدم الثانية زجاجة الرضاعة؟ ماذا لو تحاورتا، وشرحت كل منهما مبررات اختيارها، وكانت لدى كليهما ذات الدرجة من الحماس لاختيارها، وكثير من الإصرار عليه، ترى لمن ستستدير دفة الحوار؟ ومن ستكون أكثر إقناعًا؟!
الأولى أمسكت “الببرونة” ودستها فى فم صغيرها الذى أمسكها بكفيه الصغيرين، وظل يمتص لبنها بنهم، بينما وضعت هى ساقًا على ساق وأصلحت وضع ملابسها
وقالت للثانية: ما رأيك فى هذا الفستان، كم هى مبتكرة فتحة صدره، ولكنك للأسف لا تستطيعين ارتداء مثلها؛ لأنها ضيقة ولا يمكن إخراج الثدى منها للإرضاع، قالتها وهى تنظر بإشفاق إليها، وقد احتضنت صغيرها الذى كانت ترضعه، وهو يحرك كفيه وساقيه بسرور ويصدر مناغاة لطيفة سعيدة.

ردت الثانية: وهل أحرم صغيرى من حقه الطبيعى حتى أرتدى ما أشاء ـ فقط ـ من ملابس؟
فقالت الأولى بثقة: لا طبعًا ـ فللرضاعة الصناعية ميزات أخرى، أتعرفينها؟ قبل أن ترد عليها.. استطردت: إننى أرضع طفلى مرات قليلة يوميًا وبانتظام؛ لأن اللبن الصناعى بطيء الهضم ويشعره بالامتلاء لفترة طويلة، كما أعرف تمامًا قدر ما تناوله من طعام بالنظر إلى مقياس زجاجة الرضاعة، بينما يصعب عليك ذلك فليس للثدى مقياس، قالتها بلهجة ساخرة واستمرت.
ثم ما رأيك فى الحرية؟ إنك لا تستطيعين الخروج إلا إذا تركت لطفلك بعض اللبن ليرضعه فى غيابك، وقد لا تستطيعين الخروج ـ أساسًا ـ إذا كان طفلك لا يأخذ “الببرونة”، أما أنا فأخرج فى أى وقت وأترك طفلى مع زوجى أو أمى ومعها زجاجة الرضاعة ـ فقط ـ وبصراحة هذا يجعل الأب يشعر بالمسئولية ويتعب مثل الأم كما يحس بالرابطة العاطفية مع طفله مثل الأم تمامًا.
**بدون إحراج!***
كانت الأم الثانية تواصل إرضاع صغيرها وتنصت للأولى، مما شجعها على أن تواصل: عندما وضعت طفلى كتب لى الطبيب قائمة بالأطعمة التى عليَّ تجنبها؛ لأنها تؤثر على اللبن، وهذا معناه أن أحرم نفسى من كثير مما أحب من طعام، أما مع الرضاعة الصناعية فأنا آكل ما أشاء، وحين أذهب إلى مكان عام ومعى طفلى لا أبحث عن ركن منعزل لإرضاعه، فزجاجة الرضاعة شيء غير محرج أن يراه الآخرون، ومالت على جارتها وهى تقول بلهجة باسمة وصوت رقيق: كلام فى سرك ـ مع الرضاعة الصناعية تكون نفسية الأم مستريحة جدًا، فلا هرمونات تعكر المزاج، ولا “ربطة” مستمرة بجوار الطفل لإرضاعه متى يشاء.. ولا تعطيل للمصالح، وأيضًا لا إحساس مستمر بالإجهاد يؤثر على علاقتك بزوجك نفسيًا وجسديًا.
**مائة عنصر مناعى***
وأنهت حديثها وهى تقول بفخر: أرأيت كم هى رائعة الرضاعة الصناعية؟ وقتها كانت زجاجة الرضاعة قد فرغت فسحبتها من فم الصغير، وحملته حتى تجشأ، ثم ألقته على الأريكة بإهمال، وحينئذ تكلمت الثانية فقالت: من واقع التجارب والأبحاث العلمية سأقول لك “بعض” مميزات الرضاعة الطبيعية، فلبن الأم ـ بفضل الله ـ يحتوى على حوالى مائة عنصر لا توجد فى سواه من الألبان المصنعة ثابتة التركيب، كما يتغير تركيبه لمواكبة احتياجات الطفل الغذائية فى العامين الأولين من عمره، وهو سهل الهضم ولا توجد به نسبة كبيرة من الصوديوم الذى يؤثر على كلية الطفل ـ كما فى اللبن الصناعى ـ الذى يحتوى على نسبة كبيرة من عنصر الفوسفور مما يعوق امتصاص الكالسيوم الموجود فيه، عكس اللبن الصناعى، إذ ليس به نسبة كبيرة من الفوسفور..
ولبن الأم ـ أيضًا ـ يا عزيزتى لا يسبب أية حساسية للطفل، بينما أظهرت الأبحاث العلمية أن 10% من الرضع يعانون من حساسية خاصة للبن الأبقار أو اللبن الصناعى فى العامين الأولين، ولو أنك حصرت نسبة الإصابة بالإمساك والإسهال لدى الرضع لوجدتها أقل بكثير عند من يرضعون من أمهاتهم.. يرضعون لبنًا إلهيًا مليئًا بالأجسام المناعية التى تجعلهم أقل تعرضًا لأمراض الأطفال الشائعة وأكثر مقاومة لها.
**رضاعة الهواء***
راقبت ملامح وجه الأولى فوجدتها مزيجًا من الدهشة والرفض، ولكنها كانت تستمع باهتمام، فاستطردت الثانية قائلة: أتعرفين؟ كثيرًا ما أشعر بأن صدرى فارغ أو به لبن قليل، ومع ذلك يستمر طفلى فى مص الحلمة دون ضرر، ولكن تخيلى لو أن صغيرك امتص حلمة الزجاجة وهى فارغة. عندها سيدخل الهواء بطنه ويصيبه بأضرار كثيرة منها: المغص والغازات واضطرابات النوم، والمص ـ كما تعرفين ـ غريزة يودعها الله فى الرضيع ويشبعها له بالرضاعة... سبحان الله.

أظهرت الدراسات أيضًا أن فم الطفل وفكه ينموان بشكل طبيعى وسليم إذا رضع من ثدى أمه، حيث تناسب الحلمة الربانية شكل الفم، أما حلمة الزجاجة فتشوه الفك وتجعل الأسنان تنمو بشكل غير سليم.

**بدون مقابل***
ثم دعينى أسألك.. ماذا تفعلين حين يجوع طفلك؟ ردت الأولى بصوت أضعف كثيرًا من صوتها الذى كانت تتحدث به عن الرضاعة الصناعية: أغلى الحلمة والزجاجة وأضع فيها بعض الماء المغلى ومعه اللبن وأرجها ثم أبردها تحت الصنبور إذا كان جائعًا جدًا، أو أتركها لتبرد فى جو الغرفة إذا كان يستطيع الانتظار وبعد الرضاعة أغسل الزجاجة وأغليها مرة أخرى حفاظًا عليها من التلوث.

عقبت الثانية: أما أنا فحين يجوع طفلى لا أفعل أكثر من إخراج ثديى من ملابسى، ولا أدفع مليمًا واحدًا لشراء اللبن أو زجاجات الرضاعة، ولا أغلى ماء أو أنتظر حتى يبرد اللبن، فهو ـ بقدرة الله ـ دافئ شتاءً، بارد صيفًا، نظيف ومعقم دائمًا.
ويساعد ـ أيضًا ـ على عودة رحم الأم إلى حجمه الطبيعى بعد الولادة، وينظم انقباضاته، وأردفت بسعادة وهى تنظر إلى صغيرها النائم كالملائكة: ثم إن احتضان الصغير وهو يرضع يقوى الصلة العاطفية بينه وبين الأم يتابعها بعينيه وتقبله وتمسح رأسه، وقد تستطيعين ذلك مع الرضاعة الصناعية ولكن تظل الزجاجة حاجزًا بينك وبين طفلك.
وكانت جملتها الأخيرة: الرضاعة هدية إلهية للأم والطفل، فلماذا ترفضين هدية الله يا أختى الحبيبة؟
**حرمان اختيارى***
لم ترد الأولى.. واستأذنت فى التدخل فقلت موجهة حديثى لها: يبدو أنك متحمسة جدًا للزجاجة.. ولكن ألا تلاحظين أن كل ما ذكرته من مميزات للرضاعة الصناعية يرتبط بك أنت وحدك؟ وكأنك تريدين الراحة لنفسك على حساب مصلحة الصغير، وهذا لا يتناسب مع الحنان الفطرى عند الأم، لقد التقيت كثيرات كن يرضعن صناعيًا مضطرات لسبب أو لآخر، وكنت ألمح فى عيونهن وأسمع فى أصواتهن حزنًا خفيًا وشعورًا بالحرمان من ميزة رائعة اضطرتهن إليها الظروف، فكيف “تختارين” أنت هذا الحرمان طواعية وتقنعين نفسك به قسرًا وتحرمين طفلك من كنز من الميزات الإلهية وتحرمين نفسك من زاد عاطفى وصحى لا مثيل له.. طفلك لا زال صغيرًا جدًا فراجعى نفسك.. صمتت.. ورأيتها تنظر بالتبادل إلى صدرها وزجاجة الرضاعة، ولمحت ظل ابتسامة على شفتيها وهى تحتضن صغيرها فتمنيت أن تذيقه لبنها للمرة الأولى بعد قليل من التفكير!





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق