اغتيال الشيخ ياسين.. الدوافع والآثار!

فلسطين واليهود

جاءت العملية الصهيونية باغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين، وهو الشهيد الفلسطيني العربي المسلم -الشهيد الحيّ- قبل اغتياله وبعد اغتياله؛ لأنه كان شهيدًا يمشي على الأرض، جاءت هذه العملية الغادرة لتذكرنا بحقائق لن تغيب عنا -إن شاء الله-، ولن تغيب عن كل شرفاء هذه الأمة.
فالشهادة قدر الشرفاء، وقدر المجاهدين، وهي تكريمٌ من الله تعالى لمن يستحقها (ويتخذ منكم شهداء) والشيخ المجاهد أحمد ياسين – رحمه الله - استحق الشهادة بجدارة، بجهاده في سبيل الله، ثم الوطن والأرض والعرض، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، وقد نال الشيخ أحمد ياسين هذه الشهادة مع عددٍ من رفاقه المجاهدين.
- إن العدو الصهيوني، بل العدو الصهيوني الأمريكي هو تجسيد للخسة والغدر، وأنه كان وسيكون دائمًا - بحكم الطبع والتكوين والأهداف - إرهابيًّا عدوانيًا، ولا سبيل هناك لمواجهةٍ إلا بالمقاومة كخيار صحيح ووحيد، وهل تكون العملية الغادرة ضد الشيخ ياسين في فجر يوم الاثنين 22 مارس 2004عند خروجه من أحد مساجد غزة بعد أدائه مع رفاقه صلاة الفجر- درسًا لهؤلاء الذين ما يزالون ينخدعون بإمكانية السلام والتعايش مع الكيان الصهيوني؟!
- إن الجماهير التي خرجت لوداع الشيخ ياسين في غزة، أو التي خرجت في مظاهراتِ احتجاجٍ في طول العالم العربي والإسلامي وعرضه إنما تؤكّد تقديرها وتحيّتها لكل مجاهد، وتعلن انحيازها لخيار المقاومة ورفضها لمسيرة الخضوع والإذعان، وكذلك هو استفتاء على أن الشيخ ياسين شخصيًّا هو الإنسان والمجاهد والرمز الأسمى فلسطينيًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وهو الزعيم الحقيقي لتلك الجماهير.
- أن متابعة شارون شخصيًّا للقوّات الصهيونية أثناء تنفيذها لتلك العملية الغادرة، وأنه شخصيًّا هو الذي أعطى التعليمات بذلك، وكذا موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي على تصفية كل الرموز السياسية لحركتي حماس والجهاد، وكل المجاهدين والمناضلين، وكذا تلقِّي شارون التهاني من الإسرائيليين عقب العملية، ثم تهنئته هو شخصيًّا للذين قاموا بالعملية إنما تؤكد أن الكيان الصهيوني لا يريد السلام، ولا يفهم سوى لغة الدم، كما أنّ هذا كله هو نوع من الصفعة للحكّام العرب، وكل الذين يقابلون شارون أو يستقبلون الإسرائيليين من أيّ صنف ونوع، وهل الحكام والمطبِّعون يرعَوون عن هذه الإهانة لهم، وينحازون إلى صفوف أمتهم ووجدان جماهيرهم وشعوبهم، وأن روح الشماتة والفرح على وجوه الإسرائيليين عقب الإعلان عن العملية إنما تدل على الخسّة والنذالة، وسوف يندمون كثيرًا إن شاء الله على ذلك (ليضحكوا قليلاً ويبكوا كثيرًا).
عدوان على كل مسلم
إن العملية الغادرة ضد الشيخ ياسين ورفاقه هي عدوان على كل عربي ومسلم وفلسطيني؛ بل على كل مستضعف في العالم؛ بل على كل شرفاء هذا العالم، ذلك أن الشيخ ياسين لم يكن رمزًا لحركة حماس فقط؛ بل لكل المقاومة الفلسطينية، ولكل الشعب الفلسطيني، ولكل عربي ومسلم، ولكل مستضعف في العالم، ولكل من يحلم ويريد مناهضة الهيمنة الأمريكية والاستكبار الدولي، ولكل من يحلم بعالم نظيف جميل وعادل.
وهكذا فإن الانتقام للشيخ ياسين لن يكون قاصرًا على حماس فقط، ولا المقاومة الفلسطينية فقط، بل سيمتدّ ليشمل كل عربي ومسلم في فلسطين وخارجها، وهكذا فإن تغيرًا نوعيًّا متوقعًا على مستوى المقاومة والمناهضة للمشروع الأمريكي الإسرائيلي بعد اغتيال الشيخ ياسين.
- إن اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين ورفاقه لن يفتّ في عضد المقاومة، ولا حركة حماس؛ بل سيؤجّج الغضب، ويساهم في خروج المارد من القمقم (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلَبٍ ينقلبون) ومن المتوقع أن تتسع روافد المقاومة عمومًا وحماس خصوصًا.
- يمكننا أن نقول بدون إجهاد الذهن والتفكير إن عملية اغتيال الشيخ ياسين سوف تكون ذات آثار وخيمة على الكيان الصهيوني، وإنها نوع من الحماقة والفشل الإسرائيلي والشاروني، وهو معروف بـ”الغباء الاستراتيجي” لأنّ الشيخ ياسين رجلٌ قعيد يسمع بصعوبة ويعاني من عددٍ كبير من الأمراض لم يكن له نشاطٌ حركي بالطبع في الآونة الأخيرة؛ بل كان فقط يذهب إلى المسجد ويعود بمعونة عدد من أبنائه ومحبيه، وهكذا فإن التأثير الحركي لغياب الشيخ ياسين على حركة حماس لن يكون مؤثرًا. وفي المقابل فإن الشيخ ياسين كان رمزًا تاريخيًّا، وهو من -وجهة نظري- من أهم الشخصيات التاريخية الفلسطينية ذلك أنه أحدث نقلة نوعية في النضال الفلسطيني في وقت حرج للغاية، ولولا هذه النقلة في حركة كبيرة مثل حماس لكانت المقاومة، وخيار المقاومة، ومعادلات القضية كلها في موقفٍ حرج .. صحيح أن حركة الجهاد الإسلامي سبقت في هذا الطرح حركة حماس، ولكنّ دخول حماس في تلك المعادلة -بما لها من ثِقَلٍ عددي وإمكانياتٍ ضخمة- أحدث تعديلاً هائلاً في طرفي المعادلة لصالح خيار المقاومة، وهذا محسوب للشيخ أحمد ياسين -رحمه الله- شخصيًّا؛ ذلك أن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين كان قد قرَّر عدم المشاركة في انتفاضة 1987 ولكن الشيخ ياسين قرَّر العكس، واتخذ القرار على مسؤوليّته الشخصية، وإن هذا الموقف التاريخي للشيخ ياسين لم يكن فقط مفيدًا لخيار المقاومة، ولا مفيدًا للقضية الفلسطينية فقط؛ بل إنه كان أحد الدوافع الهامة التي زادت من شعبية جماعة الإخوان المسلمين في كل مكان في العالم، لأن حركة حماس أصبحت فخرًا للجميع، وبالتالي فإن الإيجابية الحماسية انعكست على سمعة الإخوان المسلمين عمومًا باعتبار حركة حماس أحد روافد جماعة الإخوان المسلمين.
- الشيخ ياسين إذن رمز تاريخي كبير على مستوى حركة الإخوان المسلمين، وعلى مستوى المقاومة الفلسطينية، وبالتالي كان يملك الزخم الجماهيري القادر على القبول بأي حل براجماتي، ولعل اغتياله في ذلك الظرف، وبتلك الطريقة سيحرج إلى أمد بعيد كل دعاة الحل البرجماتي داخل صفوف حماس والمقاومة؛ فلم يعد هناك أحد بحجم أحمد ياسين قادر على القبول بحلول براجماتية، كما أن الذي حدث لأحمد ياسين وتقطيع جثته أشلاء على يد القوات الإسرائيلي، سيردع أي أحد يفكر في تلك الحلول البراجماتية، وبدهي أن كل ممارسات إسرائيل وشارون قد أحرقت الأرض تحت دعاة البراجماتية.
مرحلة جديدة من النضال
وهكذا فإن فلسطين بعد 22 مارس لن تكون مثلها قبل 22 مارس، ولا المقاومة بعد هذا التاريخ ستكون مثلما كانت قبله ولا حركة حماس كذلك، وستثبت الأيّام أن إسرائيل سوف تدفع ثمنًا غاليًا لهذه العملية الغادرة، بل أمريكا أيضًا (والله من ورائهم محيط).
عملية الاغتيال إذًا عنوان على حماقة وفشل شارون؛ فهو استهدف من العملية حفظ ماء وجهه وهو الفاشل في منع العمليات الاستشهادية، والذي يفكر في الهروب من غزة، ولا يريد أن يقال إنه خرج منها مدحورًا مذمومًا كما خرج باراك من لبنان. ولكن على كل حال؛ فإن عملية اغتيال الشيخ ياسين ليست عملية نوعية هامة رغم قيمة الرجل الكبرى؛ فقد كان الرجل سهل المنال لظروفه الصحية، ولحرصه على أداء الصلاة في المسجد؛ وبالتالي فإن اغتياله لم يكن صعبًا، بل هي عملية جبانة وغادرة، وإسرائيل تريد أن توصل رسالة إلى قادة المقاومة والدول العربية أنها لن تتورع عن عمل أي شيء، وإذا كان اغتيال الشيخ ياسين من اغتيال الرمز الأكبر فلسطينيًّا، وهي عملية كان يعرف شارون أنها غير مبررة دوليًا، فإن معنى ذلك أن شارون يقول إنه سيفعل كل شيء مهما كان ذلك استفزازيًا للفلسطينيين أو مدان من العالم وأنه لم يعد يهمه شيء ؛ وهذا شكل من الحماقة والغطرسة أيضًا؛ فالقرار الإسرائيلي بتصفية الكوادر السياسية لحركات المقاومة سيدفع بصفوف جديدة لقيادات تلك الحركات، ستكون بالضرورة أكثر راديكالية وخبرة، لأنها ظهرت وتربت في أتون المعركة.
معركة أمريكية إسرائيلية ضد المقاومة
يصنف الدكتور إبراهيم البحراوي الخبير الاستراتيجي المعروف مواقف الإسرائيليين من تلك العملية؛ فهناك قسم يرى أنه لو كان اغتيال الشيخ ياسين سيؤدي إلى إصابة حركة حماس بالشلل لوافق على عملية الاغتيال، ولكن الاغتيال سيؤدي إلى العكس، أي إلى زيادة نشاط حركة حماس لأن حماس مرتبطة بشبكة أوسع من الإسلاميين في جميع أنحاء العالم؛ وبالتالي فإن اغتيال الشيخ لن يؤدي إلا إلى المزيد من عملياتها (هذا رأي الوزير افراهام بوراز). وقسم آخر يرى أن العملية ضارة تكتيكيًّا ومؤثرة على المدى الطويل .. وهذا رأي الوزير “نتنياهو” فهو يرى “أن حماس سترد في المدى القصير بعمليات تهز الأمن الإسرائيلي لكن عملية الاغتيال ستحقق الفائدة لإسرائيل في المدى البعيد على أساس أن هذه العملية تبعث برسالة إلى كل من يعمل ضد أمن إسرائيل وهي رسالة تقول إن إسرائيل لن تضع أي حسابات لقيمة الشخص ولا لمكانته وهذا ما يجعل قادة حماس يرتدعون في المستقبل”.
ونقلاً عن د. إبراهيم البحراوي أيضًا؛ فإن المحلل العسكري الإسرائيلي الجنرال جودا عوفير يرى أن الشيخ أحمد ياسين سيكون وهو ميت أقوى مئة مرة عما كان عليه وهو حي؛ فلقد كان حيًّا فقط يحرك تنظيم حماس أما وهو ميت فإنه سيحرك أناسًا عاديين سيدفعهم الغضب لمشهد بدنه المحترق وهو خارج المسجد إلى التحرك. ويرى الدكتور بوعاز جانور الخبير بمعهد دراسات الإرهاب أن المشكلة الأمنية التي خلفها اغتيال الشيخ تتمثل في الناس العاديين الذين سيتحركون بالدافع الذاتي بعيدًا عن الرقابة المفروضة على حركة التنظيمات، وهؤلاء يمثلون خطرًا لا يمكن توقع تحركاته، وفي الاتجاه نفسه يرى الدكتور رؤبين باز المحلل السياسي أن عملية الاغتيال تحمل لإسرائيل مخاطر أوسع؛ فالشيخ ياسين كان يعارض قيام حماس بأية عمليات ضد المصالح الإسرائيلية خاصة أن بطن إسرائيل عارية في العالم.
عملية اغتيال الشيخ ياسين هي جزء من الحرب العالمية ضد حماس وهي معركة أمريكية إسرائيلية، وهي جزء من معركة بدأت منذ وقت طويل ضد كل القوى الحية في الشعب الفلسطيني، وإذا كانت إسرائيل قد اغتالت عشرات من قادة المقاومة من قبل أمثال: أبي جهاد، الشقاقي ، أبي علي مصطفى ...إلخ؛ فإن إسرائيل أعلنت الآن بوضوح أنها سوف تغتال كل قادة المقاومة من حماس والجهاد وكتائب الأقصى والجبهة الشعبية وحتى الذين يتحدثون للفضائيات منهم، وذلك كنوع من التصفية النهائية لتلك الحركات بجناحيها العسكري والسياسي، أو تنظيف غزة تمهيدًا للانسحاب منها وتسليمها بالتالي للعناصر الموصوفة بالاعتدال إسرائيليًّا من السلطة الفلسطينية، وهكذا فإن المعركة باتت مفتوحة ومعلنة، وبدهي أن قادة المقاومة لن يخيفهم الموت لأنهم يؤمنون بأن هناك قدر يحكم مسألة الموت (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وأن التراجع لن يوقف العدوان الإسرائيلي بل سيزيده، بالتالي فإنه لا مفر من المقاومة كخيار وحيد وصحيح.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق