سياسة التعرية

ثقافة عامة

تناقلت وسائل الإعلام خبر قوات الاحتلال “الاسرائيلية” التي أجبرت الصحافية السويسرية (كارين وينجر) على التعري من ملابسها، وحتى الداخلية منها، على حاجز (بيت حانون) مما أثار حفيظة وزارة الإعلام الفلسطينية التي اعتبرت أن هذه الممارسات تعد خرقا فاضحا لحرية الصحافة والصحافيين والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان داعية المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان إلى التحقيق في هذه الحادثة!.

يبدو وكأن وزارة الإعلام لم تسمع عن مسلسل عمليات التعرية التي تعتبر من سياسات الاحتلال “الاسرائيلي”- الأمريكي مثلما يجري في المعتقلات ومثلما جرى في سجن أريحا مؤخرا عندما اجتاحته “اسرائيل” وقامت بتعرية الفلسطينيين من ملابسهم والعرب من كرامتهم في بث حي ومباشر وكانت رؤية العرب عراة تشفي غليل “الاسرائيليين” وتشهد على هزيمتهم مرة أخرى عندما لا يجرؤ أحد أن يندد بهذه الممارسات اللاأخلاقية.

مثلما جرى في سجن أريحا جرى في معتقلات جنوب لبنان، وسجون العراق، وغوانتانامو، وسجون “اسرائيل” حتى يمكننا القول أنه لم تتعرض أية أمة في التاريخ، مثل ألمانيا أو اليابان أو فيتنام، أو كوريا الشمالية أو بنما أو حتى الهنود الحمر مثلما تعرض له العرب من إذلال وإهانة مثلما كتب أحد الصحافيين الأمريكيين في “واشنطن بوست” لم تشوه سمعة جماعة دينية أو ثقافية أو قومية وحُطّ من قدرها بشكل مركز ومنظم كما حدث (للعرب) طبعا على أيدي الولايات المتحدة و”اسرائيل” دون احترام للشرعية الدولية، ولا للقواعد الأخلاقية، ولا القيم الإنسانية، ولا العلاقات بين الشعوب على المدى الطويل.

لم تقتصر معاملة العرب على الاحتلال، والسجن والاعتقال والاتهام بالإرهاب والإبادة والتدمير، ولا على الشتائم التي تصدر من حين لآخر عن الساسة والصحافيين وغيرهم التي تتناقلها وسائل الإعلام، ولا ما تتضمنه مناهجهم الدراسية من نعت العرب بصفات مزرية، ولا على الأفلام السينمائية التي تصورهم أنهم متوحشون وهمجيون ولصوص وقطاع طرق وشبقون وكأننا نحن الذين نحتل بلادهم، ونسرق ثرواتهم، وندمر ممتلكاتهم، ونزج برجالهم ونسائهم وأطفالهم بالمعتقلات والسجون، ونتحكم بمصائرهم بل وصل بهم الحقد إلى تعرية العرب المعتقلين من ملابسهم، وكشف عوراتهم مثلما قال احد المعتقلين العراقيين لمراسل (قدس برس) “إن للمحققين الأمريكيين أساليب يستحي منها حتى أعتى عتاة الإرهاب والديكتاتورية في العالم عندما قامت القوات الأمريكية في أبو غريب بإدخال سجينات عراقيات عاريات على سجناء عراقيين عراة، وأنا كنت منهم فغطينا عوراتنا بأيدينا كما فعلن هن نفس الشيء”!.

لم يشف غليل قوات الاحتلال الأمريكي – “الاسرائيلي” التعذيب الجسماني بل لجأوا إلى الإذلال النفسي عندما تجاوزوا على حرمة الإنسان العراقي والفلسطيني واللبناني وخصوصياته وأخلاقياته وعاداته وتقاليده التي تربى عليها فقاموا بتعرية المعتقلات والمعتقلين، وتغطية رؤوسهم، وممارسة أعمال مشينة معهم، وتكويمهم فوق بعضهم البعض، بل أكثر من هذا تصوروا معهم، والفرحة والغبطة بادية على وجوههم، والابتسامات العريضة تعلو شفاههم، ونشوة النصر تظهر في أعينهم، ولن تزول هذه الصور من مخيلات الأجيال العربية ولا من ذاكرتهم مهما تغنت الولايات المتحدة بالحرية والديمقراطية، ومهما تحدثت “اسرائيل” عن السلام، ومهما قدم بوش من اعتذارات لأنها لم تحدث مرة واحدة بل مرات عديدة، ولم تحدث صدفة بل عن نية مبيتة، ولم تصدر عن تصرف مزر بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافة الاحتلال لأنهم يعرفون أن العرب يكرهون انتهاك حرمة خصوصياتهم أكثر من أي شعب آخر وحبذا لو تقوم وزارة الإعلام الفلسطينية بنشر شهادات المعتقلين وما تعرضوا له في المعتقلات “الاسرائيلية”، ولو دون ذكر أسماء حتى تكون شهادات للتاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــ

* المحرر السودانية العدد 243 – 244 (د. حسين أبو عرابي)





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق