مفاهيم أساسية في ثقافة الأمم

ثقافة عامة

- في حياة كل أمة مفاهيم أساسية تحرص عليها، وتعمل على ترسيخها، وتعميق إدراكها في شؤونها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من أمور الحياة. وتسعى كل أمة سعيًا حقيقيًا دائبًا على أن تكون مفاهيمها واضحة الدلالة في ذاتها، مرعية الجانب لدى أبنائها، واسعة الانتشار والتداول لدى غيرها، وتتخذ لتحقيق ذلك وسائل شتى: فيؤلف الكتب، وتعقد المؤتمرات، وتقوم بالدراسات، وتصدر النشرات، وتضع مناهج التربية والتعليم، وتستخدم – بوجه عام – كل وسائل الإعلام والتوجيه لتوضيح هذه المفاهيم وشرحها، وبيان أسسها وخصائصها، وتفصيل وجوه النفع فيها.

إن هذه المفاهيم الأساسية، وما ينبثق عنها ويتعلق بها، هي في حقيقتها: ما يمكن أن يطلق عليه – بشكل عام – ثقافة الأمة – أو حضارتها، مع الأخذ بعين الاعتبار ما بين الثقافة والحضارة من فروق يدل عليها تطور الكلمتين في اللغة العربية واللغات الأخرى.

2- وأكثر ما يهتم به قادة الفكر والثقافة المؤمنون بمفاهيم أمتهم، الدائبون لنشرها، هو نقلها من حيز النظر المجرد إلى الواقع البشري الحي، ووصل حياة الناس بها، بحيث تكون مصدر فكرهم وشعورهم، وطابع سلوكهم، وسمة حياتهم العملية. ومن هنا يخرج مدلول الثقافة عن قصد المعرفة المجردة إلى المعرفة الهادفة. أو بتعبير آخر: عن المعرفة الساكنة التي لا تتجاوز حدود العمل الذهني، إلى المعرفة المحركة التي تحدث تفاعلاً موجهًا واضح التأثير مع تطلعات الفرد والجماعة.

ولعل خير ما يجلي هذه الفكرة ما ذكره (أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي) في وصف العلم والأدب: “فإنهما القطبان اللذان عليهما مدار الدين والدنيا، وفرق ما بين الإنسان وسائر الحيوان، وما بين الطبيعة الملكية والطبيعة البهيمية، وهما مادة العقل وسراج البدن، ونور القلب وعماد الروح، وقد جعل الله بلطيف قدرته، وعظيم سلطانه، بعض الأشياء عمدًا لبعض ومتولدًا من بعض، فإجالة الوهم فيما تدركه الحواس تبعث خواطر الذكر، وخواطر الذكر تنبه روية الفكر، وروية الفكر تثير مكامن الإرادة، والإرادة تحكم أسباب العمل، فكل شيء يقوم في العقل ويُمثل في الوهم يكون ذكرًا، ثم فكرًا، ثم إرادة، ثم عملاً.

3- وإذا كان لابد لهذه المفاهيم الأساسية من مرتكزات منطقية وأصول علمية، فإن الأمم التي تعوزها هذه المرتكزات والأصول لمفاهيمها، تحاول أن تعوض هذا النقص الخطير باتخاذ أسلوب الافتراض والتخمين. وقد تلجأ أحيانًا إلى ضروب من المغالطات الخفية، والمرتكزات الوهمية حين تنعدم لديها الحقائق الأصلية، وتفقد قواعد اليقين العلمي الراسخ، وتحاول أن تحيط مفاهيمها الناقصة التي لا تستند إلى أدلة مقبولة بهالةٍ من التمجيد والتزيين تلفت إليها الأنظار، فترمقها مبهورة بظواهرها غافلة عن حقيقتها، ويحجبها البريق اللامع المصنوع بكثير من المهارة عن النظرة النافذة العميقة التي تقومها التقويم الصحيح.

4- وليس يعرف في تاريخ الأمم – ماضيها وحاضرها – أن واحدة منها أهملت في نشر ثقافتها، أو تركتها تذوب في ثقافة غيرها، أو تتلاشى في عقول أبنائها، لتحل محلها ثقافات أخرى طارئة غريبة.. ذلك أن الثقافة – في حقيقتها – هي الصورة الحية للأمة، فهي التي تحدد ملامح شخصيتها وقوام وجودها، وهي التي تضبط سيرها في الحياة، وتحدد اتجاهها فيها، إنها عقيدتها التي تؤمن بها، ومبادئها التي تحرص عليها، ونظمها التي تعمل على التزامها، وتراثها الذي تخشى عليه الضياع والاندثار، وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار.. فإذا اهتزت هذه الصورة، أو اضطربت ملامحها، أو طمسها الركام المتكاثف فوقها، لم يكن للأمة – بسبب ذلك – شخصية تميزها، أو سمات تنفرد بها، بل تصبح تبعًا لغيرها، حتى تنتهي إلى الاضمحلال، وتؤول إلى الزوال، وتلك هي الكارثة التي تخشى كل أمة حية أن تحل بها، فتمحق وجودها، وتطمس حياتها.

ـــــــــ

أ.د.عمر عودة الخطيب، بتصرف.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق