صور من الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية

ثقافة عامة

يتفاخر بعض الأكاديميين العرب بأنه تلقى علومه، ونال عليا شهاداته من جامعات الغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وتشعر في حديث هذا النفر من الأكاديميين بنبرة التعالي والتفاخر، من خلال أسلوبه في الحديث، وحركات يديه ووجهه، كأنه وُلد لأبوين أمريكيين وجدين هولنديين، ولا علاقة له بأهله العرب المسلمين. ولا خلاف مع أمثال هؤلاء المستلَبين ثقافياً على أن الجامعات الغربية تهتم بدراسة الإسلام؛ فهذه حقيقة لا شك فيها، ولكن الشك كله يحيط «بدوافع» تلك الدراسات. فما الذي يبحث عنه الباحثون في الجامعات الغربية وهم يدرسون الإسلام في أبحاثهم العلمية؟ هل تكون لديهم آراء مسبَّقة يريدون تدعيمها بنتائج بحوث معتمدة بأختام كبريات جامعاتهم لتغدو كأنها حقائق؟ هل يبحثون فعلاً عن الحقيقة بقلوب وعقول فارغة من أية أحكام مسبقة؟

في السطور التالية سأحاول ـ من خلال استعراض عدد من تلك الدراسات ـ فَهْمَ نظرة الغرب للإسلام والمسلمين كما تعكسها الدراسات الأكاديمية في بعض الجامعات الغربية:

أولاً: الاهتمام بأحوال تنصير المسلمين:

اهتم بعض الباحثين بدراسة أحوال المسلمين المرتدين عن دينهم، وأوضحت دراسة قدمها (سوراجارامان) للحصول على درجةEDD من (مدرسة الثالوث اللاهوتي البروتستانتية) عام 1993م، وتقع في 171 صفحة تناول ما أسماه بـ (الخبرات المتطورة للمسلمين المتحولين إلى النصرانية).

وسعى الباحث في هذه الدراسة للتعرف على أحوال المسلمين المتحولين للنصرانية من خلال اختيار عينة من ثلاثين رجلاً وامرأة تنصروا من مسلمي ولاية إلينويز Illinoys الأمريكية. وقابلهم الباحث مقابلات شخصية، وقد راعى الباحث بعض المعايير عند إجراء مقابلاته مع هؤلاء المفحوصين منها:

1 ـ أن تتوفر لديهم قدرة على التحدث والتفاهم باللغة الإنجليزية.

2 ـ أن يوافقوا على إجراء هذه الدراسة عليهم ويعلموا بأهدافها المعلنة (المغلفة بعبارات طنانة مثل: التقارب، والتفاهم الأفضل... إلخ).

3 ـ أن يكون منهم ممثلون لمناطق جغرافية مختلفة، فكان منهم أفراد من آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط.

وقدم الباحث لهذه العينة قائمة موضوعات مرتبة أبجدياً ليجيبوا عنها، وفي نهاية دراسته توصل إلى عدد من النتائج نعرضها فيما يلي بالطريقة التي عرضها بها صاحب الدراسة:

1 ـ اتضح من النتائج أن العلاقات بين المسلمين والنصارى مهمة لبناء ثقة متبادلة وتفاهم متبادل من خلال الصداقات والتواد العائلي.

2 ـ يجب أن يتعاون المسلمون والنصارى في الانفتاح بعضهم على بعض، وعقد ندوات مفتوحة لمناقشة بعض الأمور المتعلقة بالإنجيل والقرآن.

3 ـ التعاون النصراني الإسلامي مطلوب من أجل مصلحة الطرفين.

ويبدو من هذه النتائج أن أداة البحث التي وزعت على عينة المفحوصين لم تكن محايدة، وإنما اختيرت عباراتها بذكاء شديد لتسمي (الاستهواء) تعاوناً، و (الاستقطاب) تفاهماً مشتركاً.

إن الباحث حين تحدث عن أسباب تحول المسلمين إلى النصرانية ركز على (المعاناة) بوصفها أحد الأسباب التي دعت للتنصر، كما أشار الباحث إلى قيام المجتمع النصراني بتلقف هؤلاء المتنصِّرين وتوفير الراحة، والمأوى، والنصيحة لهم، بعد نبذ عائلاتهم المسلمة لهم إثر ارتدادهم عن دينهم.

وركزت نتائج البحث على ما يعانيه المتنصرون من مشكلات تتعلق بعائلاتهم المسلمة السابقة وعلاقاتهم بها، وعلى الضغوط التي يتعرضون لها من السلطات الإسلامية بنوعياتها المختلفة.

وقد أوصى الباحث الكنائس بتوجيه دراسات تتعلق بالتخطيط التعليمي لاستقطاب المزيد من المسلمين لكي يتنصروا، وتدريب النصارى على مهارات إنشاء علاقات مع المسلمين القابلين للاستهواء، وتوجيه دراسات نحو المعاناة الناجمة عن التحول للنصرانية ومحاولة تذليلها.

وبالجملة: فإن مثل هذه الدراسة تهدف ـ بوضوح ـ إلى تقديم يد العون لهؤلاء المسلمين المرتدين وتخفيف معاناتهم.

ثانياً: دراسة ارتباط الدين بالسياسة في المجتمعات النامية:

ومما يهتم به الباحثون في الجامعات الغربية، العلاقة بين الدين والسياسة، ولا سيما السياسة الخارجية، في عدد من كبريات الدول النامية.

فقد قدم الباحث (أوليوفولا جيمي ادجوكن) رسالته للدكتوراه إلى جامعة هارفارد الأمريكية عام 1991م في 281 صفحة حول (تأثير الدين في السياسة الخارجية النيجيرية) حيث قام الباحث بتحليل المعلومات التي حصل عليها من الوثائق الحكومية والمقالات الصحفية والمقابلات الشخصية مع عدد من الشخصيات المسؤولة في الحكومة والتي تنتمي إلى الديانتين الكبريين في نيجيريا وهما: الإسلام والنصرانية.

وعند حديثه عن الإسلام كان الباحث يشير كثيراً إلى ما أسماه: «ارتباط المتدينين بالجماعات التي لها المعتقدات نفسها خارج نيجيريا» وكأنه يريد أن يقول: إن المسؤولين الحكوميين غير منتمين لمصالح دولتهم بقدر ما هم منتمون لدينهم، ومن ثم فإن السؤالين الكبيرين اللذين قامت عليهما الدراسة هما:

1 ـ هل يعكس الانقسام النصراني ـ الإسلامي في نيجيريا خلافاً عرقياً؟

2 ـ ما درجة تأثير الجماعات الدينية الخارجية على سياسة نيجيريا الخارجية؟

ومن النتائج العجيبة التي توصلت إليها هذه الدراسة هو أن النصارى الذين يتركزون في جنوبي البلاد يصدِّقون أن (إسرائيل) دولة نصرانية! أو أنه أوعز إليهم بهذا.

ولا يشترط أن يكون الباحثون في مثل هذه الموضوعات من الغربيين؛ فقد يوجه الأساتذة طلابهم المسلمين المبتعَثين إلى دراسة موضوعات تلبي حاجات الأساتذة وأجهزة الاستخبارات التي يعملون لصالحها. فلا ينكر أحد أن كثيراً من الجامعات الغربية تتيح نتائج بحوثها لمن يطلبها من الأفراد، ولأي هيئة تطلبها ما دامت تدفع التكاليف.

وقد يكون من هذا النوع رسالة الدكتوراه التي تقدم بها محمد نور مونتي إلى جامعة تمبل 1990م وتقع في 451 صفحة وتدرس (التغير الاجتماعي في ماليزيا المعاصرة) وبالرغم من هذا العنوان، فإن اهتمام الدراسة انصب على التنظيـم الطـلابي المؤثر الذي نشأ في ماليزيا 1971م تحت اسم (جمعية الطلاب المسلمين الوطنية) والتي يرمز لها بالحروف (A.B.I.M ) ومدى قدرة هذا التنظيم على التأثير في قرارات الحكومة الماليزية داخلياً وخارجياً؛ فقد اهتم الباحث بمحاولة استكشاف توجهات وقرارات الحكومة الماليزية خلال سنوات طويلـة ومـدى تأثــر تلــك الـتـوجــهات والقــرارات بجـماعــة الـ (A.B.I.M) بوصفها جماعة ضغط لها تأثيرها في الأوساط الشبابية خاصة، وفي الحياة بمجالاتها المختلفة بعامة.

ثالثاً: الاهتمام بدراسة أوضاع المرأة المسلمة:

إن الغرب يدرك تماماً الدور الخطير المنوط بالمرأة في بناء المجتمعات، ومن ثم فإن هناك اهتماماً متزايداً بتوجيه الدراسات نحو المرأة المسلمة في المجتمعات الإسلامية، أو غير الإسلامية (الأقليات المسلمة).

ففي دراسة الدكتوراه التي قُدِّمت من الباحثة دينا إسحق جراح 1990م عن المرأة الفلسطينية: (وضع ودور المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية) أشارت نتائج الدراسة إلى تأثير الدين على الاتجاهات الثقافية والفلسفات الاجتماعية، والعلاقات بين الأجناس المختلفة، وبعد أن درست الباحثة تعليم المرأة الفلسطينـية وتاريخهـا توصلـت في نتائجها إلى أن العادات الاجتماعية والدين هما السبب في الاضطهاد الاجتماعي للمرأة!

في حين اهتمت دراسة أخرى للدكتوراه في جامعة إلينويز للباحثة لوسي آني والي عام 1993م بدراسة الأوضاع المجتمعية لنساء إحدى مناطق أندونيسيا في غرب سومطرة؛ حيث ركزت الباحثة على نساء الطبقة الوسطى من المجتمع من خلال فئتين تناولتهما بالبحث وهما: المسلمات اللاتي يعملن بحرف بسيطة وهن غير متزوجات، ومسلمات أخريات يعملن كمعلمات في مدارس إسلامية داخلية للبنات.

وقد أثبتت الدراسة أن النساء في أندونيسيا ـ كما تُظهرهن عينة الدراسة ـ يحافظن على الالتزام بأحكام الإسلام وآدابه في سلوكهن وعاداتهن اليومية، لكن في النهاية كما وصفتهن الباحثة في عنوان دراستها: تقيات ومنتجات.

ومـن العروض المـوجـزة السـابقـة نستطـيع أن نستـنتج ما يلي:

1 ـ أن الجامعات الغربية تعمل كوكالات لأجهزة الاستخبارات أعلنت ذلك أم لم تعلن، قصدت ذلك أم لم تقصده. فمن المستبعد أن يكون اختيار موضوعات البحوث يتم بشكل عشوائي كما هو الحال في الجامعات العربية والإسلامية التي يعاني البحث العلمي فيها من النمطية والتكرار والسطحية في كثير من الأحوال.

2 ـ أن الطلاب المبتعثين إلى تلك الجامعات من الدول النامية يعانون حـالة مـن الاستلاب الثقافي يجعلهم ـ تحت تأثير الانبهار الحضاري ـ أبواقاً للثقافة الغربية يروجون لها، ويخدمون قضاياها أعلنوا ذلك أم لم يعلنوه، قصدوا ذلك أم لم يقصدوه.

3 ـ أن موضوعات البحوث حول الإسلام تدور في عدة محاور تستهـدف في النهـاية إما التـنديد بالإسـلام والزراية عليه والحط من شأنه كدين، وإما خدمة قضايا التنصير والتهويد.

ـــــــــــــــــــــــــ

أ. د. مصطفى رجب (البيان 230).





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق