الدُّعاة والعمل السياسي

ثقافة عامة

ولجَ بعض رجالات الأمة ودُعاتها في بعض الدول في خضمِّ المعترك السياسي، سواء أكان ذلك في الجانب التشريعي أم التنفيذي؛ بهدف مدافعة طليعة الغرب وأذنابه في بلداننا من دعاة المدِّ العلماني الجارف بكافة أطيافه والذي سُلِّط على الأمة وتسرّب إلى مناحي حياتها المختلفة، والسعي لتخفيف ضرر جنايته، وحماية الأمة ودعوتها المباركة من بعض شروره، وإبقاء بعض الفضاءات متاحة أمام الجهود الخيرة التي يمكن أن تنتشل الأمة من مرحلة الهوان والتبعية وفترة التسلُّط القاسي التي تمرُّ بها.

وبكل تأكيد فقد صاحب هذه التجربة جوانب نجاح وإخفاق، وبغضِّ النظر عن ذلك فمن صدقت نيّته من أولئك الفُضلاء، وتخلّص من حظوظ نفسه فهو دائر بين الأجر والأجرين، والله ـ عز وجل ـ غفور رحيم جواد كريم.

وليس الهدف بالأساس هنا تقويم التجربة أو الحكم عليها فلذلك رجاله وساحاته.

بعض مظاهر الجنوح عن المنهج النبوي الراشد في الإصلاح والتغيير:

1- التلبيس في عدد من أصول الديانة وثوابت الشريعة لدى عامة الأمة، ووقوع خلط فيها لدى فئات عريضة من أبناء الصحوة؛ كإعطاء بعض المصطلحات غير الشرعية بُعْداً إسلامياً، مثل: الديمقراطية، مع أن منشأها الفكري والممارسة المطبقة لها تتنافى كلياً مع المصطلحات الشرعية التي يسميها بها البعض بحسن نية؛ لإعطائها بُعْداً شرعياً كالشورى مثلاً، وهذا الخلط الضخم في المفاهيم والذي أسهم بعض الكرام في حدوثه بفاعلية يمسُّ في أحيان كثيرة صلب العقيدة وجوهر الإسلام، والحديث ليس عن أصل المشاركة، فتلك قضية اجتهادية، المشارك فيها والمحجم عنها كلاهما على خير إن شاء الله، وإنما الحديث عن تصريحات الخلط وخُطبه ومحاضراته، وعمليات الدفاع المستميت الذي يتصدر له البعض من المحسوبين على الدعوة؛ بغرض إعطاء تلك المزالق التي تبنّتها جماعاتهم بُعْداً شرعياً، وإظهارها بمظهر المتوافق مع الشريعة، لا بل والمنطلق منها!

2- ذوبان صورة السلوك الإسلامي المتميز في خضمِّ تلك الممارسة، حتى وصل الأمر ـ في أحيانٍ ـ إلى ذوبان الهوية، من خلال ظاهرة ضعف الانضباط الشرعي على المستوى الشخصي من جهة، ومن جهة أخرى من خلال بعض التحالفات الفجّة مع دهاقنة اليسار وعتاة القومية، وما يصحب ذلك من تزكيةٍ شبه مطلقة للمتحالف معه ـ فرداً أو مؤسسة ـ واستحداث بعض الخِلال والمواقف التي تجمّل صورته من جهة، وتخفّف من حدّة النقد الموجه للطرف الإسلامي المتورط في ذلك التحالف من جهة ثانية، وفي المقابل نجد الإسفاف في تشويه الطرف المنافس والبحث عن نقائصه وتلمُّس العيوب له، مع أن مِنْ بعض هؤلاء المنافسين مَنْ قد يكون في ميزان الشريعة أقرب إلى دائرة الخير من الأطراف المتحالف معها بصـورة لا يقـرّها عقل ولا يقبلها عُرْف، فكيف بالشريعة المطهرة. ونتيجة لذلك وجدنا ـ مثلاً ـ بعض طلبة العلم المنتمين إلى بعض تلك الفصائل الدعوية الخائضة في هذا الجانب من يصف من يراد تقديمه للعامة من المرشحين بالزهد والربانية، مع أن ذلك الرجل لا تظهر عليه بوادر الاستقامة فضلاً عن أن يُعدَّ من أهل الدعوة! في الوقت الذي يرى المرء فيه في المقابل سخرية شديدة، وهزءاً حادّاً من دعاة وطلبة علم شهيرين في الساحة لا ينتمون لتلك الفصائل ولا يرون مناسبة الخوض في خضمِّ المعترك السياسي وقتاً أو رؤية.

فكيف إذا انضافت إلى ذلك الخطل شرور أخرى؛ كتصدير بعض الجهلة ورقيقي الديانة، واستمراء الكذب، وممارسة الخداع والغش والتزوير، تماماً كما يمارسه العلمانيون ومن يدور في فلكهم من أهل الأهواء والشهوات، وإن كان بحجم أقل، تحت مبرّر المعاملة بالمثل، وأنه كذب للدين وتزوير من أجل الفضيلة، متناسين ما قد تقرَّر في محكمات الشريعة من أن الوسيلة القذرة لا تبررها الغاية النبيلة البتة.

3- تهميش عملية البناء العلمي والعمل التربوي لجيل الصـحوة؛ نتيـجة ضـخامة متطلبات الممارسة السياسية، ولذا لم نعـد نـرى في أوســاط كثـير مـن طلائع جيل الصحوة القادم فـي كثيـر الأحيان سوى الأمّية الشرعية، والهشاشة الفكرية، والاستـهانة بكثير من مظاهر الاستقامة الواجبة؛ فكيف بعامّة جوانبـها المستـحبة!!

وفي هذا السياق أؤكد أن المشاركة السياسية التي يُعْمَل من خلالها على جلب بعض المصالح ودَرْء بعض المفاسد قد تكون مفهومة بل ومقدّرة، في حال أعطيت حجمها، ووضعت في سياقٍ عمليٍّ تكامليٍّ مع المقاصد الكبرى للدعوة، أما أن تتحول من وسيلة إلى غاية، في مقابل تسطيح الطرح النظري والتبنِّي العملي لأصول الدعوة، وليس هذا فحسب، بل ويمارس دوراً إقصائياً لكل طرح يدعو للتوازن والانضباط في هذا الجانب من داخل الصف أو خارجه، وتسقط عليه نصوص التخذيل وبعض خِلال المنافقين، في وقت يتحالف فيه مع قلاع العلمنة وعتاة أهل الأهواء والبدع، فهو أمر غاية في الغرابة بل والخطل، ويزداد الأمر شناعة حين يُغرس ذلك القصور والتمييع في نفوس الأتباع، ويتحول في السياق التربوي والطرح الفكري للبعض إلى مظهر رشد وحنكة، وشعور عالٍ بالمسؤولية، وقاعدة راسخة ونهج تطبيقي ثابت!

الأسباب لتلك المظاهر الخطرة:

1- التقـصير في فهم نصوص الوحي المتعلقة بمثل هذا النوع مـن المشاركة، وعدم فقه المنهج الإسلامي الأصيل في الإصلاح والتغيـير، والذي يرتكز في الأساس على التعريف بالله ـ تعالى ـ وبشرعه المطهر، وتزكية النفوس وتهذيبها بالإيمان. لتأتي طائفة رسخت في الإيمان، وفقهت في الدين، وتسلّحت بالعلم، وامتلكت فيها الأمة من عناصر القوة المختلفة ما تكون به قادرة على إقامة الشرع ومقارعة الباطل ومجاهدة أهله الذين يغوون الناس ويحولون بينهم وبين سماع كلام الله ـ عزّ وجلّ ـ بانضباط، وبما يراعي مقاصد الشريعة وأحكامها التفصيلية، من أجل أن يعمَّ التوحيد، وينتشر الخير، وترفل البشرية في دوحات الفضيلة.

وما لم يُبثّ علم الوحي المطهر في الأمة، وينتشر الفقه، وتزكى النفوس، وتربى على الإيمان، فإن الانتقال إلى المراحل التالية ـ فيما أحسب ـ استعجالٌ وجرٌّ للأمة إلى مرحلة لم تتهيأ لها بعد.

2- تهميش دور العلماء الربانيين والمفكرين الجادين، وقيام بعـض الإداريين ـ ممـن قـد لا تؤخذ عليهم شائبة في إخلاص أو إرادة خير فيما نحسبهم والله حسيبهم، ولكن ينقصهم الفقه في الدين والمعرفة التفصيلية بسبيل المرسلين في الإصـلاح والتغـيير.. ـ بالتـصدُّر لقيادة العمل الدعوي وإمساك زمـام أمـره، ولـذا صار المـتابعون للشـأن الدعـوي كـثـيراً ما يلاحظون اقتصار دور العلماء في بعض فصائل العمل الإسلامي المعنية بالشأن السياسي على مخاطبة الجماهير، والبحث في أحيان كثيرة عن شواهد من نصوص الوحيَيْن وسيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأقوال أهل العلم تبرّر مواقف أولئك الإداريين الخاطئة أمام الجماهير، وتجعلها في الإطار المسوَّغ شرعاً!

3- عدم القبول داخل كثير من فصائل العمل الإسلامي إلا بالصوت الواحد والموقف الواحد، ومن تجرّأ على غير ذلك فاحتسب أو تقدّم بنصيحة لا ترتضيها القيادة فهو ـ بزعمهم ـ شاقٌّ للكلمة، مفرقٌ للصف، معوقٌ للنجاح، طامعٌ في الزعامة.. إلى آخر قائمة التهم التي قد لا يستطيع الظفر بها من يتقصد جمعها، ولذا نجد شيوع لغة الإعذار والتبرير للمواقف مهما اشتدت شناعتها داخل الفصيل نفسه، في مقابل التشكيك بكل جهدٍ أو موقف مخالف يصدر من آخرين!

4- ما جُبلت عليه النفوس البشرية من استعجال ورغبة بالظفر الكبير العاجل، دون امتلاكٍ للمقومات، وبذلٍ للأسباب، وترتيبٍ للأولويات، وتدرّجٍ في التطبيق والممارسة، وإعطاء جهود البناء وعمليات التصحيح والمعالجة الفترات الزمنية التي تحتاجها.

5- تفشّي جملةٍ من الأمراض والأخطاء في التصورات في أوساط بعض القيادات؛ كالفتور الإيماني الذي يجعل المرء يتجه إلى العناية بحظِّ النفس وتحصيل المصالح الشخصية، وظاهرة التعالم التي تحول بينه وبين صقل الأفكار ومراجعة الرُّؤى والدراسة المتأنّية للمواقف، وسيطرة الخوف الذي يُفْقِد المرءَ الأمل، ويجعله يجزم بحتمية الفشل، والإغراق في محبة العمل في أجواء غاية في الهدوء والسلامة، واعتقاد بعض القـيادات أو الفصائل بمسؤوليتها عن إصلاح كل خلل تعاني منه الأمة في الوقت ذاته، ولذا نجدها صارت تعيش في دوّامة الشتات دون أن تستطيع التخصص في جانب أو التركيز على معالجة قضية من القضايا التي لها طابع أولي.

العلاج لجوانب النقص والقصور:

1- ضرورة مبادرة المتصدّرين للعمل السياسي إلى التفقه في هـدي النـبي -صلى الله عليه وسلم- فـي الإصـلاح والتغـيير، وتحكـيـمه على مناهج التغيـير المـعاصـرة، ولعل من أبرز سِمَات ذلك المنهج الراشد مما يتـعلق بالجـانب الذي نحـن بصـدده: عَـدُّ الدعوة إلى الله تعالى، ونشر العلم الشرعي، وتزكية النفوس وتربيتها على الإيمان، والتوجه إلى بناء قاعدة متينة من العلماء الربانيين والدعاة المخلصين؛ لتتحمل الأمانة، وتقوم بنشر الدين، ومجاهدة أولياء الشياطين.. هي الوظيفة الأساس والهدف الاستراتيجي الكبير للمصلحين، وهذا لا يتعارض بحال مع إمكانية ممارسة بعض جوانب الإصلاح الجزئي والقيام بمعالجات مرحلية متى سنح ذلك وناسب، ومن ذلك دخول خضمّ المعترك السياسي، لكن بشرط أن يعزز ذلك الخوضُ الهدفَ الأساس، وأن لا يحور عليه بالنقض، وأن يبقى الفرع فرعاً ولا يتحول إلى أصل، وأن لا يطغى المرحلي على الاستراتيجي، وأن لا تؤدي تلك المشاركة إلى ذوبان الهوية والحيلولة دون بيان الحق والصدع به، وأن يُحافَظ على التميز الإسلامي في إطاريه النظري والتطبيقي؛ لكي لا تفقد تلك المشاركة غايتها ومن ثم مشروعيتها من جهة، وحتى لا يلتبس الحق على الناس فتحدث الفتنة تحت شعاراتٍ برّاقةٍ كالحكمة ومراعاة ظرف المرحلة!

2- إعادة الدور الحيوي لعلماء الشريعة ومفكّري الأمة في توجيه الصحوة المباركة وإدارة شأنها، سواء أكانوا من جماعات العمل الإسلامي أم من خارجه، كما كان عليه حال الأمة طوال تاريخها الطويل؛ لأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا لا ينفي بكل تأكيد ضرورة حفظ الدور المشرف لقيادات العمل الإسلامي من غير العلماء وإبقائهم في المكان اللائق بسبقهم وما بذلوه من جهد وتضحية، بما يضمن الاستفادة من فاعليتهم وخبرتهم وحتى تتم الحيلولة بينهم وبين الوقوع في أوحال الوِزْر، وقياد أجيال الصحوة إلى مواطن الهلكة بحسن نية.

والمسؤولية تقع في هذا الجانب بالأساس على العلماء والمفكرين، إذ الضعف ضعفهم، والتقصير تقصيرهم، وإن من أمانة العلم ومسؤولية حفظ الدين التي استرعاهم الله ـ تعالى ـ عليها أن لا يتركوا الأمة ينهشها الزيغ العقدي والانحرافات الفكرية، وتغرق في بحور الشهوات، وعندهم من الله ـ تعالى ـ وصف علاجها.

3- علاج الفتور الإيماني في أوساط قيادات الصحوة، وبخاصة في أوساط أولئك الأفاضل الذين تصدّروا لدخول المعترك السياسي؛ أداءً لبعض حقهم من جهة، ولكي يتمكنوا من تجنُّب حظوظ النفس، ويكون الباعث الإيماني والمصلحة الدعوية العليا هما الدافعان على الإقدام أو الإحجام حين اتخاذ المواقف المختلفة، والبدار إلى وضع البرامج التي تعمل على الحدِّ من المخالفة، بدلاً من التوجه إلى تسويغها بذريعة وجود خلاف فقهي في مسألة ما، أو التهوين من بعض مظاهر الاستقامة بداعي تصنيفها في دائرة القشور لا اللُّبّ، وقد كان صدر الصحابة ومن تبعهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض ولا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابهما.

4- تفعيل الاحتساب، وتوسيع دور الرقابة الشرعية على ممارسة الدعاة السياسية، والعمل على تحويل ذلك إلى ممارسة فاعلة، والقيام بفتح بوابات التشاور الصادق، والحوار الناضج، وممارسة النقد البنّاء أمام كل غيور من أبناء الأمة، وتربية جيل الصحوة على تجاوز مرحلة هزِّ الرؤوس وعدم الاعتراض أو التنبيه على جوانب القصور أو الخطأ بحجة أن القيادات أدرى مع جلاء المخالفة للنص أو المصلحة، والعمل على إيقاف السلوك الإقصائي لكل صوت ناصح لا يتناغم طرحه مع المـواقـف التي تتـخذها بعـض قـيادات العـمل الإسلامي، ولا يعمل على الثناء عليها ومباركة اجتهاداتها.

5- تقويم الممارسة السياسية للدعاة بصورة كلية شمولية من قِبَل علماء ودعاة أكفاء، وفي إطار مرحلة زمنية معقولة بعيداً عن الانتقائية في المواقف تأييداً أو رفضاً، مع ضرورة استحضار أن التاريخ المعاصر.

وختاماً: فلا بد من سلوك نهج النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- في الإصلاح والتغيير؛ لأن دين رب العالمين على مرِّ تاريخ البشرية الطويل لم يقم به وينصره إلا نبي أو سائرٌ على نهج نبي.

اللهم وفّق دعاة الإسلام المصلحين في كل مكان، واحفظهم، وبارك فيهم ولهم، وألهمهم رشدهم، وسدّد رأيهم، وجنّبهم الوقوع فيما لا يرضيك عنهم بفضلٍ منك وإحسان يا أرحم الراحمين.

ــــــــــــــ

*فيصل بن علي البعداني (البيان 231) بتصرف واختصار.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق