الفاتيكان بين السياسي والديني .. نظرة كاتب نصراني

ثقافة عامة

الفاتيكان كدولة، وبابا الفاتيكان كرمز، والدور الذي لعبه ويلعبه كل منهما سياسيا ودينيا مسألة طويلة ولها أثرها قديما وحديثا سواء على الصعيد النصراني ـ النصراني، أو على صعيد العلاقة بين النصرانية والإسلام.. وهو موضوع يطول شرحه، فليس أوله التحريض على الحروب الصليبية ضد المسلمين، ولن يكون آخره تطاول البابا وهجومه على الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.

وعندما يأتي الكلام على لسان كاتب نصراني يصبح الأمر أشبه بوثيقة إدانة تاريخية وأبعد عن مظنة الافتراء والكذب، ومن هذا المنطلق ننشر هذا المقال الذي كتبه الكاتب النصراني (جمال أسعد عبد الملاك) ونشرته صحيفة المصريون مع تحفظنا عن بعض العبارات التي تتعلق باعتقاد الكاتب فقد أحببنا أن ننقل المقال بنصه المنشور.. يقول الكاتب:
“تعتبر الكنيسة الكاثوليكية من أكبر الكنائس عددا من حيث معتنقيها، كما أنها ضمن أقدم الكنائس في العالم وأعرقها، وقد دَمَجت ـمنذ العصور الوسطى وحتى القرن السادس عشر ـ الديني بالسياسي وسيطرت على الحياة السياسية الأوروبية حتى كان أي حاكم أو إمبراطور أوروبي لا ينصب إلا بعد أخذ بركة بابا روما، الشيء الذي جعل الكنيسة تنزلق في غياهب الاستبداد المزدوج سياسيا وكنسيا: فسياسيا كانت هي التي دفعت وباركت قيام دول أوروبا بالحروب الصليبية منذ عام 1096، وذلك بهدف حل مشاكل أوروبا المتراكمة اقتصاديا وسياسيا عن طريق السيطرة على مقدرات الشرق، وقد كان السبب المعلن من الفاتيكان آنئذ هو تخليص بيت المقدس من المسلمين .

أما استبدادها الكنسي فقد تمثل في سيطرة رجال الدين وتحولهم لسلطة سيادينية تسيطر على البشر باسم الدين وتمنح البشر صكوك الغفران من منطلق أنهم ظل الله على الأرض، لدرجة أن المسيحيين كانوا لا يحق لهم إمساك أو قراءة الكتاب المقدس، وهو ما جعل أحد رجال الدين الكاثوليك ـ مارتن لوثر ـ يقوم بما يسمى بثورة الإصلاح الديني، والتي تمخض عنها ظهور الطائفة البروتستانتية متعددة الكنائس عام 1516.
ومنذ ذلك التاريخ تقلص دور الكنيسة كدولة تحرك وتسيطر على القرار الأوروبي، ثم تحول الفاتيكان إلى دولة رمزية عضوا بالأمم المتحدة.

ولكن من الواضح أن التاريخ له دور كما أن له تأثيره وآثاره على البشر كأفراد وعلى الضمير الجمعي لهم كجماعات، ولذا فقد ترك التاريخ أثاره فتحول دور الفاتيكان ـ تلك الدولة الرمزية ـ من دور يحرك الأحداث إلى دور يحاول المشاركة في الأحداث إذا كانت هناك فرصة مواتية لذلك.. مع العلم بأن دولة الفاتيكان هذه باعتبارها دولة رمز ديني مسيحي كان يجب أن يكون دورها الأساسي هو تغليب وتعلية الجانب القيمي المسيحي من خلال مشاركة الفاتيكان في إبداء الرأي في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجتاح العالم ، من منطلق العمل والدعوة إلى السلام والعدل والحرية والتعايش السلمي بين الشعوب ونبذ الحروب ومناهضة الاستعمار والاستبداد ورفض الظلم بكل صوره وأشكاله .

وتلك القيم العظيمة دينيا وإنسانيا تجعل الفاتيكان هي الدولة الوحيدة غير المنحازة لأي قوى سياسية عالمية أيا كانت (هكذا قال الكاتب)، حيث إن هناك فارقا كبيرا بين تلك القيم التي يجب أن يدعو لها الفاتيكان وبين تلك الخطط والأهداف التي تسعى إليها الدول في الإطار السياسي .. ولكن هل سارت دولة الفاتيكان منذ تحولها إلى دولة الرمز على تلك الأرضية المسيحية الحيادية ؟

لا شك أن موقع وموضع رتبة بابا الفاتيكان الكهنوتية والدينية والكنسية، ذلك الموقع الذي كان قبل ثورة الإصلاح يتمتع بما يسمى العصمة البابوية، التي تعني أن البابا معصوم من الخطأ ولا يخطئ فيما يقول أو يفعل ، الشيء الذي يستوجب معه الخضوع كل الخضوع الكامل لما يقول والامتثال المطلق لما يفعل، باعتبار أنه الآتي من الله وظله على الأرض، ومن ثم كان من الطبيعي أن يكون هذا الخضوع، وبالتالي تصبح تلك العصمة من حقه، وإن كان الآن لا يعتبر بابا الفاتيكان معصوما سوى في التعاليم الدينية فقط.

هذا الوضع المميز والمؤصل دينيا على المستوى الكاثوليكي يجعل شخص البابا هو المسيطر من خلال شخصيته وتكوينه وثقافته وآرائه وطموحاته، ولذا فقد رأينا كثيرا من الباباوات يسيطرون بشخصيتهم الدينية والروحية الخالصة بعيدا عن التحيز والانحياز لموقف سياسي معين، كما رأينا أيضا في التاريخ المعاصر عدة نماذج تمثل الفارق بين الأشخاص وتكوينهم الإنساني وبين ما يجب أن يكون في إطار الموقع الديني، وأولها تلك الوثيقة التي صدرت من الفاتيكان بتبرئة اليهود من دم المسيح ، بالرغم من وجود ذلك النص الإنجيلي الواضح الذي جاء على لسان اليهود الذين صلبوا السيد المسيح، حيث قالوا: “دمه علينا وعلى أولادنا”، (حسب معتقد النصارى) ولكن السياسة دفعت البابا في ذلك الوقت إلى مسايرة موقف سياسي أوجده مناخ استعماري كان وما زال يصب في صالح دولة إسرائيل الصهيونية .

أما ثاني هذه الأمثلة فهو موقف البابا يوحنا بولس الثاني، تلك الشخصية المسيحية الروحية التي قدمت نموذجا مثاليا ـ في إطارها المسيحي والكهنوتي ـ في الحب والتسامح والشفافية وقبول الآخر، وهو ما تجسد أثناء جنازته التي حافظت على حضورها كل الطوائف والأديان بمختلف اتجاهاتها على مستوى العالم، ومع ذلك فإنه في بداية باباويته ـ وباعتبار أنه بولندي الجنسية ونظرا لتأثره بالطروحات والممارسات السياسية البولندية ـ شارك بشكل مباشر أو غير مباشر فيما حدث في بولندا ، وكان سببا في انهيار المعسكر الاشتراكي.

والمثل الحالي والواضح والصارخ هو البابا بندكتوس السادس عشر، وهو ألماني الجنسية وخدم في الجيش الألماني ودرس الفلسفة وكان رئيس مجمع العقيدة، ذلك المجمع الذي يحافظ على تأهيل واستمرارية وانتشار العقيدة الكاثوليكية، ولذا فمن خلال هذا التكوين وتلك الثقافة قام البابا بندكتوس بعدة مواقف تتسق مع شخصيته وتربيته وقناعاته التي لا علاقة لها بالموقع الروحي أو العقيدة المسيحية أو حتى مجامع الكنيسة الكاثوليكية، وآخرها وأهمها المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1964، فكان أول موقف له هو انتقاء واستحضار بعض النصوص التاريخية واستعمالها بشكل يسيء لرسول الإسلام وللإسلام بشكل لا يليق ولا يصح ولا يتطابق مع موقعه أو مع القيم المسيحية التي يدعو لها، حيث أراد أن يؤكد أن الإسلام قد انتشر بالسيف ولم ينتشر بالإقناع، وأنه دين لا يتفق مع العقل، مما أشعل مناخا ساخنا ورد فعل طبيعيا من المسلمين على مستوى العالم.

أما موقفه الثاني: فهو تلك الوثيقة التي تقول إن الكنيسة الكاثوليكية هي وحدها التي تمتلك وسائط الخلاص دون غيرها من الكنائس الأخرى، الشيء الذي ينم عن حالة استكبار وتعالي وعدم تسامح وقبول للآخر.

أما ثالث موقف لبابا الفاتيكان: فهو ذلك التصريح الصادر على لسان جورج جينسناين السكرتير الخاص للبابا، والذي قال فيه إن الإسلام يمثل خطرا على جميع شعوب العالم، وهو ما صدرت بعده تعبيرات تتسق مع هذا التصريح، على رأسها محاربة ما يسمى بأسلمة أوروبا.

وأنا لا أرغب هنا أن أذكر بجلال الموقع وأهميته، أو بدوره الروحي الملتزم بالقيم المسيحية وأهمها “أحبوا أعداءكم”، فهذا شيء والسياسة شيء آخر، ومن الواضح أن ذلك البابا الألماني الذي تربى على تفوق الجنس الآري يريد أن يلعب دورا سياسيا مميزا، حيث دخل الموضوع من آخره، وآخر الموضوع ذلك الصراع القائم بين أمريكا والإسلام والمسلمين، ومحاولتها استمالة الغرب ومشاركته لها في هذا الصراع، والذي سبق أحداث سبتمبر 2001 التي لا تعتبر سببا لذلك الصراع، ولكنه قنن ونظر له قبل ذلك بداية من ظهور نظرية صراع الحضارات لصموئيل هنتجيتون، وهو ما يعني أن هناك صرعا حتميا بين الغرب الممثل في المسيحيين الغربيين واليهود في مواجهة المسلمين “والمسيحيين الشرقيين والكنفوشيوسية” (هذا كلام الكاتب)، وهذا ما يفعله بندكتوس، الذي أساء لرسول الإسلام وللإسلام، ثم بعد ذلك أساء للكنائس المسيحية الشرقية “الأرثوذكس والبروتستانت” باعتبار أنهم أقرب للمسلمين من حيث الثقافة والعادات والتقاليد وكل ما هو مشترك بينهم، في الوقت الذي لم يقترب فيه من اليهود من قريب أو بعيد، والأهم هو دخول الفاتيكان إلى حلبة الفعل السياسي المباشر من خلال تلك الدعوة لمحاربة الإسلام والمسلمين في أوروبا، ومنها بالتأكيد الاعتراض على انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي .

والسؤال هنا (والكلام مازال للكاتب): هل هذا هو دور الكنيسة؟ وهل هذا هو دور البابا؟ وهل المسيحية تحض على الكراهية ونبذ الآخر ولعب دور يتناقض مع الدعوة للسلام العالمي؟ أم هي صحوة لتاريخ مضى وطموح في دور ضاع، فالتاريخ والدور ما كانا يتسقان مع المسيحية، فهل تريد الكنيسة والبابا لعب هذا الدور والعودة إلى ذلك التاريخ مرة أخرى؟ أتمنى ألا يكون ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: المصريون ـ





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق