ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشيعه .. ابن تيمية

ثقافة عامة

ذكر وفاته وكثرة من صلى عليه وشيعه
أخبرني غير واحد ممن كان حاضرا بدمشق حين وفاته رضي الله عنه
قالوا إن الشيخ قدس الله روحه مرض أياما يسيرة وكان إذ ذاك الكاتب شمس الدين الوزير بدمشق المحروسة فلما علم بمرضه استأذن في الدخول عليه لعيادته فأذن الشيخ له في ذلك فلما جلس عنده اخذ يعتذر له عن نفسه ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصيرأو غيره، فأجابه الشيخ رضي الله عنه بأني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق. وقال ما معناه إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدا غيره معذورا ولم يفعله لحظ نفسه بل لما بلغه مما ظنه حقا من مبلغة والله يعلم انه بخلافه. وقد أحللت كل واحد مما كان بيني وبينه إلا من كان عدوا لله ورسوله.
قالوا ثم إن الشيخ رضي الله عنه بقي إلى ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة الحرام وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم وذلك من سنة ثمان وعشرين وسبع مئة وهو على حاله مجاهدا في ذات الله تعالى صابرا محتسبا لم يجبن ولم يهلع ولم يضعف ولم يتتعتع بل كان رضي الله عنه إلى حين وفاته مشتغلا بالله عن جميع ما سواه.
قالوا فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجئ للصلاة عليه وأرادة إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام.
قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما اعلم إلا ثلاثة انفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم انهم متى خرجوا رجمهم الناس فاهلكوهم.
فغسل رضي الله عنه وكفن.
قالوا وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل عن غسله حتى حصل لكل واحد منهم شيء قليل.
ثم أخرجت جنازته فما هو إلا أن رآها الناس فأكبوا عليها من كل جانب كلا منهم يقصد التبرك بها حتى خشي على النعش أن يحطم قبل وصوله إلى إلى القبر فأحدق بها الأمراء والأجناد واجتمع الأتراك فمنعوا الناس من الزحام عليها خشية من سقوطها وعليهم من اختناق بعضهم وجعلوا يردونهم عن الجنازة بكل ما يمكنهم وهم لا يزدادون إلا إزدحاما وكثرة حتى أدخلت جامع بني أمية المحروس ظنا منهم أنه يسع الناس فبقي كثير من الناس خارج الجامع وصلي عليه رضي الله عنه في الجامع ثم حمل على أيدي الكبراء والأشراف ومن حصل له ذلك من جميع الناس إلى ظاهر دمشق ووضع بأرض فسحة متسعة الأطراف وصلى عليه الناس.
قال أحدهم وكنت أنا قد صليت عليه في الجامع وكان لي مستشرف على المكان الذي صلى فيه عليه بظاهر دمشق فأحببت أن أنظر إلى الناس وكثرتهم فأشرفت عليهم حال الصلاة وجعلت انظر يمينا وشمالا ولا أرى أواخرهم بل رأيت الناس قد طبقوا تلك الأرض كلها.
واتفق جماعة من حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلين عليه على انهم يزيدون على خمسمائة ألف. وقال العارفون بالنقل والتاريخ لم يسمع بجنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه.
ثم حمل بعد ذلك إلى قبره فوضع وقد جاء الكاتب شمس الدين الوزير ولم يكن حاضرا قبل ذلك فصلى عليه أيضا ومن معه من الأمراء والكبراء ومن شاء الله من الناس.
ولم ير لجنازة أحد ما رئي لجنازته من الوقار والهيبة والعظمة والجلالة وتعظيم الناس لها وتوقيرهم إياها وتفخيمهم أمر صاحبها وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل والزهادة والعبادة والإعراض عن الدنيا والاشتغال بالآخرة والفقر والإيثار والكرم والمروءة والصبر والثبات والشجاعة والفراسة والإقدام والصدع بالحق والإغلاظ على أعداء الله وأعداء رسوله والمنحرفين عن دينه والنصر لله ولرسوله ولدينه ولأهله والتواضع لأولياء الله والتذلل لهم والإكرام والإعزاز والاحترام لجنابهم وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذاتها وشدة الرغبة في الآخر والمواظبة على طلبها حتى لتسمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان، وكل منهم يثنى عليه بما يعلمه من ذلك.
ودفن في ذلك اليوم رضي الله عنه أعاد علينا من بركاته.
ثم جعل الناس يتناوبون قبره للصلاة عليه من القرى والأطراف والأماكن والبلاد مشاة وركبانا.
وما وصل خبر موته إلى بلد فيما نعلم إلا وصلي عليه في جميع جوامعه ومجامعه خصوصا ارض مصر والشام والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها.
وختمت له الختمات الكثيرة في الليالي والأيام في أماكن كثيرة لم يضبط عددها خصوصا بدمشق المحروسة ومصر والعراق وتبريز والبصرة وغيرها حتى جعل كثير من الناس القراءة له ديدنا لهم أديرت الربعة الشريفة على الناس لقراءة القران المجيد وإهدائه له وظيفة معتادة
وقد رثاه كثير من الفضلاء بقصائد متعددة ولا يسع هذا المختصر ذكرها
وذلك لما وجب للشيخ رضي الله عنه عليهم من الحق في إرشادهم إلى الحق والمنهج المستقيم بالأدلة الواضحة الجلية النقلية والعقلية خصوصا في أصول الدين فإن الله انعم على الناس في هذا الزمان الذي قد ظهرت فيه البدع فأميتت السنن وصار أغلب أهله ممرجين في البدع والحرام من حيث لا يشعرون ومن حيث لا يعلمون.
ومن الله عليهم بما وفقه له من إيضاح أصول الدين وتبيين الحق المحض والاعتقاد العدل وإفراده عن غيره من البدع والضلالات بأمور لم يسبق إلى مثلها وإظهارها على لسانه بما أورده من ذلك في مؤلفاته ومصنفاته وقواعده المطابقة للحق وتقريراته وما أبرزه من الحجج والبراهين الظاهرة الموافقة للمعقول والمنقول مما لم يتمكن أحد من المتكلمين والمناظرين الإتيان بمثله وما أظهره وأورده من كثرة الدلائل العقلية بعد النقلية حتى قطع به جميع المبتدعين وكشف به عوار حجج الشاكين المشككين





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق