الشخصية الأمريكية.. ودورها في صناعة القرار السياسي

ثقافة عامة

هذا الكتاب يناقش قضية رئيسية هي تأثير الشخصية الأمريكية على صناعة القرار السياسي الأمريكي، فالعملية السياسية في أي مجتمع هي نتاج تأثر – غير مباشر – بالطبائع والصفات التي تكوِّن شخصية هذا المجتمع.

لكن ثمة إشكالية قد تواجه القارئ في تصفحه للمقدمات التي بدأت بها الدراسة التي قام بها الدكتور “باسم خفاجي”؛ فالدراسة في الأساس تبحث في مكونات الشخصية الأمريكية بفرديتها متعددة الطبائع وصولاً إلى تأثيرها في العقل الجمعي للشعب الأمريكي كممثلة له، والعقل الجمعي في أبسط تعريفاته هو مجموع القناعات التي تتشكل في عقل الأغلبية من الناس تشكلاً جبرياً يكون في الغالب عن طريق ما تفرضه السلطة في أذهان الشعب بشتى الوسائل الإعلامية حتى تخلق حقائق يعتنقها ويساعد في تحقيقها ما يسمى بإرادة الرأي العام “العقل الجمعي للجماهير”.

والعقل الجمعي للجماهير هو أدنى درجات التفكير والاستجابة غير العقلانية؛ ذلك لأنَّ الحشود الكبيرة دوماً تنزل إلى مستوى الصفات المشتركة التي تجمع بينها، والتي هي في الغالب صفات غريزية!! بما يعني تعطل ذكاء “الفرد” المكوِّن للجماهير، ويصبح محكوماً – وسط الحشود – بتصرفات تلقائية هي أقرب ما تكون إلى الاستجابات اللاشعورية، فيفكر ويشعر ويعمل بطريقة مختلفة تماماً عن تلك التي يمارسها كل فرد على حدة؛ ولهذا فإنَّ الفرد داخل الجماعة يغلب عليه الانقياد والاندفاع، وسهولة التأثر بالإيحاء، وضعف القدرة على التفكير المنطقي الموضوعي، والنقد النزيه.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة الشخصية “الفردية” الأمريكية بشكل مستقل عن “العقل الجمعي” للشعب الأمريكي، فإن كانت كل جماعة تتكون من أفراد، إلا أنَّ الجماعة – من الناحية النفسية – ليست هي المجموع الحسابي للأفراد؛ لأنَّ التشكيل الجديد الذي يتكوّن أساساً من الأفراد يتميز بخصائص مختلفة تماماً لا توجد في “الفرد” الواحد.

الفرد الأمريكي.. تاريخ التشكل
تتشكل شخصية الفرد – بشكل عام – عبر شبكة معقدة من المعارف والمعتقدات والعادات المتراكمة التي لا يسهل محوها، والتي تصبح قالباً فكرياً ثابتاً يبني على أساسه الفرد اختياراته في الحياة.

وتميز المجتمع الأمريكي في بدء تشكله بتعدد أنماط شخصياته وتنوعها بل وتناقضها أيضاً، فقد تعددت أسباب هجرة الأمريكيين من أوروبا إلى “العالم الجديد”، فمنهم من فر من الاضطهاد الديني، ومنهم من فر من تاريخ إجرامي يلاحقه، ومنهم من جاء لإقامة “مملكة الرب”، واشتركوا جميعاً في الرغبة في حياة جديدة تمحي تاريخهم القديم، وهو الأمر الذي عبّر عنه أحد مؤسسي الدولة الأمريكية – “أبراهام لنكولن” – في قوله: “الأمريكيون لا يهتمون من كان أجدادهم.. المهم مَنْ هم الآن”.

أمريكا إذن بلد ذات تاريخ ضئيل - لا يُذكر - وجغرافيا شاسعة ممتدة، فمواجهة العالم الجديد كانت تتطلب التخفف من تاريخ مرهق ومثقل بالتبعات والمسؤوليات، ولعل تلك النظرية تتجلى بوضوح في طريقة ونمط تفكير أحد أشهر الشخصيات السياسية الأمريكية، فالرئيس الأمريكي السابق “بيل كلينتون” حين أراد أن يحل معضلة القدس، رأى أنَّه من مصلحة العرب أن يتركوا القدس لإسرائيل، وإن أصر المسلمون فبإمكانهم إطلاق اسم “القدس” على أية قرية قريبة لا تبعد كثيراً عن “القدس الأصلية”؛ فإنَّهم في أمريكا قد فعلوا ذلك كثيراً فهناك مدن أمريكية اسمها “القدس” و”القاهرة” و”بيروت”!
إذن الشخصية الأمريكية المتخففة من أعباء التاريخ، يمكن أن تحول مشكلة كبيرة مثل “القدس” من قضية تاريخ إلى قضية جغرافيا.

ورغم ذلك كان “الدين” – باعتباره أحد الموروثات القديمة – أحد أهم دوافع الهجرة للعالم الجديد، حيث كان من بنود نشرة (معلومات لمن يريدون الانتقال لأمريكا) التي كتبها “بنجامين فرانكلين”: “عدم الإيمان بالرب غير معروف هنا، ويمكن للإنسان في هذه البلاد أن يعيش عمراً طويلاً دون أن تتعرض تقواه لأي صدمة أخلاقية من جراء مقابلة كافر أو ملحد”.

وكان من أهم الطوائف المتدينة المهاجرة “طائفة البيوريتانيين” – أي التطهيريين” التي فرت من اضطهاد الكنيسة الإنجليزية وكانت تؤمن بمعتقد “الشعب المختار” والتي كانت تهدف إلى إقامة “أرض ميعاد جديدة”، حين سموا رحيلهم من إنجلترا “خروجاً توراتياً جديداً”، وبسبب معتقد “الشعب المختار” حدثت أكبر مجازر التطهير في القارة الأمريكية، فمن أجل أن تسود “مملكة الرب” بأيدي “الشعب المختار” لابد من استئصال كل من يواجهها، وتشكل تبعاً لذلك مفهوم “القوة المستمدة من الرب” لدى الشخصية الأمريكية التي أصبحت تؤمن بالقوة كحل مطلق لكل العقبات التي تعترض إنشاء مملكة الرب.. المصالح “الدنيوية” تحتاج لقوة كي تتحقق، وكذلك القيم “الدينية” لا تنتشر بغير القوة!
لذلك نرى الشعار المحرِك “من أجل الرب” قد استخدمه الساسة الأمريكيون بإلحاح في مواقف ليس للقوة فيها مبرراً فعلياً كغزو أفغانستان والعراق مثلاً.

الأوروبي والأمريكي.. هل هما “شخص غربي” واحد؟
ينقلنا الفصل الثالث إلى عقد مقارنة بين الشخصية الأمريكية والأوربية، حيث يشير في البداية إلى التباس ربما يقع فيه كثير من المفكرين حين ينظرون للأوروبي والأمريكي كأنَّهما “شخص غربي” واحد، وربما يتشابه النموذجان في بعض العادات والأخلاقيات، إلا أنَّ ثمة فوارق كبيرة في النواحي الفكرية والثقافية لا يمكن تجاوزها.

ويمثل عنصر “القوة” أهم تلك الفروق؛ فبينما يتعامل الأوروبي مع “عقدة القوة” بشيء من الحذر والفتور وربما الشعور بالذنب بسبب ما ألحقه بالعالم قديماً حين امتلكها “مثال الحربين العالميتين”، في حين يمثل امتلاك “القوة” ولعاً لدى الشخصية الأمريكية، حيث هي تغرم بها كحل أوحد يأتي على رأس خطط التحرك والمواجهة؛ ولهذا نرى دلالة اختلاف تعاطي كلا النموذجين مع قضية مثل العراق، فبينما فضل الأوربيون احتواءها، كان الأمريكيون يصرون على طرح خيار القوة من البداية.

كذلك يمثل “الدين” عنصر اختلاف آخر بين النموذجين الأوروبي والأمريكي، ففي الوقت التي أقصت فيه الدول الأوروبية الدين وعزلته في الكنائس، سعت الشخصية الأمريكية لإخراجه واستئناسه والبدء في تطويعه لخدمة مصالحها مع الاحتفاظ بالهوية العلمانية التي تفصله عن التدخل المباشر. فالقادة المؤسسون لإمبراطورية العالم الجديد استخدموا “الدين” كأداة للتأثير على العقول والقلوب، فلا تنتهي خطبة سياسية حماسية إلا بدعاء أن يحفظ الرب أمريكا؛ لأنَّها تفعل ذلك من أجله!، وأصبح الدين يخدم علمانية الدولة مثل أن يبرر استخدامها القوة من أجل نشر قيم تغلف مصالح وأطماع تلك الشخصية المتناقضة.

رسم ملامح الشخصية الأمريكية
نجح الباحث – الذي عاش في الولايات المتحدة قرابة 18 عاماً – في رصد تسعة عشر ملمحاً، أو سمة تميز الشخصية الأمريكية، حيث هناك سمات ذات تأثير مباشر على صنع القرار السياسي الأمريكي، وسمات أخرى تشكل في محصلتها العقل الجمعي للشعب الأمريكي، وكان أهم تلك السمات:

الفردانية: فالأمريكي يقدس ما يمكن أن نسميه “لا نهائية استقلال الإنسان” كما عبر عنها الفيلسوف الأمريكي “رالف والدو”، وحيث كانت تسود الصورة الذهنية لراعي البقر الأمريكي الذي ينقذ العالم من الأشرار ثم يرحل وحيداً، كانت تتعمق النزعة الفردية لدى أفراد المجتمع، فراعي البقر وحده من يعرف الأشرار ويقرر أنهم كذلك! وهو من يحاربهم دون أن يطالبه أحد، وينقذ من قد لا يرغبون في ذلك، تلك الصورة التي لا تسعى لتقديس فردانية الشخص واستقلاله بقرارات حياته المصيرية قدر ما تريد القول أنَّ البطل الذي ينال إعجاب الناس في النهاية بما فعله هو من قاوم الالتحاق بالجماعة والمشاركة في قراراتها.
ولعل التفكك الاجتماعي وانهيار الأسرة الذي يعاني منه المجتمع الأمريكي الآن يرجع في أهم أسبابه للفردية وأنانية الفرد الذي يعرف أنه أهم من الجماعة.

الشعور بالاستثنائية: ذلك الشعور الذي ولدته النزعة الدينية القديمة “الشعب المختار الذي جاء ليقيم مملكة الرب الجديدة”، تلك النزعة التي تسوغ له بالتالي ارتكاب كل الحماقات التي يراها باستمرار أنَّها الصواب!!.

النفعية والبرجماتية: تطور مفهوم البرجماتية النفعية لدى الفرد الأمريكي ليصير معادل للأديان السماوية، حيث حددت الطبيعة النفعية علاقة الفرد بالفرد، وعلاقته بالطبيعة، بل وعلاقته بالإله الخالق.
لذلك لم تكن السياسة في نظر الأمريكي صراعاً من أجل المبادئ والقيم، المهم قيمة المصلحة والنهج الذي يحققها.

التناقض: يرجع التناقض في المجتمع الأمريكي نتيجة تكونه من خليط مختلف من البشر جاؤوا من أماكن متعددة بأفكار وآمال وطموحات مختلفة، كونت في النهاية ذلك الكيان المتناقض المتباين.

ويتجلى ذلك التناقض في الرؤى المختلفة لسياساتها الخارجية، حيث دعواتها المستمرة لتصدير الحلم الديمقراطي للعالم العربي باستخدام أساليب “ديكتاتورية” لفرض هذا الأمر، وكذلك تسويقها فكرة حماية حقوق الإنسان إلى العالم، ثم انتهاكها لتلك الحقوق داخل أراضيها!

الرغبة في التوسع: لم تخف الرغبة التوسعية عند الأمريكي منذ مجيئه العالم الجديد الذي كان بالنسبة له موطناً وليس وطناً، موطناً دون تاريخ، ودون حدود جغرافية؛ لذلك كان كل من يقدر على اختراق الأفق ليضم قطعة جديد للأرض كان يفعل ذلك دون تردد!! فكلمة “الحدود” – كما يقول روجيه جارودي – لم تكن مدرجة في قاموس الفرد الأمريكي مثل رديفتها في أوروبا، “إنَّما كان الفضاء الجغرافي أمامه مفتوحاً لكل أنواع السلب، وأشكال الإبادة”، فالتوسع – الذي صار مزاجاً نفسياً – كان تطوراً طبيعياً للنزعة الفردية البرجماتية التي تشكلت عقب مجيئه.
وفي سعيه لتحقيق رغباته التوسعية تولد عنده ميل همجي إلى العنف واستخدام القوة المفرطة حتى في أبسط حالات التنفيس عن الشعور بالضيق!!.

نقص الاهتمام بالخارج: وهي السمة التي تعكس عيباً معرفياً يكون له دور سلبي في رؤية الأمريكي للآخر خارج بلده، ففي دراسة أجراها مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية عن اهتمام الشخص الأمريكي بالسياسة الخارجية وأخبار العالم وجد أنَّ 29 % فقط من الشعب الأمريكي ممن يهتمون بأخبار البلدان الأخرى، ولعل النسبة زادت قليلاً عقب أحداث 11 سبتمبر، إلا أنَّ المؤكد أنَّها تعود للتضاؤل مرة أخرى، بسبب سعي بعض وسائل الإعلام لاستثمار ذلك النقص في نقل صورة مشوهة غير مكتملة عما يحدث في الخارج وتصديرها للأمريكي كما تريدها هي لا كما تحدث فعلاً!!.

دورنا في التأثير.. صياغة ناقصة!
في سعيه لصياغة تصورات عملية لكيفية التأثير في الشخصية الأمريكية التي تؤثر بدورها في صناعة القرار السياسي الأمريكي، يطرح الباحث تصوره الذي يعتمد على تقديم نماذج متميزة للشخصية المسلمة تواجه الصورة الذهنية المزيفة عن العرب والمسلمين في الغرب عامة وعند الأمريكيين خاصة.

كما يوصي بضرورة إنشاء لوبي عربي إسلامي داخل الولايات المتحدة الأمريكية يتولى حشد الأصوات والأموال للتأثير السياسي طويل المدى، إضافة للحاجة الملحة إلى إنشاء مراكز بحثية تهتم بدراسة البنية العقلية للشخصية الأمريكية.

وإن جاءت التصورات التي اقترحها الباحث لدورنا في التأثير وتوجيه عقلية الفرد الأمريكي لصالح قضايانا قاصرة بعض الشيء، إلا أنَّ تفصيل الكتاب للشخصية الأمريكية جاء بمثابة إضافة معرفية جديدة كانت تفتقدها المكتبة العربية؛ لتفتح آفاقاً جديدة للمزيد من البحوث التي تساعد في شق طريقنا إلى فهم البنية العقلية للفرد الأمريكي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف: د. باسم خفاجي ـ عرض / أحمد شعبان





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق