التعصب

ثقافة عامة

ليس التعصب مقتصراً على أهل ملة أو فكرة, أو توجه؛ إنه يتعرض للجميع, حتى ليغدو الغشاء الذي يغطي العقول, أو يقلل من فاعلية الفكرة الحقة.

ولعله مزيج من الركون المطلق إلى ما قادت إليه الجهود الفكرية البشرية الموسومة بالنقص, والمعرضة دوماً للخطأ, من جهة, والاحتفاء بمظاهر غريزة القطيع التي توهم بالانقطاع عن الإنسانية العاقلة, أو المعاداة لها, من جهة أخرى.

لو استجابت الإنسانية إلى التعصب لما انتفعت بالمناقشات الفكرية والمناظرات, ولما انصاع مفكرون إلى المعطيات الجديدة؛ فتحولوا, بل, وانقلبوا من النقيض إلى النقيض, ولم يجمدوا على قانون الإلف والعادة, ولم يحجبهم ذلك عن السماع والتفاعل الإيجابي. إنها أمارة الإنسانية, وآية الحيوية والحياة.

لو أقر الجميع للحقيقة بالأسبقية, لعضوا عليها بالنواجذ, ولطلبوها, ولو كان دونها خرطُ القتاد, ولجْمُ النفوس عن كبرها, وأنفتها, أو غرورها. لو انتبه الكل إلى افتقاره إلى ما يكمله لسعى إلى المخالف, وهو يتوخى لديه الكمال, والتصويب, أو الإكمال, والتصويب.

في مثل هذه البيئة يترعرع الفكر, ويرقى مستوى الجدل إلى مقامات التعاون من أجل القبض على الحقائق, وتسخيرها لمنفعة البشر.

وبمثل ذلك يكون التمسك بما يعتقده حاملُه الحق؛ فلا يفرط به, مجاملةً, أو تماشياً مع رأي غالب, أو نفاقاً, وميوعةً في المواقف, لا لشيء سوى التقدير للحق, لا لما يحمل بالذات, وإلا يكن فلا جدية, ولا تعويل على تجلية حجة, أو إقامة دليل.

كل ذلك يتعرض للترنح حين يلتفت المرء إلى شقه الآخر: الهوى, ويا لها من قوة طاغية, إذا استبدت! حينها تقصي العقل, وتملي عليه, فتسيره, وتوظفه. ومن هنا يُذم النقاش, وييأس الناس من قدراته في إحداث التحولات, فكم سمعنا من عامتهم أنه لا فائدة من نقاش بين حزبين, أو حركتين؛ إذ لا أحد يقنع الآخر.


ينشأ التعصب حين يكون الهدف هو الانتصار للذات, أو للقوم, أو للجماعة, أو للحزب, بغض النظر عن التعاطي مع الفكرة المطروحة, فالموقف من فكرة الخصم سلبي وجاهز, والطرف الآخر لا يتوقع خيرا يكون خصمُه السبيلَ إليه, إنه يجرده من أي خير, ويعزله عن أية نية سليمة, أو فكرة صائبة, فهل غدا الخصم شيطاناً رجيماً؟! حتى الشيطان صدق في أحد المواقف, وهو الكذوب!

يخشى المتعصب إن هو قبل, ولو بينه وبين نفسه بفكرة مصدرها أحد خصومه أن ينساق إلى قبوله كاملاً, وهل هذا مسوغ لمعاداة الحق الذي يجري على لسانه؟!


وهنا ينهض الإنصاف خلقاً رفيعاً, وسمةً إنسانيةً راقيةً, حتى مع العدو, والبغيض, قال تعالى:” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى” ويزداد الأمر خطورةً في نظر المتعصب حين ينتابه القلق على أتباعه, والخوف من تفلتهم, إن هو أعلن عن موافقة الخصم للحق في مسألة, أو قضية. حينها يتربى في أولئك الأتباع خلق التخطئة الدائمة, وتعسف التذنيب والتأثيم, وافتراض سوء النية, عندما يبدو الفعل خلواً من السلبية في الظاهر.

وتصاحب التعصب أخلاق مرافقة ليست مقتصرة على التسرع والعجلة في غير موضعها, والإسراف في التشنيع على الخصم والمخالف, بما يعنيه ذلك من الوقوع في الظلم في حق الآخرين, وسرعة اتهامهم, دون دليل, أو بينة, ثم التعميم في الأحكام, فأولئك متخلفون! وأولئك عملاء! وهؤلاء نفعيون! وهكذا, غاضا نظره عن نماذج تَنِدُّ بوضوح عن تلك الصفات.

ونحن واجدون في نصوص القرآن الكريم الكثير من التحرز في إطلاق الأحكام على الناس, فكثيراً ما تجد في آي التنزيل ” أكثرهم لا يعقلون”, وليس كلهم, ولو عدت إلى أحد سياقاتها فقد تجدها مسبوقةً بصفة قبيحة لهم, كالافتراء على الله, ومع ذلك لم يجردهم الله من العقل:” يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون” ومثلها قوله تعالى:” لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون” هذا المنطق يستخدمه الله سبحانه حتى مع الذين هم على النقيض مع الإيمان والحق؛ فكيف يكون مع من يختلفون في فهمه؟!





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق