العبادات المتعدية والتربية الاجتماعية والسياسية !

ثقافة عامة

أرأيتم مليونيراً يتسول كسرات الخبز على مقاهي الفقراء ، تماماً هي قصة العقل المسلم حين يتعطل عن البحث والتفكير ، ويستمرأ النقل والتقليد واستيراد المفاهيم والأفكار ومشروعات وبرامج ووسائل وأدوات العمل من الغير
.
كثيرة هي المفاهيم والأفكار الإسلامية التأسيسية الصلبة الغائبة عن الحضور في الوعي الثقافي والعملي الإسلامي .
وأعنى بالأفكار التأسيسية الصلبة تلك الأفكار العميقة والقوية الهامة في ذاتها وفى طبيعتها بالنسبة للمرحلة التاريخية التي نمر بها - من حيث قدرتها على المساهمة في تلبية احتياجات وتحديات المرحلة - والتي يترتب عليها إنتاج الكثير والمتتالي من الأفكار الفرعية ،والتي يمكن ترجمتها إلى تطبيقات عملية في الكثير من مجالات الحياة الثقافية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية فيعظم أثرها فى واقع عقل وحياة المجتمع والأمة .

يقول ربنا تبارك وتعالى (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) الأنعام 163 أفهم من من هذه الآية أن المجتمع كله محراب عبادة للمسلم يتنسك فيه المسلم كعضو حي وفاعل ونشط ومؤثر وصالح في ذاته مصلح لواقع مجتمعه ــ يتنسك تارة في مكتبته بين كتبه وأبحاثه وأمام جهاز الكمبيوتر باحثاً ومتدبراً ومنتجاً للأفكار والأطروحات وكاتباً وتارة مزاحماً مجالس العلماء والمفكرين ليتعلم منهم ، وتارة في المسجد ثم تارة في النادي وتارة أخرى في المؤسسة ، ثم ينتقل ليتنسك بشكل آخر في مؤسسة اجتماعية و...الخ إنها نعمة الإيمان والعمل للإصلاح والتغيير ونهضة الأمة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
.
قسم علماء الأصول العبادات النفلية من حيث قيمتها وأثرها وأجرها إلى العبادات المتعدية و العبادات القاصرة والقاصرة بالمعنى المعاصر أي الحصرية في أثرها على صاحبها فقط ، والعبادة المتعدية وهي التي يصل أثرها ونفعها للغير ، وذلك
في جميع أنواع النوافل وليس في الفروض العينية ، وذلك ما يمكن التعرف عليه من خلال البحث في أبعاد ومقاصد وحكم الكثير من النصوص على سبيل المثال قول الله تعالى في سورة التوبة ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن ءامن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) الآية 19.
وقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل (التوبة:60.

في إشارة واضحة إلى أهمية الجوانب الإصلاحية في المجتمع والتي تساهم في تخفيف العبء عن الطبقات الدنيا من المجتمع و الضعفاء والمحتاجين والمهمشين مجتمعياً فعن أنس رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال : فنزلنا منزلاً في يوم حار أكثرنا ظلاً صاحب الكساء ومنا من يتقي الشمس بيده قال : فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ذهب المفطرون اليوم بالأجر ” البخاري و حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ؛ وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضي ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام ” انظر :الأحاديث الصحيحة رقم (906 (الألباني
و(أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن كسوت عورته أو أشبعت جوعته أو قضيت له حاجة)صحيح الترغيب والترهيب .

و في نشر العلم يقول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر( يا أبا ذر، لأن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير من أن تصلي مائة ركعة ) رواه ابن ماجه في إشارة لأهمية فهم وتدبر القرآن وآثار العمل به على الفرد والأسرة والمجتمع ، وذلك لآن فهم واستيعاب آية واحد والخروج منها بالكثير من الدلالات والتطبيقات التي ستؤثر في فهم وسلوك الفرد ومن ثم في أسرته ومجتمعه ،فيصبح تدبر وفهم القرآن الكريم من العبادات المتعدية عظيمة الأثر والأجر مقدماً على مائة ركعة والتي يحتاج أداؤها لوقت طويل نسبياً عن تدبر وفهم آية واحدة ، والخروج بوصايا وتطبيقات عملية.

ومما سبق من النصوص يمكن أن نطرح العديد من الأسئلة والتي تحتاج إلى فريق من الباحثين المتنوعين في مجالات العلوم الشرعية والتربوية والاجتماعية والسياسية لتناول هذه المفهوم بشيء من التوسع الذي يستحقه بقدر أهميته وبقدر حاجتنا إليه الآن والتي تصلح أن تكون ورقة عمل لحلقة نقاشية أو مؤتمر ، كما يمكن أن يتلقفها أحد الباحثين لدراسات الماجستير أو الدكتوراه لخدمتها علمياً وتقديم دراسة معمقة حول العبادات المتعدية ودورها فى التنمية المجتمعية و صناعة التنمية والنهضة
.
وأطرح هنا العديد من الأفكار و الأسئلة الافتتاحية لكثير من المفاهيم والأفكار التفصيلية الامتدادية لمفهوم العبادات المتعدية
- ماهي الحكم والمقاصد المتنوعة للشعائر التعبدية من حيث فوائدها المتعدية التي ينتفع بها المجتمع ؟
- ما هو دور العبادات المتعدية في بناء الجانب الاجتماعي والسياسي والإصلاحي من شخصية المسلم المعاصر ؟
- ما هو دور العبادات المتعدية على مستوى تقوية اللحمة الداخلية لأبناء الأسرة والمجتمع الواحد وعلى مستوى حل مشاكل المجتمع وفتح آفاق تنميته وتطويره ؟
- هل هناك علاقة بين السلبية وعزوف أفراد المجتمع عن المشاركة فى الحياة العامة وبين غياب مفهوم العبادات المتعدية؟
- ما هي حقيقة وأسباب وآثار الخلل الذي أصاب جزءاً من العقل المسلم في تقديم العبادات الفردية حصرية الأثر على حساب العبادات المتعدية ؟

- هل يمكن أن نعتبر العبادات المتعدية أفضل أشكال التجارة والاستثمار مع الله عز وجل ؟
- هل هناك دور للعبادات المتعدية فى تربية الفرد المسلم على المشاركة في الشأن العام وتقديم الهم العام على الهم الخاص ؟
- ما هي اعتبارات وتطبيقات فقه الأولويات في العبادات المتعدية ؟
- هل يمكن اعتبار العبادات المتعدية أحد أركان التربية السياسية في كيان الشخصية الإسلامية المعاصرة ؟
- هل هناك علاقة بين العبادات المتعدية كمتغير أساسي وبين تفجير مواهب وإبداعات أفراد المجتمع كمتغير تابع وحركة الإبداع في المجتمع بشكل عام؟
- ما هي شروط ومحددات ومعايير جودة العبادات المتعدية ؟

- ما هو واقع العبادات المتعدية ودورها في تنشيط حركة العمل التطوعي والمؤسسات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني في واقعنا العربي ؟
- واقع العبادات المتعدية في واقعنا الثقافي والعملي بين الحضور والتغييب العشوائي والمتعمد ؟
هذه بعض الأسئلة الأولية تمثل مفاتيح لموضوع متكامل ومهم للأمة كلها آمل أن يرى النور قريباً .
___________
المصريون 15/12/2009م بـ”تصرف”





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق