أسلمة العلوم من سُبُل بناء حضارتنا

ثقافة عامة

إن الأمة الإسلامية تواجه حالياً تحدياً حضارياً في كل المستويات وعلى جميع الأصعدة خاصة المجال الفكري والتربوي،ولن يكون هناك تحد حضاري إلا إذا رجعنا إلى أنفسنا وحددنا نوعية القضايا والمشاكل وطبيعة التحديات التي تواجهها الأمة الإسلامية ، والتفكير والإبداع في إيجاد حلول لها من خلال إعادة صياغة الرؤية والنظرة إلى الإنسان بحكم أنه محور الكون انطلاقاً من التصور العام للنفس الإنسانية الذي يقدمه الإسلام، ومن المنهج النبوي الذي أسماه الدكتور محمد عمارة “منهج حضارة” والذي “تميزت به حضارتنا عن غيرها”.

وإذا كان كما قال المفكر الإسلامي “عزت بيكوفيتش”: “حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع، ومعنى الثقافة القوة الذاتية التي تكتسب بالتنشئة” فأين هي ثقافة وتنشئة الإنسان العربي المسلم؟
وإذا كانت كما قال نفس المفكر” وسائل الحضارة هي الفكر واللغة والكتابة” فأين فكرنا وأين لغتنا التي تشكو على لسان الشاعر الكبيرحافظ إبراهيم:
رموني بالعقم في الشباب وليتني ******عقمت فلم أجزع بقول عداتي
وأين كتاباتنا بل أين هي هويتنا؟

وإذا كان الإنسان على عبارة ابن خلدون “هو ينبوع العلم والصنائع” فأين هو ينبوع العلم والصنائع العربي المسلم؟
لذا بات من الضروري بناء الإنسان في مجتمعاتنا الذي تضعفه قيود الجهل والخمول وفقد الحرية وينهك جسده وشخصيته التبعثر والتناقض والهزيمة النفسية فلا فائدة كما يقر الدكتور طارق السويدان مع الأستاذ فيصل عمر باشراحيل في سلسلتهما “صناعة الثقافة” “من الأبنية الشاهقة ولا المصانع الشامخة ولا الشوارع النظيفة إذا لم نستطع بناء الإنسان بناء عقله وروحه ونفسه وجسده”، وكيف نبني الإنسان ومستلزمات البناء نفتقر إليها، وما نحن بفقراء إذ يقول فينا الغزالي: “عجبت لأمة تبكي فقرها ولكن الكنز تحت قدميها”
لكن المشكلة أن معظم المتخصصين في شتى العلوم في البلاد العربية والإسلامية كانت دراساتهم في مختلف الجامعات الغربية، وبعضهم بالتالي يعملون على نقل ثقافة و فكر وتحليل منبثق من الحضارة الغربية مغفلين بذلك أبعاد هويتنا ،واختلاف المبادئ والمسلمات والمفاهيم بيننا وبين الغرب ، وبالتالي كان هناك اعتماد على علوم غربية في الجامعات والمعاهد العربية و الإسلامية، وعدم مراعاة لخصوصية البيئة العربية الإسلامية مما نتج عنه حد من إبداع في هذه المجالات.

وقد لفت الانتباه الدكتور يوسف القرضاوي إلى خطورة بعض العلوم وعلى رأسها العلوم الإنسانية،حيث أكد على تناولها من الجانب الإسلامي قائلا :”أرى واجبا على الجماعة الإسلامية أن يكون فيها من يتخصص في جميع ألوان الدراسات الإنسانية المختلفة( علم النفس والتربية وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيرها)،حتى يدرسها ويعرضها من منطلق إسلامي أصيل ،وفي إطار إسلامي مأمون،لاسيما وأن هذه العلوم الإنسانية و الاجتماعية هي التي تصنع فكر الأمة وذوقها ،وتلون اتجاهاتها وسلوك أفرادها بلونها.”
من هذا المنطلق كان اهتمامي بالبحث في علم النفس الإسلامي، ولا أخفي عليكم أنني منذ بدأت التخصص في علم النفس انتابني هاجس محاولة وضعه كعلم إسلامي، فكان الاهتمام بالقرآن الكريم والحديث الشريف انطلاقا من قراءات نفسية جديدة، فوجدت مفاتيح معرفية تحتاج إلى عقول يقظة و مستنيرة لكي تستخرج منها مبادئ علمية تشكل علوما إنسانية ترقى بالإنسان إلى مرتبة التكريم والهوية الاستخلافية التي خلق لأجلها.

وإنه ليشرفني أن تكون دراستي لعلم النفس من فروض الكفاية ، وفي ذلك يقول الدكتور القرضاوي: “فلا يجوز أن يعدها المسلمون مجرد مباح يجوز فعله أو تركه ، إنما يجب عد ذلك من فروض الكفاية”
إذن لا نهضة ولا تحدي حضاري ولا تقدم فكري في مجتمعاتنا إن لم نبن الإنسان، ولا مجال لبناء فعلي للإنسان العربي المسلم إن لم نكيف العلوم والتجارب والمهارات الغربية ونعيد صياغتها لتتناغم مع روح الشخصية العربية الإسلامية ومرجعياتها.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق