البابطين.. وصناعة الثقافة

ثقافة عامة

احتضنت العاصمة البوسنية سراييفو الدورة الثانية عشرة لجائزة البابطين الشعرية - والتي ختمت الخميس 21/10/2010م - ورغم أن الجائزة شعرية فإن نشاطها لم يقتصر على تكريم الفائزين كما جرت العادة في الاحتفالات التكريمية الأخرى، بل إن الاحتفال بها كان مناسبة أدبية وثقافية عامة، فالدورة التي حملت اسمي الشاعرين خليل مطران من العرب، ومحمد علي ماك دزدار من البوسنة، تضمنت برنامجا لندوة حول حوار الحضارات في نظام عالمي مختلف، وندوات أدبية حول الشاعرين مطران ودزدار.

وقد حدد الأستاذ عبدالعزيز سعود البابطين مؤسس الجائزة ورئيس مجلس أمنائها سبب اختيار مدينة سراييفو لهذه الدورة أنه جاء تقديراً لكفاحها، ولموقعها الذي يشهد على تعدد الثقافات.
واعتبر المحن التي مرت بها تمثل تجارب مهمة تثبت ضرورة التعايش بين مختلف الأعراق والثقافات، كما أكد حرصه على مواصلة مسيرة المؤسسة في ترسيخ المحافظة على اللغة والثقافة العربية في كل الميادين، مبيناً أن المؤسسة ستكثف من جهودها في دعم اللغة والأدب والثقافة العربية.
وقد شارك في هذه الندوة أكثر من 450 مشاركا جاؤوا من الدول العربية ومن بعض الدول الأوروبية من المستشرقين والمهتمين بالدراسات العربية والإسلامية، إلى جانب عدد من المشاركين من الدول الآسيوية حيث جاء مشاركون من دول جنوب شرقي آسيا ومن الهند وإيران وغيرهما، حيث كان الملتقى تجمعاً ثقافياً عالمياً خرج عن كونه تكريماً وجوائز شعرية.

فمؤسسة البابطين التي بدأت دورتها الأولى في القاهرة عام 1990 توسعت وأصبحت تظاهرة ثقافية تتجاوز حدود المنطقة العربية لتصل إلى دول عدة حاملة الثقافة العربية لثقافات أخرى في نموذج من التواصل الثقافي، نموذج يقدم العمل على القرارات والتوصيات التي تتسم بها عادة المشاريع الرسمية، إذ تقوم مؤسسة جائزة البابطين بدور عجزت عنه بعض وزارات الثقافة العربية.
وإذا كانت سراييفو هي المحطة الثانية عشرة للدورة فإنها قد جالت قبل ذلك في عدد من الدول والمدن العالمية، فمن القاهرة إلى فاس، ومن الجزائر إلى قرطبة، ومن المنامة إلى باريس، ومن بيروت إلى طهران، ولم تكن الكويت منطقة انطلاق للجائزة فقط، بل احتضنتها في أكثر من دورة ونشاط.

كما أن الجائزة التي ذاع صيتها وغلب اسمها على اسم المؤسسة التي تحمل نفس الاسم، لا تقف عند الشعر وحده، وإن كان هو محورها الذي تدور حوله، بل امتدت إلى آفاق واسعة من خدمة الثقافة واللغة العربية، ولعل “معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين”، وكذلك “معجم البابطين للشعراء العرب في القرنين 19 و 20” يعدان نموذجاً لهذه الخدمة، إلى جانب “مكتبة البابطين المركزية للشعر العربي” التي تعد أكبر مكتبة للشعر، ومصدراً معرفياً واسعاً يحقق مقولة “الشعر ديوان العرب”.
إلى جانب إصداراتها من الكتب والدواوين الشعرية التي كان آخرها جمع الأعمال الكاملة لشاعر الدورة “خليل مطران” في خمسة مجلات، وتنشر بعض هذه الأعمال لأول مرة، إلى جانب نشر أعمال شعرية وأدبية لعدد من الشعراء العرب، وكذلك نشر شعر مترجم إلى العربية أو ترجمة الشعر العربي إلى اللغات الأخرى.
وقد بدا ذلك واضحاً في دورة سراييفو، حيث تم نشر عدد من الكتب باللغة البوسنية وترجمتها إلى اللغة العربية، كان من أبرزها “كتاب الشرق” لمؤلفه الدكتور أسعد دوراكوفيتش رئيس قسم الاستشراف في جامعة سراييفو، والذي يؤسس فيه لعلم “دراسة الشرق” بعيداً عن التأثيرات السلبية لكتابات المستشرقين.

إلى جانب نشر أعمال الشاعر المحتفى به محمد علي ماك دزدار، وعدد آخر من الكتب والدراسات الأدبية البوسنية، مما وضع ثقافة هذا المجتمع البوسني أمام القارئ العربي، في عملية تواصل مهمة، حيث أن البوسنة والهرسك لم تكن حاضرة في المخيلة العربية خلال العقود الأخيرة إلا من خلال الحرب التي استعرت فيها منتصف التسعينيات الماضية، ثم غابت البوسنة عن الحضور في الحياة العربية.
ولا يعرف القارئ العربي شيئاً عن ثقافة هذا البلد العريق، بل لا يعرف أن البوسنيين كانوا يكتبون لغتهم بالحروف العربية حتى عام 1878 حين تم فرض الحروف اللاتينية بعد احتلال النمسا لهذا البلد، ورغم ذلك بقي بعض الأدباء البوسنيين يصرون على الكتابة بالحروف العربية حتى عام 1950.
وهناك اهتمام لدى الأدباء والمثقفين بالثقافة العربية لما يربط بين الثقافتين من جذور إسلامية، ولذا فإن دورة جائزة البابطين في سرايفو جاءت لتحيي هذا التواصل.

ولم تكتف بتعريف العرب بالثقافة البوسنية، بل قامت بنقل الثقافة العربية إلى البوسنيين من خلال طباعة عدد من الكتب والدواوين الشعرية من اللغة العربية إلى اللغة البوسنية، حتى يتاح للقارئ البوسني التعرف على الثقافة العربية.
ولم تكن الترجمة هي الوسيلة الوحيدة لهذا التواصل، بل كانت الدورة التي امتدت لثلاثة أيام فرصة للحوار والتواصل بين المثقفين والأدباء العرب والبوسنيين، حيث كانت الندوات والحوارات الأدبية والثقافية في أثناء الجلسات، ميداناً لتبادل الآراء والأفكار وتكوين علاقات علمية وأكاديمية بين الطرفين، ما يشير إلى أهمية التواصل والانفتاح بين الثقافات، وبخاصة ذات الجذور المشتركة. وهذا ما يسرته لقاءات الدورة الثانية عشرة لجائزة عبدالعزيز سعود البابطين.

هذه الجائزة التي تأتي ضمن إسهام الأدباء ورجال الأعمال في خدمة الثقافة والتواصل الثقافي، ولا شك أن صفة عبدالعزيز البابطين الشاعر والمثقف، قد أسهمت في نجاح هذه المؤسسة التي خدمت الثقافة العربية في مجال الإبداع والفكر والأدب، وهي تجربة ودعوة لاهتمام رجال الأعمال -خاصة في منطقة الخليج العربي- بالثقافة والفكر والأدب، فهم بذلك يسهمون في خدمة ثقافتهم، ويسجلون أسماءهم في صفحات التقدير.





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق