قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم

اسلاميات

يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ :{ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون } [النّور:30]
أخي ، هذا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم الله عليهم فلا ينظروا إلا ما أباح النّظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم .
ولماكان النّظرداعية إلى فساد القلب ، كما قال بعض السّلف : النّظرسهم سم إلى القلب ، أمرالله بحفظ الفروج كماأمربحفظ الأبصارالتي هي بواعث إلى ذلك ، قال سبحانه وتعالى : {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم }(1)
أخي المسلم ، “ إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف ، لاتهاج فيه الشّهوات في كل لحظة ، فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لاينطفئ ولايرتوي ، والنّظرة الخائنة .. لا تصنع شيئا إلا أن تهيج ذلك السّعار الحيواني المجنون .
وغض البصر من جانب الرّجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرّغبة في الاطلاع على المحاسن ، كماأن فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السّهم المسموم” (2)
غض البصر تطهير للقلب
يقول ـ سبحانه وتعالى ـ :{ ذلك أزكى لهم } أي أطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم ، كماقيل : من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته “ فغض البصر ، وحفظ الفرج ، أطهر للمشاعر ، وأضمن لعدم تلوثها بالانفعالات الشّهوية في غير موضعها المشروع النّظيف ، وعدم ارتكاسها إلى الدرك الحيواني الهابط ، وهو أطهرللجماعة ، وأصون لحرماتها وأعراضها ، وجوها الذي تتنفس فيه .
والله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي يأخذهم بهذه الوقاية ، وهو العليم بتركيبهم النّفسي وتكوينهم الفطري ، الخبير بحركات نفوسهم ، وحركات جوارحهم”(3){إن الله خبير بما يصنعون } ويقول ـ سبحانه وتعالى ـ :{ يعلم خائنة الأعين } أي : النّظر إلى مانهى عنه . (4)
ولغض البصر فوائد
أخي الكريم ، إن في غض البصر عما لايجوز النّظر إليه فوائد كثيرة أرجوأن تقف عندها بتأمل وتفكر ، ومنها(5)
1 أنه امتثال لامر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده …وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره ، وماشقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره .
2 أنه يمنع من وصول أثر السّهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه .
3 أنه يورث القلب أنسا بالله ، وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه .
4 أنه يقوي القلب ويفرحه ، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه .
5 أنه يكسب القلب نورا ، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة ... وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب ، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشّر عليه من كل مكان .
6 أنه يفرغ القلب للتفكر في مصالحه والاشتغال بها ، وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ، ويحول بينه وبينها ، فتنفرط عليه أموره ، ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه ، قال ـ سبحانه وتعالى ـ :{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }[الكهف:28] وإطلاق النّظر يوجب هذه الأمور الثّلاثة بحسبه .
أيهاالأخ المسلم ، من الخلوة في محلك بالمرأة فإنك بعملك هذا تعرض نفسك لخطرعظيم قدحذرك منه رسولك الكريم أشد التحذير قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ :(( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ(6) قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ )) .
وقال صلى الله عليه وسلم :(( لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))(7)
أخي الكريم ، إن الشّيطان ينتظر هذه اللحظة التي تخلو فيها بامرأة ليزين لكما ما لا يرضي الله ، فإذاماحدث وأن خلوت بامرأة عن أعين النّاس فانتبه فإن الله يراك ، ويعلم سرك ونجواك {يعلم خائنة الأعين وماتخفي الصّدور }
إذاماخلوت الدهريومافلاتقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولاتحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيـب
واعلم أن عليك شاهدين لا يغيبان : {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ماتفعلون} [الانفطار:11]
كيف يخلو وعنده كاتباه شاهداه وربه ذو الجلال
فاحذر أن يكتبا في صحيفتك ما لايسرك أن تراه حين تتطاير الصحف ، فإن ذلك يوم عصيب ، فتمثل تلك اللحظة الرّهيبة ، التي أنت فيها ـ وقد تملكك الخوف ، وعلتك الدهشة :{اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}[الإسراء : 14] .
فأحسن العمل أيها الأخ الكريم ، فإن الحساب دقيق .
قال الإمام الحسن البصري ـ رحمه الله ـ وتلا{ عن اليمين وعن الشّمال قعيد } : “ يا ابن آدم ، بسطت لك صحيفتك ، ووكل بك ملكان كريمان ، أحدهما عن يمينك ، والآخر عن شمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر ! حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشوراً { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك ” (8)
أخي المسلم ، إذا خلوت عن النّاس ، ودعتك نفسك إلى ريبة فتذكر هذا الحديث العظيم : قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( لأعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ،جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ ،قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ،وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) (9)
فانظر في حالك إذا خلوت بمحارم الله ، عسى ألاتكون ممن يجعل الله عمله هباء منثورا ، ذلك الذي إذا اختفى عن أعين النّاس خوفا منهم ، أوحياء ، لم يخف من الله ولم يستحي منه وهو مطلع عليه .
(( فرب خال بذنب كان سببَ وقوعه في هوة شقوة في عيش الدنيا والآخرة وكأنه قيل له : ابق بما آثرت ، فيبقى أبدا في التخبيط ، قال أبوالدرداء:إن العبد ليخلو بمعصية الله سبحانه وتعالى فيلقي الله بغضبه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر ))(10)
حواشي أجب ...
(1) تفسير ابن كثير للآية 3/281 .(2) الظلال 4/2512 .(3) المرجع السّابق .(4) شرح السّنة للبغوي 9/23 .(5) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشّافي ، لابن القيم ص258 بتصرف .(6) الحمو : أقارب الزّوج كأخيه وابن عمه ونحوهما .(7) أخرجهما البخاري في النّكاح ، الفتح 9/330 ، ومسلم 4/1711 .(8) تفسير ابن كثير للآية 3/28 ، قال ابن كثير : “ هذا من أحسن كلام الحسن رحمه الله ” .(9) رواه ابن ماجه عن ثوبان وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم(4904) .(10) صيد الخاطر لابن الجوزي ص235 .





طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق